ارشيف من :ترجمات ودراسات

الحلقات الضعيفة في حلف الناتو

الحلقات الضعيفة في حلف الناتو

الكاتب Le Kergoat
عن موقع agoravox
8 أيلول / سبتمبر 2014



إن العدوانية التي يمارسها حلف الناتو، وسعيه إلى التوسع بأي ثمن، ليسا دليلاً على قوته. إنهما مؤشران على ضعفه.
لم يعد بإمكان حلف الناتو أن يستمر في الوجود إلا من خلال نموه المتزايد باستمرار. ولكن الأشجار لا تبلغ بارتفاعها أعالي السماء. وتأتي لحظة لا يمكن فيها للعملاق أن يواصل التضخم، ويأتي زمن لا يمكن فيه للوحش أن يواصل الانتفاخ... فينفجر كفقاعة.
تقرحات حلف الناتو أصبحت ظاهرة، وكذلك خطوط وهنه ونقاط ضعفه. وكل ذلك أصبح جاهزاً للتفجر. والتصدعات ليست على الدوام في الأماكن التي ينتظر حدوثها فيها اكثر من غيرها لأن النظام الناتوي هو على درجة من التعقيد بحيث إنه قد بدأ بالتصدع في أماكن كثيرة.
وما إن يسقط بلد ما ويخرج من الناتو حتى ينهار البناء كله كقصر من أوراق الدولار الفاقدة للقيمة.
لننظر في الحلقات الضعيفة اليوم في حلف الناتو :

1- تركيا
خلافاً للمظاهر، ليس هنالك ما هو غير منتظر في الصدع الناتوي الذي يضرب تركيا.
فالواقع أن تركيا لم يكن لها على الإطلاق أي نقطة مشتركة مع القيم التي يدعي حلف الناتو حمايتها. فديكتاتورية كمال أتاتورك التي أقيمت بين العام 1920 والعام 1938 تنتمي إلى النظم الفاشية الأوروبية أكثر مما تنتمي إلى الديموقراطيات الغربية. لم يحدث أبداً لتركيا أتاتورك أن أجريت فيها انتخابات ديموقراطية. أما "العلمانية" التركية فلم تكن تشبه العلمانية الفرنسية في شيء. فقد اقتصرت على كون الحكومة التركية تراقب المساجد وتضبطها في إطار لا علاقة له على الإطلاق بالفصل بين الدين والدولة.

فالواقع أن تركيا لم يحدث لها إطلاقاً أن كانت علمانية، بل إنها عاشت حتى وصول الإسلاميين إلى الحكم في ظل نظام شبيه بنظام الـ "كونكوردا" الذي أقامه بونابارت.
وفي العام 1952، انضمت تركيا إلى الناتو. وكان ذلك عبارة عن زواج مصلحة. أو زواج مصلحتين على الأصح. حيث قام الناتو بابتلاع اليونان التي "تركها" ستالين للرأسماليين، ولم يكن بإمكان تركيا أن تترك عدوها اللدود [اليونان] ينضم وحده إلى حلف عسكري قد يشكل تهديداً لها. ومن جهة أخرى، لم تكن تركيا تخشى الإسلاميين في العام 1952، شأنها في ذلك شأن إيران، بل كانت تخشى الشيوعيين (حتى وإن كان ذلك يبعث اليوم على ابتسامة ساخرة). من هنا، كانت الولايات المتحدة والناتو بمثابة حصن لتركيا.

ولكن هذا الزواج المفروض تعرض منذ ذلك الحين إلى طعنات بالسكين (أو بالسيف!). فقد رفض طلب انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أو جرى تأجيله إلى حد أنها لم تعد تحلم به ما جعلها تمد بصرها نحو الجمهوريات الإسلامية ذات الثقافة التركية في الاتحاد السوفياتي سابقاً. وهكذا، لم تعد الرؤية الجيوسياسية في أنقرة رؤية أطلسية.

