ارشيف من :أخبار لبنانية

صدى عاشوراء: رثاءٌ يُحاكي مصيبة الطفّ

صدى عاشوراء: رثاءٌ يُحاكي مصيبة الطفّ
لمصيبة الطفّ لغةٌ تُجسّد جزئياتها بتفاصيلها العاشورائية. تتعدّد تعبيراتها الفنية لكنّها تجتمع لتُحاكي الملحمة التاريخية على أرض كربلاء. ولأن الحزن على استشهاد الامام الحسين (ع) وأبنائه وأصحابه لا يقيّده زمان أو مكان، انبرى أهل الشعر المحبّين لآل البيت (ع) الى نظم القصائد التي تقارب السيرة الحسينية ومظلوميتها. على امتداد السنوات التي أعقبت استشهاد الامام الحسين (ع)، ظهرت أساليب كثيرة تُواسي الأئمة في وجعهم وجُرحهم النازف، أبرزها اللطميات. تقليدٌ ثابت يستحضر شهادة مَن خرج لطلب الإصلاح في أمة جدّه.

صدى عاشوراء: رثاءٌ يُحاكي مصيبة الطفّ
اللطم تقليد عاشورائي سنوي في شهر محرم

يعود تاريخ اللطم ورثاء أبي عبد الله (ع) الى ما قبل استشهاده. وفي الروايات التي يتداولها المؤرّخون الحسينيّون، أنَّ الإمام الحسين (ع) كان قد أخبر أخته السيدة زينب (ع) ليلة الواقعة (العاشر من المحرم)، بما ستؤول إليه الأمور في اليوم التالي، نقلاً عن جدّه رسول الله(ص)، فبكت عليها السلام ومعها النسوة اللواتي رحن يلطمن الخدود وصاحت أم كلثوم حينها: "وامحمداه واعلياه واإماماه واحسيناه واضيعتنا بعدك". هذه الحادثة تشهد على أول ظهور لصور اللّطم فيما يتعلق بواقعة عاشوراء.

صدى عاشوراء: رثاءٌ يُحاكي مصيبة الطفّ
المشاركون في اللطميات من كلّ الأعمار

بدأ ورود اللّطم في قصائد الرثاء الحسيني للشعراء في محضر أئمة أهل البيت (ع) ، كالقصيدة التائيّة الشهيرة لدعبل الخزاعي التي تلاها في "مرو" عاصمة الدولة العباسية فترة حكم المأمون، وكان في حضرة الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، والتي جاء فيها: "أفاطمُ لَوْ خِلْتِ الحُسينَ مجَدّلاً .. وقد ماتَ عطشاناً بِشَطِّ فُراتِ .. إذَن للطمتِ الخدَّ فاطمُ عنده.. وأجريتِ دمعَ العينِ بالوجنات". وقد ذكرت المصادر التاريخية كيف تحوّل ذلك المجلس بفعل هذه الأبيات إلى مجلس "لطم على الرؤوس والوجوه"، وكل ذلك في حضرة الإمام الرضا (ع).

أما تحوّل اللّطم إلى أسلوب من أساليب إظهار الحزن على الحسين (ع)، فيُرجعه المؤرّخون إلى عاشوراء العام 352هـ (931م) في بغداد خلال فترة حكم الدولة البويهية، حيث نزلت مظاهر العزاء الحسيني إلى الشوارع العامة في بغداد، بعد عشرات السنين من التغييب والقمع الديني. واستمرت لعشرات السنين، طوال فترة الحكم البويهي الذي انتهى بقدوم السلاجقة عام 474هـ (1044م) فأمروا بمنع هذه المظاهر والشعائر. غير أن الإشارة الأولى التي وردت عن اللّطم كظاهرة في المراقد المقدسة لأئمة العصمة (ع)، فكانت في بغداد في العتبات الكاظميّة المقدّسة في أواسط القرن الهجري الخامس، بالإضافة إلى ما ورد في كتاب "رحلات عبد الوهاب عزام" وهو يصوّر دخوله إلى الصحن الحسيني الشريف في كربلاء قائلاً: "ولجنا الباب إلى ساحة واسعة فإذا إلى اليسار جماعة قد وقفوا صفوفاً يدقّون صدورهم دقّات موحّدة موزونة، وأمامهم منبر عليه خطيب يتكلم عليهم".

