ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا عن 100 ألف سوري في 130 مخيماً في عرسال؟

ماذا عن 100 ألف سوري في 130 مخيماً في عرسال؟

سعدى علوه - صحيفة "السفير"

أشعلت النيران التي اندلعت في مخيم «البنيان السابع» للنازحين السوريين في منطقة «الجمالة» في عرسال، النقاش حول مخيمات السوريين في البلدة، ودورها في «غزوة عرسال»، وإيوائها مسلحين والمداهمات التي ينفذها الجيش اللبناني بحثاً عن مطلوبين شاركوا في الاعتداء عليه خلال المواجهات قبل أكثر من شهر ونصف، أو في التفجيرات وإطلاق النيران الذي تلاها وأخرها العبوة الناسفة التي أدت إلى استشهاد عسكريين وجرح آخرين في المنطقة نفسها.

وإذا كان البعض في لبنان قد سارع إلى الدعوة لإحياء اليوم الجمعة تحت عنوان «لا لذبح عرسال»، فإن آخرين في عرسال دعوا في المقابل إلى تعديل العنوان إلى «لا لذبح عرسال والجيش معاً»، في إشارة إلى عدم فصل البلدة عن الجيش الذي يسعى إلى فرض الأمن فيها وتحريرها فعلياً من سطوة المسلحين، في ظل إعلان وزير الداخلية نهاد المشنوق بأن عرسال «محتلة»، وبعدما اقرّ الجميع بخروج جرودها البالغة مساحتها نحو أربعين كيلومتراً بالطول، وبعمق يتفاوت ما بين عشرة كيلومترات وثلاثين متراً، عن أي سيطرة للدولة اللبنانية وأمنها وعسكرها.

وجاء اندلاع النار في مخيم «البنيان السابع» إثر حملة المداهمات التي ينفذها الجيش بين تجمعات النازحين، والتي أدت إلى توقيف عدد من النازحين قال البعض أنهم بالعشرات.

وردّت مديرية التوجيه في الجيش اللبناني الحريق في المخيم إلى «إقدام ثلاثة عناصر يستقلون دراجة نارية على محاولة إحراق مخيم بالقرب من المخيم الذي كانت قوة من الجيش تفتش فيه بحثاً عن مشبوهين». وأوضح بيان الجيش أن جنوده «أطلقوا النار باتجاه العناصر الثلاثة مما أدى إلى إصابتهم بجروح حيث تم توقيفهم ونقلهم إلى المستشفى للمعالجة».

في المقابل، علت بعض الأصوات التي تحمّل الجيش مسؤولية إحراق المخيم (احترقت ربع خيمه البالغ عددها نحو 250 خيمة)، فيما أفادت معلومات عن اعتقال بعض عناصر «جبهة النصرة».. وآخرين متورطين في الاعتداء على الجيش.

وفور احتراق جزء من المخيم، سيّر نحو مئة نازح تظاهرة باتجاه بلدية عرسال تتقدمها سيارة ترفع علم «داعش»، كما حمل بعضهم العلم نفسه داعين إلى إقامة «الدولة ألإسلامية»، كما حاول بعضهم رفع علم «داعش» على سارية قرب البلدية.

وأصدرت المجالس المحلية التابعة للاجئين السوريين في عرسال بيانا اعترضت فيه على طريقة المداهمات. وطالبت «الحكومة اللبنانية بـ«فتح باب عودة آمن لنرحل بحرائرنا وأطفالنا عبر سلسلة الجبال المهلكة، وبعدها لا يهم رجالنا إن حصل الطوفان». وأضاف البيان «هذا مطلب والبديل عنه تحقيق الأمن والحفاظ على كرامة الإنسان ولا بديل عما سلف ذكره».

بدوره، دان «الائتلاف السوري» مداهمة الجيش اللبناني لمخيمات السوريين في عرسال واصفا الأسلوب بـ«الوحشي». وتوجهت «جبهة النصرة»،إلى الشعب اللبناني عبر «تويتر»، بالقول «جيشكم يرسم طريق مستقبلكم بدخوله إلى عرسال وإهانة أهل السنة، فهل أنتم مستعدون لدفع ثمن ثقتكم به؟».

106 مخيمات في عرسال

ولكن ما هو حجم المخيمات في عرسال؟ وما هو الدور الذي لعبه بعضها خلال غزوة عرسال؟ وماذا عن أعداد السوريين في هذه البلدة التي يبلغ عديد سكانها نحو أربعين ألف نسمة، فيما تستضيف أكثر من ثلاثة أضعاف أهلها؟

يقول أحد المتابعين لملف النازحين السوريين في عرسال أن هناك 27 الف عائلة سورية مسجلة في بلديتها، «غير أن التسجيل في البلدية لا يعني أن هذه العائلات مسجلة عند المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة».

وإذا اعتبرنا أن المعدل الوسطي للعائلة السورية هو خمسة أفراد فقط، إذ أن منظمات المجتمع المدني التي تعمل بين النازحين تقدر معدل الأسرة السورية بسبعة أفراد، يكون عدد السوريين المسجلين في بلدية عرسال 135 ألفا.

ويشير المصدر نفسه إلى أن هؤلاء يتوزعون على 106 مخيمات في عرسال البلدة وحدها. ويراوح حجم هذه المخيمات ما بين عشر خيم إلى 250 خيمة، وكلها لها أسماء بعضها مرتبط بالموقف السياسي والبعض الأخر بمن أنشأها، وبعض ثالت بأسماء المناطق السورية التي أتى منها قاطنوها.

