ارشيف من :ترجمات ودراسات

في سوريا والعراق حرب كالحرب الفييتنامية ولكن على مصادر الطاقة..

في سوريا والعراق حرب كالحرب الفييتنامية ولكن على مصادر الطاقة..
البروفسور: Rodrigue Tremblay
عن موقع: Mondialisation.ca


كولن باول، وزير خارجية جورج دابليو بوش بين العام 2001 و2004، حذر رئيسه في صيف العام 2002 مما قد يؤدي إليه الغزو العسكري للعراق، على ما ورد في كتاب صدر في العام 2004 بعنوان "خطة الهجوم" لمؤلفه الصحافي الأميركي بوب وودوارد.

إن المشروع السري الذي عملت عليه الولايات المتحدة من خلال تسليح المجاهدين الإسلاميين في أفغانستان "كان فكرة ممتازة. وكانت نتيجة ذلك أنه استدرج الروس إلى أفغانستان. وفي اليوم الذي اجتازت فيه القوات السوفياتية حدود أفغانستان، كتبت رسالة إلى الرئيس جيمي كارتر قلت فيها : أمامنا الآن فرصة للعمل بحيث يكون للاتحاد السوفياتي فييتنام خاصة به. وبالفعل، كان على حكومة موسكو أن تخوض لحوالي 10 سنوات حرباً يصعب تحملها أدت إلى إضعاف الروح المعنوية عند السوفيات، ومن ثم إلى انهيار امبراطوريتهم".

هذا ما كتبه زبيغنيو بريجنسكي، مستشار جيمي كارتر للأمن القومي في الفترة بين العام 1977 والعام 1981 خلال مقابلة أجرتها معه مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" في باريس في 15 كانون الثاني / يناير عام 1998. وبريجنسكي هو اليوم أحد أبرز مستشاري الرئيس باراك أوباما للسياسة الخارجية.

وفي العام 2013، صرح بان كي-مون، الأمين العام للأمم المتحدة، بأن "اللجوء إلى القوة ليس مشروعاً [على المستوى الدولي] إلا في حال الدفاع المشروع عن النفس [في وجه هجوم مسلح] أو في حال سمح بذلك بشكل [صريح] من قبل مجلس الأمن الدولي".


إذا كان الوضع السياسي والعسكري يبدو منفلتاً ومعقداً ومختلطاً في شرق أوسط غني بالنفط، فلأنه هكذا في الواقع. فكيف كان يمكن أن تكون الأمور بخلاف ذلك في وقت تقوم فيه حوالي عشرين دولة أجنبية بممارسة نفوذها في محاولة من كل منها لوضع اليد على صنابير النفط والغاز، دون أن يكون لأي منها أي رادع أو وازع يمنعها من التدخل في شؤون الآخرين من أجل تحقيق أهدافها ؟ وبالفعل، لا يوجد مكان في العالم يحدث فيه أن يكون التدخل الأجنبي من قبل عدد كبير من الحكومات في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى واسعاً وعادياً إلى هذا الحد.

وعلى رأس قوى التدخل، نجد الولايات المتحدة وترسانتها العسكرية المنتشرة حول العالم. ولا بد من التذكير هنا بأن الحكومة الأميركية في عهد جورج بوش الابن هي التي تدخلت في الشرق الأوسط وقامت بغزو العراق، عام 2003، بدعم من حكومة طوني بلير البريطانية وبإيحاء من الحكومة الإسرائيلية. وبهذا تكون قد فتحت على المنطقة "صندوق باندورا" المليء بالويلات والمآسي. وكان الهدف الذي سعى إلى تحقيقه كل من جورج بوش ونائبه ديك شيني هو إسقاط حكومة صدام حسين السنية واستبدالها "بحكومة شيعية أكثر طواعية". وكان اجتياح العراق هو العنصر الرئيسي الذي دفع كامل الشرق الأوسط نحو عدم الاستقرار عبر تنشيط الخلافات القديمة بين السنة والشيعة ما أدى إلى نشوب سلسلة من الحروب الأهلية والحروب بالوكالة في العديد من بلدان المنطقة. وبالطبع، فإن مثل هذه الحروب الدينية-السياسية قد زعزعت اسس العديد من الشرعيات العرقية والعشائرية.

وفي العام 2011، ظنت الإدارة الأميركية في ظل باراك أوباما أن بإمكانها أن تنسحب بسهولة من العراق المدمر وأن تغسل يديها من الدمار الذي أحدثه فيه تدخل الولايات المتحدة. ولكن الأمور لم تجر وفق مشيئة الأميركيين، حيث إن أحداث سوريا والعراق لم تكن غير واحد من التداعيات المباشرة للغزو الأميركي لهذا البلد عام 2003.