صدى عاشوراء: رثاءٌ يُحاكي مصيبة الطفّ
المواكب الحسينية ترتبط بشكل وثيق باللطميات

ولاحقاً، تطوّرت أنماط اللطم على الامام الحسين (ع) في العهود الصّفوية والفاطمية والعثمانية وصولاً الى القرن العشرين. اليوم، بات هذا النمط الرثائي محطة سنوية يترقبها الحسينيون كلّ عام في شهر محرم من أجل إحياء المناسبة الأليمة بما يليق بسيد الأحرار (ع).

من هنا، لا يمكن للطمية أن تُؤلّف دون شاعر يَنظمها بدقة وإتقان، فينجح في مهمة تصوير الواقعة الكربلائية على مسامع المواسين لرسول الله (ص) في مصابه بحفيده (ع). الشاعر الدكتور أحمد العلياوي صاحب التجربة الطويلة في رثاء الامام الحسين وأهل البيت (ع) والمقيم في العراق يتحدّث لموقع "العهد" عن أهمية دور اللطمية في نقل مشهد العاشر من محرم الى آذان الحسينيين. يقول العلياوي إن مسؤوليتنا كشعراء إثارة مظلومية الامام الحسين والتفجع بمصيبته عبر استثمار كل جزئيات واقعة الطف ومفرداتها، وعليه يركّز عند إعداده لأي لطمية على عامل الكلام ليكتمل مع الصوت المؤدي لها. برأيه، على الشاعر تقديم ما يليق بقضية الامام الحسين، وأن يجهد في سبيل ذلك لغوياً، حبّاً له ولسيرته الطاهرة، فالشخصية عظيمة، وكذلك تقع على الرادود مسؤولية إبراز أفضل ما لديه بعد أن يخضع لتدريبات مكثّفة ويكتنز ثقافة واسعة تقوّيه جيداً في هذا الخط ليرتقي الى مستوى المقامات التي تلائم موقعية سيد الشهداء (ع).

من أجل الوصول الى هذه الغاية، يفضّل العلياوي أن يستخدم شاعر السيرة الحسينية اللغة الفصيحة لأنها مشتركة بين جميع البلدان العربية، وهي أكثر وصولاً وأقرب الى أدبنا وفكرنا وتراثنا، كما أنها سهلة الفهم ويمكن تداولها بين مختلف الجنسيات، غير أنه يسارع الى الردّ عمّن يختار اللغة الشعبية في اللطميات بالإشارة الى أن "الشعبي" يتضمن أحياناً مفردات غير مفهومة.

صدى عاشوراء: رثاءٌ يُحاكي مصيبة الطفّ
الشاعر العراقي أحمد العلياوي

برأي صاحب قصيدة "نحن أنصار الزكية في طفوف الغاضرية"، اختيار الشاعر لموضوعه أثناء رثاء الحسين (ع) ومعالجته الذكية من شأنه أن يميّز وينجح اللطمية، لكن الأهمّ ألّا يكون الشاعر شريكاً في القضية بل أن ينسحب ويستدعي الشخصيات لأن تتكلم وتتحدث عن قضيتها وأن يكون النصّ مُستحضِراً لأبطال كربلاء ويسخّر كل مفردات المصيبة كالنهر والرمل والنخيل في سبيل إيصال مشهد واقعة الطف بكل تقاسيمها.

ويلفت العلياوي الى أن الشاعر اذا استطاع أن يكون فناناً عند نسج قصيدته فهو بالتأكيد قد نجح في مهمته، وكذلك الرادود اذا اتفق روحياً مع الشاعر فسيتأثّر الناس إيجاباً وسيتعاطفون مع القضية المنقولة إليهم.

في المقابل، يرى العلياوي في فورة الرواديد والأعمال اللطمية اليوم دليلاً إيجابياً ينعكس وعظاً كبيراً يؤثّر في نفوس المُستمعين على اختلاف انتماءاتهم الدينية. يُؤمن العلياوي بوجوب أن يكون الشاعر مسلّحاً بالثقافة الحسينية وأن يقرأ تاريخ الواقعة بشكل فاحص ودقيق وصادق، فالمشاعر لا تُستجدى بالكلام الضعيف، بل بكلام متين ونقي ونبيل وبليغ، ويشدّد على "أننا كشعراء لا نستجدي دمعةً لأنها تذرف وحدها دون جهد وتكلّف".