الحلقات الضعيفة في حلف الناتو
الناتو


وكل ذلك انتهى إلى ترجمة نفسه من خلال الوقائع.
ففي العام 2003، رفضت تركيا المشاركة في غزو العراق. ووصلت إلى حد منع الطائرات الأميركية من التحليق فوق أراضيها. لقد اقتصرت مشاركتها على مراقبة حدودها! ألا تتطلب منها عضويتها في الحلف أكثر من ذلك ؟

ولكل طرف من الطرفين دوره في أن يكون زوجاً مخدوعاً. ففي العام 2013، خرجت تركيا بصعوبة من الغيظ الذي اصابها لأن أوباما قد رفض ضرب عدوها الجديد، أي سوريا.
من المؤكد أن هذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 80 مليوناً، والذي تساوي مساحته مرة ونصفاً مساحة فرنسا، والذي لا يشارك الغرب في أي قيمة من قيمه، يبدو مصمماً على أن يعزف بمفرده! هذا أمر طبيعي تماماً.
فلاديمير بوتين ليس مخطئاً بالمرة : في إطار سياستها الآسيوية جداً، ها هي روسيا "تغازل" تركيا على المكشوف.
لقد اصبحت تركيا ناضجة بما يكفي للخروج من الناتو. دون خسائر أو ضجيج. بهدوء، ولكن بخطى ثابتة. وعندما تحدث هذه القطيعة، لن يعود بإمكان الناتو أن يفعل كبير شيء. لأن "القطعة" التركية كبيرة أكثر مما ينبغي.

2- ليتونيا
خلافاً لما هو عليه الأمر بالنسبة لتركيا، فإن كل شيء يشد ليتونيا إلى الناتو ويشد الناتو إلى ليتونيا. فجذور ليتونيا الأوروبية وكونها بلداً مسيحياً وعلمانياً كل ذلك يجعل الأمر كذلك. كل ذلك، باستثناء أمر واحد يتمثل بنصف سكان ليتونيا : الأقلية الناطقة بالروسية في ليتونيا تمثل ما يقرب من 50 بالمئة من السكان... حتى ولو كانت هذه الأقلية غير مأخوذة بما يكفي من الاعتبار حالياً.

تلك الأقلية الضخمة لا تتمتع في ليتونيا بأية حقوق. وهذا الأمر يشكل فضيحة كبرى في اتحاد أوروبي يبيع "المساواة في الحقوق" بمناسبة وبغير مناسبة. فقد بتنا نعرف -بعد يوغوسلافيا وأوكرانيا- الأهداف التي يسعى الغرب إلى تحقيقها عبر زمرة "الزعران" الذين يقودهم. سكان ليتونيا الناطقون باللغة الروسية ليسوا مواطنين في وطنهم. ومع أنهم يتكلمون الروسية منذ ولادتهم في وقت كانت فيه اللغة الروسية لغة البلاد الرسمية خلال الحقبة السوفياتية، فإن وضعهم لا يشبه حتى وضع المهاجرين الذين يصلون إلى فرنسا ويكون عليهم أن يتعلموا اللغة الفرنسة. إن وضعهم شبيه بوضع سكان مدينة رين [الفرنسية] ممن قد يحرمون من حقوقهم لأنهم لا يتكلمون بلغة البروتون.

هنالك فصل عنصري حقيقي يعيشه الناطقون بالروسية في قلب الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. فهم لا يتمتعون حتى بحق الانتخاب، وتتم معاملتهم بالطريقة التي كان يتعامل بها مع السود في إفريقيا الجنوبية خلال فترة الفصل العنصري.
فإذا ما علمنا أن الناطقين بالروسية في مدينة ريغا، عاصمة ليتونيا، يشكلون 53 بالمئة من السكان، يبقى علينا أن نعلم أن الوضع فيها شبيه بوضع من يجلس فوق قنبلة.
وهذه القنبلة سينتهي بها الأمر إلى الانفجار كما في أوكرانيا وستؤدي إلى خروج ليتونيا من الناتو. إما بالعنف وإما عن طريق تشكيل حكومة حريصة على وضع حد لحالة التوتر في البلاد.
والوضع في ليتونيا مشابه تماما للوضع في بقية بلدان البلطيق (استونيا وليتوانيا). لكن المشكلة أكثر حدة في ليتونيا نظراً لحجم الأقلية الناطقة بالروسية.

