ارشيف من :أخبار لبنانية
إسلامات السلطة والتجربة الإيرانية
حبيب فياض - صحيفة "السفير"
لا تقتصر ضرورات النأي بالاسلام عن تشوهات السياسة على الحركات الاسلامية، بل تطال ايضا الدول والانظمة التي تتخذ من الانتماء الديني غطاء للشرعنة والتمويه. ذلك ان ما أنتجه اسلام السلطة يشكل، الى جانب ما أنتجه اسلام التنظيمات، فَكَّي كماشة يضعان الاسلام السياسي، بمعظمه، في خانة الفشل والإخفاق.
فالخطاب النظري عند «الاخوان المسلمين» إبان تجربتهم السلطوية في مصر، لم يتعد مقولة «الاسلام هو الحل». وتحول اجتهادهم الديني الى آلية لتبرير ما تريده الجماعة وليس الى منهج لفهم ما يريده النص المقدس. وفي لحظة القبض على السلطة، بات هؤلاءعلى قطيعة مع مخزون عقائدي وتراث نضالي امتد عقودا طويلة. لقد خرجوا من المجتمع الى الحكم، فتحولوا الى جماعة على خصومة مع بقية المجتمع. حافظوا على مبدئيتهم في صغائر الامور، بينما في الكبائر منها انقلبوا الى براغماتية مسرفة في تغليب المصالح على المبادئ. فانتهى بهم الأمر الى مطاريد من السلطة على أيدي العسكر المدعوم من غالبية الشعب التي سرعان ما أصابها اليأس من التجربة «الاخوانية» خصوصاً و الاسلام السياسي عموما.
في المملكة السعودية، يُختزل الدين بالمذهب الوهابي بوصفه الدين الرسمي والوحيد للدولة. فالوهابية بما هي نزعة تكفيرية، ليست مجرد مذهب معترف به في المملكة، بل هي متبناة كإطار شرعي وديني للنظام والحكم. وهي بذلك تقود السلطة الدينية على قاعدتي التشدد في المعتقد (التكفير) والتعسف في الممارسة (إقامة الحدود). مثلا، في المذهب الرسمي للسعودية يعد كافرا كل من يتوسل، ولو قولاً، بالأنبياء والأولياء على نية قضاء حاجة أو فعل خير، فيما لا ضير من كون التوسل بكل شياطين الارض استراتيجية متبناة من أجل تدمير سوريا بأهلها وحضارتها!
التجربة الاسلامية في السودان، التي تأسست على شراكة بين المفكر حسن الترابي والعسكري عمر البشير، انتهت بينهما الى صراع على السلطة، وتوجت بانفصام بين النظرية والتطبيق كما درجت العادة في معظم تجارب الاسلاميين. الأول أُخْرِجَ من السلطة وظل هائما في فلك نظرياته المحلقة في فضاءات متعالية، فيما ظل الثاني يحكم باسم الدين وهو يجمع بين موهبتي الحكم والرقص بالعصا، حيث لم تَتَعَدَّ صورته نمطية الزعيم العربي، فاعتبر تقسيم السودان من اهم انجازاته حفاظا على مصلحة الدولة والبلاد.
اسلام «العدالة والتنمية» في أنقرة اخفق في تعميم النموذج التركي على قاعدة تصفير المشاكل، فيما أخفقت الخلافة العثمانية المضمرة في العودة الى عهد الامبراطورية، وظل التموضع التركي ضائعا بين هويتين: الأولى غربية لم يستطع اللحاق بها، والثانية اسلامية لم يستطع المحافظة عليها. وفي وقت غابت فيه القضية الفلسطينية عن أجندة الإسلام الأردوغاني، بات تحويل سوريا الى عصف مأكول أولوية لا منازع لها في سياسات تركيا الخارجية.
تبقى التجربة الايرانية التي إن تم وضعها خارج السياق الآنف، فباعتبارها تنتمي الى نمط مختلف من الاسلام السياسي. فإيران مع ما تختزنه من اخفاقات ونجاحات، وبرغم ما يحيط بها من انقسام حول مشروعها ودورها وطموحاتها، وما يثار من جدال حول ولاية الفقيه المؤسسة لنظامها الديني، ايران هذه، وفق المعطيات المشهودة، حافظت على كونها بنية متسقة داخليا وقوة اقليمية غير تابعة خارجيا. ذلك كله يجعل السؤال مشروعا، في زمن إخفاق الاسلام السياسي، عما اذا كان نجاح تجربة جمهورية ايران الاسلامية يعود الى ايرانيتها أم الى اسلاميتها أم الى الأمرين معا؟ الأمر مفتوح للنقاش.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018