ولأنّ أساس الرثاء يقوم على صوت وأداء، يبرز البحريني الشهير الشيخ حسين الأكرف الذي احترف تقديم الندبيات. المُنشد المقيم في الكويت الذي بدأ اعتلاء منبر الحسين (ع) منذ عشرات السنين وصاحب مئات الأعمال العاشورائية، يشرح لـ"العهد" ممّا يتألّف مجلس اللطم، فيشير الى أنه منقسم الى ثلاث مراحل: المرحلة الإعدادية وهي فاتحة المجلس، ثمّ القصيدة الأساسية، وبعدها تأتي "النزلة" أو "الوقفة" باللغة البحرينية أو "الشيلة"، وهي التي ترفع مستوى اللطم من البطء الى السرعة ما يعدّ خاتمة المجلس التي تلعب دوراً في إلهاب حماس المعزّين وتتكامل مع المضمون. بحسب الأكرف، هذا اللون في الغالب متّبع في العراق، أما في البحرين فاللطمية تعتمد على هذا اللون مع اللجوء الحتمي الى المواكب الحسينية التي تعدّ أساساً وجوهراً لا يُستغنى عنه، أي أن المواكب والمسيرات الحسينية تشكّل أصلاً مهمّاً في اللطمية البحرينية، وهي في العموم تتكوّن من قصيدة رئيسية تتخلّلها مشاركات لعدد من الرواديد ليستريح الرادود الرئيسي.

وقت اللطمية في المجالس الحسينية المغلقة، وفق الأكرف، يمتدّ من ساعة الى ساعتين كحدّ أقصى، أما المواكب الحسينية كما الحال في البحرين والمناطق الشرقية في الحجاز فتستمر من ساعتين الى أربع ساعات. وعليه، يُمكن استنتاج ثلاث مدارس للطم في العالم العربي موزّعة بين العراق وإيران والبحرين.

صدى عاشوراء: رثاءٌ يُحاكي مصيبة الطفّ
الرادود البحريني الشيخ حسين الأكرف

للكلام أولوية عند التحضير لأي لطمية جديدة، فهو يتقدّم على ما عداه من عناصر أخرى، ولا بدّ من فكرة أو مضمون يحتضنه اللحن ويروّجه فيغدو في خدمة الكلمة، إلّا أن هذه القاعدة قد تُخرق "فنضطّر" أحياناً الى تلحين الفكرة قبل
النصّ وهذا مُعتمد بشكل أكبر داخل البحرين.

لا يجد الأكرف نفسه مُحتاراً بين اختيار اللغة الفصيحة أو الشعبية في اللطمية، بحكم خبرته الطويلة، ينبغي التركيز على النخب والجماهير الشعبية في آنٍ معاً وإيجاد توازن بين النمطين، مع مراعاة الأذواق المختلفة لدى الجماهير الحسينية.

مسألة انتشار الرواديد في الوطن العربي باعتقاد صاحب لطمية "الاسم الأعظم"، تعود الى الثقافة والانتماء الخاص، لذلك يعتبر أن قضية كربلاء حاضرة في أي موطن للمستضعفين والمظلومين، على قاعدة محاكاة أمة حزب الله المقاومة التي تستند في ثقافتها الى واقعة الطف، خاصة أن ما يقدّم من لطميات مستقطبة للجماهير الشعبية على نحو واسع لا يُوجّه ضمن أطر خاصة بل يتعدّاه الى مساحات غير محدودة.، من هنا يخلص الى القول "نحن نقدّم كربلاء العالمية التي تُعنى بكل قضايا الانسان المظلوم أينما كان".

صدى عاشوراء: رثاءٌ يُحاكي مصيبة الطفّ
الرادود اليافع محمد حسين الخليل

بموازاة ذلك، يبرز في لبنان الرادود "اليافع" محمد حسين خليل 15( عاماً) الذي سخّر صوته لخدمة منبر الحسين (ع) مذ كان في الثامنة. حينها كان يقرأ مجالس العزاء الحسينية ويقدّم اللطميات متنقّلاً بين أحياء حارة صيدا. اليوم، يسطع نجمه خصوصاً بعدما أدّى في مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية لبيروت لطمية "لبيك". يشكّل خليل نموذجاً واعداً بحسب المتابعين والمتذوقين للطميات، وفي سبيل صقل موهبته، يعمل على التخصّص أكثر في الفنّ العاشورائي والتدرّب على هذا النمط من الأداء، مُتخذاً من الملا باسم الكربلائي مثالاً أعلى للاستمرار في هذا النهج، بحسب تعبيره.

2014-11-01