3- اليونان
شأن تركيا، انضمت اليونان إلى حلف الناتو عام 1952 في عملية اختطاف من قبل الأميركيين. وكان الهدف من ذلك هو إقامة التوازن مع انضمام تركيا التي انضمت إلى الحلف نكاية باليونان. هل يعني ذلك أن الوضع شبيه بوضع الأفعى التي تعض ذنبها ؟ ليس الأمر كذلك بالضرورة، بقدر ما كان هدف الولايات المتحدة هو تشديد قبضتها على هذه الدولة المتمردة من حيث طبيعتها. وأياً يكن الأمر، فإن مواجهة الاتحاد السوفياتي لا يمكن أن تكون سبب انضمام اليونان إلى الحلف، لأن ستالين كان قد تخلى، كما ذكرنا سابقاً، عن اليونان، إذ لو كان يريد ضم اليونان إلى المعسكر السوفياتي لكان حاول ذلك قبل انضمامها إلى الناتو.
وحتى منذ لحظة انضمامها إلى الناتو، وخصوصاً منذ سقوط جدار برلين، لم تتوقف أثينا عن التطلع نحو موسكو. وقد اعترضت أثينا على "العقوبات" الغربية (هي في الحقيقة حصار فعلي) بحق روسيا، واشترت اسلحة روسية بدلاً من الأسلحة الأميركية (ما يشكل أمراً سيئاً بالنسبة لبلد عضو في الناتو). كما تعاونت، بما في ذلك عسكرياً، بكل رحابة صدر مع "روسيا المقدسة"، العدو اللدود لحلف الناتو!

لا يمكن لأحد أن يتفلت من تاريخه!
فروسيا تتبنى إرث بيزنطة بملء صوتها وبكل قوة (راجع بهذا الصدد خطاب بوتين حول القرم)، وتطرح نفسها كوريث لبيزنطة. وروسيا تمثل مسيحيي الشرق الذين يشكل اليونانيون قسماً منهم أكثر مما هم علمانيون. إنها زعيمة العالم الأرتوذكسي، ولا تريد أثينا أن تكون غير مبالية بذلك، وهي لن تبقى غير مبالية بذلك.

4- فرنسا

لا ينبغي أن يغرنا هذا الالتصاق القوي، حالياً، لفرنسا بحلف الناتو. فبالرغم من حكوماتها الكارثية، تمتلك فرنسا إمكانات ضخمة (القوة البحرية الثانية بعد الولايات المتحدة) وشعبها حريص جداً على استقلاله. كما تمتلك الوسائل اللازمة للخروج من الناتو. فالخروج الذي سبق وفعله ديغول يجب أن يبقى على مستوى التاريخ كمجرد تمرين بسيط على الخروج النهائي. وبهذا تكون فرنسا بلداً لا بد له أن يعود إلى الخروج من الناتو.

5- إيطاليا

تركت إيطاليا جانباً لتكون خاتمة هذه المقالة، لأنها البلد الذي أفضله! فبين جميع المواهب التي يتميز بها الشعب الإيطالي، هنالك موهبته في إعادة رسم توجهه الجيوسياسي في اللحظة المناسبة! (وجدت إيطاليا وسيلة لإعلان الحرب على ألمانيا في 13 تشرين الأول 1943 عندما وجدت أن الأمور قد انقلبت لغير مصلحتها). ومؤخراً، قال الزعيم السابق سيلفيو برلسكوني إن الإيطاليين قد سلكوا الطريق الخطأ عندما شاركوا في الهجوم على بوتين.
إيطاليا لن تكون بالتأكيد أول بلد يخرج من الناتو. ولكنها ستتسبب بأوجاع كبرى للناتو عند خروجها منه.

لكي لا نصل إلى الخلاصة

أن تكون هنالك أوضاع مختلفة جداً، ذلكم أمر يكاد يكون تجنبه مستحيلاً لأنه ملازم لأمبراطورية واسعة كإمبراطورية الناتو. فبدلاً من أن يكون هذا التنوع مصدر ثراء، على ما تريده السياسة السائدة، فإننا نلاحظ أنه مصدر ضعف. إنه ضعف الامبراطوريات الكبرى... أي تلك التي تنتهي دائماً إلى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.
2014-10-07