لقد شكلت الحرب الأهلية المستعرة في سوريا تربة خصبة لشرائح من السنة الذين بادروا بحماسة كبيرة إلى إقامة التنظيم الجهادي المسمى بـ "الدولة الإسلامية" المعروفة أيضاً باسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش). وكان هدفهم هو الاستيلاء على أراض في سوريا والعراق أطلقوا عليها اسم "الخلافة الإسلامية" ليظهروا بذلك أن الترابط وثيق بين السياسة والدين.

أما إدارة أوباما التي انسحبت عام 2011 من العراق حيث قامت "حكومة شيعية" فلم يكن أمامها غير خيارات قليلة لمواجهة صعود ميليشيا "داعش" الهمجية في تلك المنطقة من العالم. ومع ذلك، فرضت اعتبارات سياسية داخلية على أوباما أن يظهر استعداده لشن حرب في الشرق الأوسط (من الممكن أن يكون هنالك سبب أكثر منطقية يتمثل برغبة أوباما بقصف سوريا، كما سنرى في الفقرات التالية).

وهكذا، أعلن أوباما في 10 أيلول / سبتمبر الحالي أن حكومته قد قررت إرسال مئات "المستشارين" العسكريين إلى العراق وتكثيف الضربات الجوية ضد ميليشيات "الدولة الإسلامية" في العراق، ولكن أيضاً في سوريا، وذلك بمساعدة عدد من البلدان الأخرى التي طلب إليها أن ترسل قوات للقيام بهجوم بري للسيطرة على المناطق "المحررة" من قبضة تنظيم " الدولة الإسلامية" الجهادي.

في سوريا والعراق حرب كالحرب الفييتنامية ولكن على مصادر الطاقة..
الولايات المتحدة

لكن هذه الاستراتيجية تثير عدداً من التساؤلات الأساسية.

أولاً: من هذه التساؤلات ما يمس الناحية القانونية. كيف يمكن لحكومة الولايات المتحدة أن تقول علناً بأنها تنوي انتهاك المجال الجوي السوري بهدف ضرب جهاديي "الدولة الإسلامية" من دون الموافقة الرسمية من قبل الحكومة السورية بقيادة بشار الأسد و/أو بدون قرار واضح يصدر عن مجلس الأمن الدولي؟

ثانياً: كيف يمكن للعملية العسكرية البرية أن تحقق النجاح المنتظر في العراق وسوريا طالما أن الحكومات المعنية مباشرة أكثر من غيرها بالموضوع، أي الحكومة السورية بقيادة بشار الأسد، والحكومة التركية السنية، والحكومة الإيرانية الشيعية لا تشارك في هذه العملية؟

فإذا اعتبرنا أن للعديد من بلدان الشرق الأوسط مصالح متضاربة، فإن مشاركة هذه البلدان عسكرياً في سوريا تصبح أمراً قابلاً للنقاش... اللهم إلا إذا كان الهدف الحقيقي لعملية أوباما هو قصف سوريا، أي استكمال عملية إسقاط نظام الأسد. وفي هذه الحالة، فإن الكلام عن محاربة "داعش" يصبح مجرد مبرر ملائم يستخدم من أجل تحقيق هدف أكثر أهمية هو إسقاط حكم الرئيس الأسد.

صحيح أن ميليشيات "داعش" (أو أية جهة تحركها وتختبئ خلفها) قد استفزت عامدة متعمدة الصحافة الأميركية والضمير الأميركي عندما نشرت أفلاماً تصور عمليات ذبح الأسرى. ولا ينبغي أن ننسى أن جماعات من المتمردين في سوريا قد تخفت تحت أعلام كاذبة وقامت في أيلول / سبتمبر 2013 باستخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين بقصد استدراج رد أميركي [ضد سوريا]. لم ينجحوا يومها، ولكن يبدو الآن، وبعد مرور عام على ذلك، أنهم نجحوا هذه المرة.

ولكي نكون أكثر عمقاً، لا بد من التساؤل حول الأهداف السياسية والعسكرية الحقيقية لتحرك "داعش" في سوريا ؟ هل ما تزال الولايات المتحدة مصرة على إسقاط حكم الأسد؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ؟ ما الذي فعلته الحكومة السورية ضد الولايات المتحدة ؟ وإذا ما أسقطت الحكومة السورية، فمن سيخلفها؟

فالواقع أننا سنكون إزاء "استراتيجية" غريبة فيما لو قامت الولايات المتحدة بمحاربة ميليشيات الدولة الإسلامية والحكومة السورية العلمانية في آن معاً، وفيما لو أحدثت بذلك فراغاً سياسياً مشابهاً لذاك الذي أحدثته في ليبيا. لأن السياسة لا تتناسب أبداً مع الفراغ في السلطة. ففي بلد كسوريا، يشكل فيه السنة 60 بالمئة من السكان، مقابل 20 بالمئة لا أكثر في العراق، فإن البديل الممكن لحكم الأسد لا يمكن أن يكون غير حكومة إسلامية سنية وطائفية، سواء كان اسمها " داعش" أو أي اسم آخر. وستنجم عن ذلك فوضى عارمة مشابهة لتلك التي تجتاح ليبيا اليوم حيث تتعارك فصائل مسلحة عديدة فيما بينها بهدف الاستيلاء على حصة في السلطة.