ومن أسماء المخميات «البنيان ألأول» و«البنيان الثاني»... وصولاً إلى «البنيان العاشر»، ومخيم «الشهداء»، و«المعتقلين»، والأمان» و«الأمم المتحدة»، و«السلام» و«البراق» و«مساكن القلمون»، و«مخيم اليباردة»(نسبة إلى يبرود)، و«القاريي» (نسبة إلى قارة)، ومخيم «بوطاقية»... وغيرها.

هذا في عرسال البلدة، أما في جرودها، فيشير بعض أبناء جرد عرسال إلى وجود ما لا يقل عن ثلاثين مخيماً، بحجم يتراوح ما بين خمس خيم ومئة خيمة، على غرار مخيم أساسي موجود في وادي حميد. وتشير التقديرات الأمنية إلى أن ساكني الجرود من السوريين لا يقل عن عشرين ألف سوري.

ولا تشمل الأرقام الفصائل المسلحة التي أنشأت خيمها وتجمعاتها ومراكزها وخصوصاً في الجردين الأوسط والأعلى، وكذلك في الجرود السورية في منطقة القلمون المتصلة بالجرود اللبنانية، ومعها الجرود فوق منطقتي القاع ورأس بعليك والمتصلة بجرود جوسيه ومحيطها.
وعليه، إذا جمعنا 135 الف سوري مسجلين في بلدية عرسال بالإضافة إلى نحو عشرين الفاً في جرودها وفق التقديرات ألأمنية، فإننا نتحدث عن نحو 155 الف سوري في عرسال وجرودها.

النازحون... ينزحون

هذا قبل «غزوة عرسال»، أما بعدها فتشير مصادر متابعة لملف النازحين، أن نحو 30 في المئة من النازحين في عرسال غادروا البلدة نحو سوريا والمناطق اللبنانية الأخرى. كما احترق مخيمان وتضرر مخيمان آخران خلال المواجهات.

في المقابل، تشير أخر إحصاءات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إلى أن عدد النازحين المسجلين في المفوضية في عرسال بلغ 42 الفاً و163 نازحاً. يتوزع هؤلاء على24 ألفاً و966 إمرأة وقاصرة وطفلة، وعلى 17 ألفاً و197 رجلاً وقاصراً وطفلاً ذكراً. ويبلغ عدد الرجال البالغين من مجموع الذكور، وفق إحصائيات المفوضية، نحو خمسة آلاف رجل فوق الـ18 سنة.

وإذا كان هناك نحو خمسة آلاف رجل بالغ من أصل نحو 42 ألف نازح مسجل مع المفوضية، فإنه يمكن القول إن هناك نحو 18 الفاً و500 رجل سوري فوق الـ18 عاماً، وقادر على حمل السلاح في عرسال وجرودها، من أصل 155 ألفاً موجودين هناك (ما بين المسجلين في البلدية وبين المقدّر وجودهم في الجرود).

هذا ما يقوله بعض أهالي عرسال الذين شاهدوا بـ«أم العين» كيف خرج المسلحون من المخيمات السورية في البلدة، ومن بعض المنازل العرسالية التي سكنوها أو أسكنوا فيها، ليحتلوا بلدتهم حتى قبل وصول المسلحين والتعزيزات وحاملات المضادات والمدافع من الجرود في مطلع آب المنصرم.

كما شهد الأهالي على نصب المضادات والمدفعية في قلب بعض المخيمات. ولا ينسون كيف أن الجيش اللبناني لم يعد يعرف من أين تأتيه النيران لدى اندلاع المواجهات بعدما أخرجت ألأسلحة من مخابئها وصوبت نحو مراكزه وحواجزه وأطلقت لقذائفها العنان.
ويبرر هؤلاء كلامهم بالقول إنهم كانوا شهوداً على بعض الأطفال وبعمر لا يتجاوز الـ13 عاماً ممن ارتدوا الأقنعة «الداعشية» أو تلك العائدة لـ«النصرة» وساروا في الشوارع بالسلاح أيضاً.

ويضيف هؤلاء مبررات أخرى تتعلق بطبيعة النزوح السوري في عرسال والذي يختلف عن النزوح في كل لبنان. «هؤلاء نازحو القصير وريفها والقلمون السورية، أي أنهم معارضة مسلحة صافية، هؤلاء هم عائلات المسلحين والمقاتلين في سوريا بشكل عام».

هذه المقاربة العسكرية تزعج بعض العاملين في منظمات الإغاثة الذين يقولون إنه من الظلم إعطاء كل النازحين إلى عرسال صفة مسلحين «هناك عائلات فقيرة تعاني نقصاً كبيراً في الغذاء والطبابة وبديهيات الحياة، وهناك من ليس له أي علاقة بالمسلحين ولا حتى بالمعارضة بل هرب من النيران المشتعلة والقتل في بلاده، ولا يجوز نعتهم بالمسلحين لتبرير استهدافهم».

المهم أنه بعد ما حصل في عرسال، انقسم الرأي العام العرسالي تجاه النازحين ومخيماتهم. هناك فئة راحت تنحو نحو الخطاب العنصري، داعية إلى نقلهم إما نحو الجرود وإلى ما بعد حواجز الجيش وإما إلى مناطق لبنانية أخرى.

وفي المقابل، هناك فئة، وهي بشكل عام مستفيدة من الوجود السوري في عرسال بطريقة أو بأخرى، ما زالت متحمسة لهم وتدافع عنهم وتعتبر أن ما يتعرضون له هو ظلم كبير.

وبين هذه الفئة وتلك، هناك فئة تتعاطى بعقلانية أكبر مع ملفهم، داعية إلى ضبط وجودهم وتنظيمه، والأهم إمساك الجيش اللبناني بأمن عرسال وأهلها وعدم إدارة الظهر عنها كما حصل من قبل ومنذ اللحظة الأولى لاندلاع الأحداث في سوريا.
2014-09-26