ارشيف من :أخبار عالمية

بين «التوافق» و«القواسم المشتركة»

بين «التوافق» و«القواسم المشتركة»
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية

منذ العام 2011، وقبل انطلاق ما سمي في ذلك الوقت بـ«حوار التوافق الوطني» (الحوار الأول) كانت جميع التصريحات الرسمية من الأعلى حتى الأدنى، لا حديث لها إلا عن أنه «لا يمكن أن يكون هناك حل في البحرين إلا من خلال التوافق الوطني بين جميع مكونات الشعب».

والحكومة والوزراء، وحتى صغار المسئولين والأقلام والموالاة، لا يتحدثون إلا عن مفهوم «التوافق» الذي لم يفهم أحد. وحتى المتحدثة الرسمية باسم الحكومة صرحت كثيراً، ومن بين تلك التصريحات ما نشر في صحيفة «الشرق الأوسط» (10 يناير/ كانون الثاني 2014) عندما أكّدت «أنه لا حل آخر في البحرين إلا بالحوار والتوافق»، مشدّدةً على أنه «لدى الأطراف البحرينية خلافات يمكن حلها بالتوافق وعبر طاولة الحوار، ولا شيء غير ذلك». أي لا شيء غير «التوافق»!

وزير العدل والشئون الإسلامية والأوقاف الشيخ خالد بن علي آل خليفة أكّد في الرابع من فبراير/ شباط 2013 أن «التوافق الوطني ليس خيار اللحظة بل هو تاريخ من العمل الوطني، وهو إيمان وقناعة راسخة... إنه سبيل القوة والتقدم (...)»، كما قال: «التوافق الوطني هو القاعدة الأساس والضمانة لأي تطوير مستدام».

يوم الثلثاء 17 سبتمبر/ أيلول 2014 أعلن عن لقاء جمع ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، بقصر الرفاع بعددٍ من الأعيان وشخصيات المجتمع، وتناول اللقاء ما تحقق من خلال تفعيل المشاركة الشعبية واستمراراً للأخذ بمنهج التوافق، فقد تم إطلاع الأعيان وشخصيات المجتمع وأخذ رأيهم حول ما تم التوصل إليه بالمحور السياسي في استكمال حوار التوافق الوطني والمتضمن إطاراً واضحاً يمثل قاسماً مشتركاً بين جميع الأطراف المشاركة.

بدا واضحاً أن لغة «التوافق» التي كانت السلطة متمسكة بها منذ العام 2011 بين مكونات المجتمع، تبدّلت إلى لغة جديدة بعنوان آخر، وهو «القواسم المشتركة»، وذلك بعد أن فشلت القوى السياسية المتحاورة على مدى ثلاثة أعوام من «التوافق» على صيغة حل معين يخرج البلد من أزمته الخانقة.

عندما تحدثنا من قبل عن أن الحل لن يكون من على طاولة الحوار، ضجّ وزير العدل، وتحدّث عن أن ما يوجد تحت الطاولة «أحذية ونعل»، وعندما تحدثنا عن ضبابية مفهوم «التوافق» خرجت اللجنة المعنية لتفسر ذلك المعنى، و»فسرت الماء بعد الجهد بالماء»، وذلك عندما صرّحت أن «القرار بالتوافق يعتبر أقوى أشكال الاتفاق، حتى أنه أشد قوةً من التصويت بالأغلبية الساحقة؛ فالقرار التوافقي يعالج ويلبي المصالح الأساسية للأطراف المعنية، ويحقق أوسع تأييد للنتائج»!

وبعد كل ذلك، نرى أن ما يعرض حالياً من أنه «الحل» لم يأتِ من فوق طاولة الحوار، بل جاء من تحتها، وبشكل لم يقره المتحاورون المعترف بهم في «حوار التوافق الوطني» بل صدمهم جميعاً، فمنهم من صمت ولم يعلق حتى الآن في بيان رسمي عن موقفه، رغم أن بعض قياداته تحدثت بشكل غير مباشر وأشادت به، فيما رفضته قوى المعارضة، ودعت لـ«التوافق عليه».

ما يعرض حالياً على أنه «الحل» للأزمة السياسية، لم يأتِ بالية «التوافق» وهو أمر واضح ومعترف به رسميا أيضاً، التي كانت السلطة تشدد على أن الحل لن يأتي إلا من خلاله، ولا يمكن أبداً ومهما كان أو حدث أن يقفز على مكون دون أن يوافق على ذلك الحل، كسبيل وحيد لإنهاء الأزمة التي ترى السلطة أنها صراع بين مكونات، وما هي إلا «منفذ» لما يتوافق عليه بين تلك المكونات.

نظرية فكرة «التوافق الوطني» فشلت، وبات ذلك واضحاً، وبالتالي أعلن رسمياً نهاية مرحلة «حوار التوافق الوطني» يوم الخميس 18 سبتمبر 2014، كما أعلن عن مشروع جديد لا يقوم على أساس «التوافق»، بل جاء بمصطلح جديد، ومشروع مغاير يقوم على أساس مفهوم مختلف وهو «القواسم المشتركة»، وهو غير معني بأي توافق بين مكونات المجتمع الرئيسية التي كانت على طاولة الحوار من قبل.

المرحلة مختلفة، والمشروع جديد، ولكن الأزمة ستكون باقية، في ظل غياب «الاتفاق» بين الأطراف الحقيقيين للأزمة في البحرين. وفي ظل كل ذلك فالسيناريو سيكون واضحاً جداً: مشروع جديد، سيدخل خانة الاختبار لما بعد الانتخابات النيابية المقبلة، وعلى إثرها سيتقرر مصيره، ومساحة بقائه الزمنية حاله حال الكثير من المشاريع السابقة التي فشلت أيضاً لعدم وجود اتفاق أو توافق بين الحكم من طرف، والمعارضة من طرف آخر، كونهما الطرفين الرئيسيين في الأزمة، وما باقي الأطراف إلا «كومبارسات» تؤيد وترفض أي مشروع بحسب التوجيهات.
2014-09-22