ارشيف من :أخبار عالمية

إلى المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان

إلى المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان
هاني الفردان-""الوسط"
 

يختلف الكثيرون على تفسير معنى «الانتهاك الممنهج» لغياب التعريف الواضح لهذا المصطلح الحقوقي المنتشر، والمستخدم دولياً لإدانة أنظمة وحكومات لا تلتزم بمعايير حقوق الإنسان.

في السابق ترى المؤسسات الرسمية أن «الانتهاكات الممنهجة» يجب أن تكون وفق نصوص مكتوبة وقرارات، وآليات وتشريعات، ليحكم عليها بذلك الحكم، وعند اعتماد هذه المنهجية فلن تجد أية جهة تُتّهم بممارسة أي انتهاك لحقوق الإنسان! فلا أحد يصدر قراراً وتشريعاً يجيز فيه «التعذيب» مثلاً، ولن تجد دولاً تعترف بقرار رسمي ومكتوب رفضها للتظاهر أو حق التعبير، بل ستجدها عكس ذلك، تسنّ تشريعات كثيرة توحي بعكس أفعالها.

الغريب أن تقرير المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، حفل بجملة واسعة من الانتهاكات لحقوق الإنسان، ووثّق الكثير من الحالات على مختلف الأصعدة، ومع ذلك، ذكر الأمين العام للمؤسسة أحمد فرحان أن «المؤسسة لم تجد أن هناك ظاهرة للانتهاك الممنهج لحالات حقوق الإنسان في البحرين، وأن الحالات التي رصدتها هي إما حالات فردية أو وقعت عن جهل أو عدم احترام لحق الآخر كثقافة مجتمعية»!

نعلم جيداً مدى الحرج الذي قد يوقع «مؤسسة رسمية» كالمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، في الحديث عن حالات «انتهاك ممنهج» لحقوق الإنسان في البحرين، ومع سردها لجملة واسعة من الانتهاكات، فهي فضلت إلصاقها بـ«الحالات أو التصرفات الفردية» على أن تكون «ممنهجة».

على مستوى الحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية والمعنوية، ذكر تقرير المؤسسة الوطنية الأول الذي صدر مؤخراً، أنه «رغم الجهود المبذولة، فإن الحق في السلامة الجسدية والمعنوية لايزال عرضةً لكثير من الانتهاكات تكاد تكون متواترة (مع التركيز على كلمة: متواترة)، حيث أن الأحداث الأمنية التي تشهدها المملكة أبرزت تلك الانتهاكات من خلال الاستعمال غير الصحيح للقوة من قبل قوات الأمن العام، كاللجوء إلى استعمال سلاح الشوزن، وإلقاء الغازات المسيلة للدموع داخل المساكن والأماكن المغلقة، والقنابل الصوتية، فضلاً عن الادعاءات بالاعتداء بالضرب أثناء عمليات القبض على المشتبه فيهم». وأكّدت المؤسسة أنها وجدت حالات فيها «انتهاك هذا الحق، ونتجت عنها إصابات جسدية بعضها يصنف بالإصابات البليغة».

المؤسسة الوطنية، التي ترى أن الانتهاكات في البحرين غير ممنهجة، ذكرت في تقريرها بشأن أحداث سجن الحوض الجاف، أنها «لاحظت (خلال زيارتها السجن) وجود آثار لاعتداء شديد على أنحاء متفرقة من أجساد الموقوفين نتيجة الضرب بالهراوات من قبل قوات مكافحة الشغب على نحو يمكن وصفه بالعقاب الجماعي، إلى جانب إفاداتهم جميعاً بوضعهم تحت أشعة الشمس الحارة لمدة تصل إلى أربع ساعات متواصلة، وتعرضهم للإهانات والشتائم ذات الصبغة الطائفية».

ولكون القضية بحسب رؤية المؤسسة الوطنية «تصرفات فردية»، فإنه كان من الواجب على المؤسسة الأمنية المعنية أن تباشر بالتحقيق، والمحاسبة عبر لجنة تحقيق، لإثبات صحة تلك الفرضية، والتأكد من أن ما حدث ليس عملاً ممنهجاً، إلا أن المؤسسة وفي تقريرها ترد على ذلك بالقول أيضاً «إنها أرسلت تقريراً وتوصيات، وطالبت بلجنة تحقيق جادة» بشأن ما حدث، ولوضع تصور لإجراءات معاملة الموقوفين بمركز الحبس الاحتياطي بالحوض الجاف بما يتفق ويتواءم مع المعايير الدولية»، ومع ذلك لم تحصل على رد (حتى كتابة تقريرها) على كل ذلك من قبل وزارة الداخلية!

على مستوى آخر، وهو الحق في الحرية والأمان الشخصي، ذكر التقرير أيضاً أن «الإجراءات الأمنية الجارية أظهرت حالات كثيرة تعرض فيها حق الفرد في الحرية والأمان الشخصي لانتهاكات تمثلت في قيام السلطات بالاعتقالات التي خلت من اتّباع الإجراءات القانونية الصحيحة بشأنها، رافقها تعدٍّ على حرمة المساكن وقاطنيها»، مشيرةً إلى أنها «رصدت صوراً وفيديوهات ظهر فيها قيام قوات الأمن بتسوّر المساكن، واستعمال القوة من خلال كسر أبوابها وإتلاف الممتلكات فيها، رافق بعضها تَعدٍّ على الحق في السلامة الجسدية والمعنوية وعدم الإفصاح عن الأماكن التي يُقتاد إليها المقبوض عليه، وعدم إبراز المذكرة القضائية بالدخول والقبض، واستمرار احتجاز الفرد رغم صدور قرار قضائي بالإفراج عنه، أو احتجاز من دون توجيه أي تهم إلى عدد من الموقوفين، وعدم الإفصاح عن الجهة المنفذة لعملية القبض، وغيرها».

الحق في المحاكمة العادلة، إذ ترى المؤسسة (صفحة 55) أن هذا الحق «مازال عرضة للانتهاك من قبل بعض الجهات المعنية ممثلة في وزارة الداخلية، وهيئة شئون الإعلام، والنيابة العامة من خلال التعرض لتلك الضمانات المقررة دستورياً على نحو يمسّ جوهرها (...)»، وهنا المؤسسة تتكلم عن جهات وليس أفراد!

في باب الحق في الجنسية، تحدثت المؤسسة عن مجموعة الـ31 الذين أسقطت جنسياتهم بشكل غير قانوني ومخالف للدستور، ولا أعتقد أن إسقاط تلك الجنسيات كانت «تصرفات شخصية»!

حق التعبير، وكذلك حق التجمع السلمي، وما شهده من تشريعات تعيق وتعرقل تلك الحقوق، حتى طالبت المؤسسة الوطنية بتعديل القانون والسماح بحق التظاهر في العاصمة (المنامة) كحق من حقوق الإنسان البحريني، ولا أعتقد أن انتهاك هذا الحق كان بتصرف «فردي» وليس بقرار «ممنهج».

فهل كل تلك الانتهاكات، لا تعد انتهاكات ممنهجة، بل تصفها المؤسسة بـ«الفردية» أمر مستغرب وبشدة وغير مقبول من مؤسسة تسعى للحصول على الاعتمادية الدولية، فعندما تسرد كل تلك الانتهاكات وتعتبرها فردية، فهي بذلك تقر بأننا لا نعيش في دولة.
2014-09-20