من هي الجهة المستفيدة من مثل هذا الوضع ؟ يمكننا أن نكون فكرة عن ذلك عبر التحليل الاقتصادي. فالواقع أن أساس جميع هذه الصراعات مرتبط بالجغرافيا السياسية لمختلف خطوط الغاز المطروحة لنقل الغاز الطبيعي من الشرق الأوسط. فهذه الخطوط يفترض فيها أن تنقل الغاز الطبيعي من الخليج الفارسي نحو أوروبا لكي تتمكن هذه الأخيرة من تنويع مصادر تموينها وتقليص اعتمادها في مجال الطاقة على الغاز الروسي.
هنالك مشروعان أساسيان لنقل الغاز الطبيعي من الشرق الأوسط إلى أوروبا المتعطشة إلى الطاقة والتي تجد نفسها في حالة صراع مفتوح إلى هذا الحد أو ذاك مع روسيا وترغب، نتيجة لذلك، في تنويع مصادر تموينها بالغاز الطبيعي وتقليص التحكم الروسي بأسواقها.

المشروع الأول هو ما كان يدعى باسم "خط الأنابيب الإسلامي" أو "خط الصداقة"، بحسب التسمية المعتمدة من قبل الدول المعنية. ويتجه هذا الخط بطول 5570 كلم من الشرق إلى الغرب انطلاقاً من إيران فالعراق فسوريا ومنها نحو أوروبا التي ينقل إليها الغاز المسال عبر مرافئ على الساحلين السوري واللبناني.

أما المشروع الثاني لنقل الغاز الطبيعي نحو أوروبا فهو خط أنابيب قطر- تركيا، أي أنه يتجه من الجنوب نحو الشمال انطلاقاً من قطر (الأولى عالمياً في مجال تصدير الغاز المسال) ثم يجتاز السعودية نحو سوريا فتركيا. وهناك يتصل بخط أنابيب نابوكو الذي يزود تركيا الفقيرة بمصادر الطاقة بالغاز قبل أن يصل إلى النمسا ومنها إلى سائر الزبائن الأوروبيين.

وقد حاز المشروع الأخير ترحيب العديد من البلدان الأوروبية، شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة و"إسرائيل" التي يمكنها أن تستفيد من ربطها بخط الأنابيب المقترح. ولا مفاجأة في كون عدد من الدول تسعى إلى التدخل في الحرب الأهلية السورية بسبب اهتمامها بالاستفادة من خط الأنابيب نفسه.

غير أن الحكومة السورية رفضت الموافقة على هذا المشروع وفضلت عليه المشروع الأول. وموقفها هذا شكل سبباً هاماً لكون سوريا قد اصبحت أساسية في كل قرار قد يتخذ في موضوع إقامة خط أنابيب الغاز باتجاه أوروبا. كما أن سوريا تشكل أيضاً نقطة هامة من نقاط الاحتكاك السياسي والصراعات في هذه المنطقة من العالم. وهذا الواقع يساعدنا في فهم الأسباب التي تدفع حكومات قطر والسعودية وتركيا و"إسرائيل" والاتحاد الأوروبي إلى بذل كل ما في وسعها، بما في ذلك تمويل مختلف الجماعات المتمردة، ومنها تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، من أجل إسقاط حكم الرئيس السوري بشار الأسد.

انطلاقاً من كل هذا، نخلص إلى الاستنتاج التالي : إن إنتاج النفط والغاز وبناء خطوط الأنابيب وتموين أوروبا بالغاز، كل ذلك يشكل عوامل هامة يمكنها، جزئياً، أن تفسر الاحتكاكات الحالية في الشرق الأوسط. وهذا يساعدنا في فهم الأسباب التي من أجلها يعمل كل هذا العدد الكبير من الدول من أجل إسقاط حكم الرئيس بشار الأسد. وكل هذه التوجهات المعلنة أو المضمرة لا تفعل غير تعزيز الفوضى في الشرق الأوسط.

ولكي يحل السلام في هذه المنطقة، لا بد من وقف هذه الحروب المدمرة التي تدور هناك منذ عقود، وإعطاء الأولوية للتنازلات والتوافقات والمفاوضات السياسية الجدية حول إقامة مشاريع اقتصادية مشتركة. فالواقع أن الحلول السياسية هي أفضل بكثير من المواجهات العسكرية الدائمة، خصوصا عندما نأخذ بعين الاعتبار كل هذه السلاسل من المجازر التي ترتكب بحق شعوب المنطقة.

وبقدر ما يكون هنالك اقتناع بهذا المسعى، يكون ذلك أفضل بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط وسائر العالم.
2014-09-27