ارشيف من :أخبار لبنانية

طرابلس: الجدار الأمني ينهار

طرابلس: الجدار الأمني ينهار

غسان ريفي - صحيفة "السفير"

كشفت العملية العسكرية النوعية التي خاضها الجيش اللبناني ضد المجموعات المسلحة في أسواق طرابلس ومنطقة التبانة، أن «الجدار الأمني» الذي كان يسعى البعض الى عزل المدينة داخله وصولا للايحاء بأن ثمة «حاضنة إرهابية» موجودة خلفه، كان يحتاج فقط الى قرار سياسي جدي لينهار مثل حجارة «الدومينو».

وإذا كانت طرابلس أكدت بما لا يقبل الشك أنها بيئة حاضنة للدولة بكل مؤسساتها، وأنها كانت ضحية مشاريع مشبوهة، فانه ليس من الحكمة رفع منسوب «العسكرة» في المدينة من جهة وتأخير ورشة الحضور التنموي الفاعل للدولة في المناطق المتضررة من جهة ثانية، خصوصا أن هناك من هو متربص لاعادة الكرّة الأمنية مستفيدا من بعض «الأخطاء» التي بدأت تشحن النفوس.

وعلمت «السفير» بأن «هيئة علماء المسلمين» باشرت سلسلة اتصالات مع المعنيين لاحتواء بعض ردات الفعل الشعبية التي يمكن أن تنتج من بعض الممارسات العسكرية، وخصوصا ما جرى تسريبه مؤخرا عن قيام الجيش باصدار وثيقتين بكل من مؤسس «التيار السلفي» في لبنان الشيخ داعي الاسلام الشهال (الموجود في السعودية) ورئيس «جمعية اقرأ» بلال دقماق (الموجود في تركيا) والطلب الى الأمن العام توقيفهما في حال عودتهما الى لبنان.

وكان دقماق أعلن أن السلاح الذي تمت مصادرته في منزل ذويه يعود الى الشيخ داعي الاسلام الشهال، الذي بدوره لم ينف ذلك، وأكد «أن السلاح يعود لحرسه من أجل الحماية الشخصية بعدما قصرت الدولة بواجباتها في حمايتنا».

وجرى، أمس، نشر تسجيلات صوتية للشهال على مواقع التواصل الاجتماعي ينتقد فيها القيادات السنية والمشايخ، داعيا إياهم «إما الى إجراء نوع من التوازن الذي يحافظ على السنة وعلى الجيش، وإلا فليعترفوا بالهزيمة ويتركونا ندافع عن أنفسنا»، لافتا الانتباه الى «أن قياداتنا تقوم بتأليه الجيش، لذلك فقد جاءت تصريحاتهم باهتة».

وتعقد «هيئة العلماء المسلمين» مؤتمرا صحافيا عند الواحدة من بعد ظهر اليوم في قاعة «مسجد التقوى»، سيخصص «للاضاءة على بعض الممارسات المذلة والمهينة التي تمارسها الأجهزة الأمنية واستخدامها القوة المفرطة بحق المدنيين بحجة إحلال الأمن» بحسب أحد أعضاء «الهيئة».

وبعد اجتماع لها في منزل الشيخ سالم الرافعي، زارت «هيئة العلماء» وزير العدل أشرف ريفي والنائب سمير الجسر «وتم التوافق على رفض هذه الممارسات التي تتناقض مع أبسط حقوق المواطنة والسعي لايقافها فورا».

ميدانياً

وكانت وحدات الجيش اللبناني تابعت مداهماتها في طرابلس ومناطق الشمال، حيث داهمت قاعة ومستوصف مسجد حربا في التبانة، وصادرت كمية كبيرة من الأسلحة. وأشارت مصادر مطلعة الى أن هدف المداهمة لم يكن السلاح بل التفتيش عن مطلوبين ترددت معلومات عن وجودهم ضمن المستوصف، وأن الجيش عثر على السلاح خلال عمليات التفتيش وصادره كما أوقف أحد الموظفين في القاعة.

لكن مصادرة السلاح من مكتب مسجد حربا أثارت حفيظة بعض قيادات التبانة، خصوصا أن وجوده مرتبط بالصراع التاريخي القائم بين التبانة وجبل محسن، ولا يمت بصلة للمجموعات الارهابية.

كما تمكن الجيش من توقيف المدعو غالي حدارة وهو كان أوقف بعد أحداث عبرا بتهمة التواصل مع الفنان المعتزل المطلوب فضل شاكر، حيث ظهرت صور له الى جانبه، وأثار توقيفه في حينه ردات فعل من أطراف سياسية ودينية.

وتشير المعلومات الى أن حدارة كان في عداد مجموعة أحمد الميقاتي ضمن شقة عاصون وقد فر خلال مداهمة الجيش مع شخصين آخرين الى بقاعصفرين، حيث قامت وحدات الجيش بمداهمة الأماكن التي يمكن أن يلجأ إليها، فانتقل الى التبانة حيث توارى عن الأنظار، وقد ألقي القبض عليه خلال محاولته الخروج منها بعد الأحداث الأخيرة.

كذلك فقد واصل الجيش مداهماته في بحنين وعموم المنية وأوقف عددا من السوريين المشتبه بهم، كما ألقى القبض على المدعوين توفيق عكوش ومحمد عكوش وهما من أنصار الشيخ الفار خالد حبلص، ومتهمين باشتراكهما بالاعتداء على الجيش في بحنين.
وأشارت معلومات الى أن عددا من المشتبه فيهم في المنية بدأوا اتصالات مع مرجعيات سياسية وقيادات محلية لتسليم أنفسهم بعدما قام الجيش بتضييق الخناق على المناطق التي يتحصنون فيها.

قيادة الجيش

وأصدرت قيادة الجيش بيانا اعلنت فيه أنها ضبطت «في محلة باب التبانة - شارع حربا، مخزنا للسلاح يحتوي على 25 بندقية حربية، ورشاش BKC، وقاذف أر.بي.جي عدد 2، وكمية من الذخائر المتنوعة والقنابل اليدوية والصواعق والأعتدة العسكرية، كما أوقفت خلال عملية الدهم أحد الأشخاص المشتبه فيهم».

كما أعلنت قيادة الجيش عن توقيف غالي حدارة المطلوب بجرم تشكيل خلية إرهابية نسقت مع الموقوف أحمد سليم الميقاتي، إضافة الى المطلوب داني دنش، بجرم الاشتراك مع آخرين في إطلاق النار على دورية تابعة للجيش، وإلقاء رمانات يدوية أدت إلى إصابة بعض العسكريين، ولمشاركته في أحداث طرابلس الأخيرة.

وأعلنت في بيان ثالث أن قوى الجيش تواصل إجراءاتها الأمنيّة في أحياء مدينة طرابلس ومنطقة عكار، «حيث قامت امس بتنفيذ عملية دهم واسعة في محيط مخيّم البدّاوي بحثاً عن مسلّحين ومطلوبين، كما نفذّت عمليات دهم أخرى في عدّة مناطق مشبوهة».

داعي الإسلام الشهال

نشأ داعي الاسلام الشهال في كنف والده مؤسس جماعة «مسلمون» الشيخ سالم الشهال، ثم أسس نواة «الجيش الاسلامي» في عهد إمارة «حركة التوحيد الاسلامي» بزعامة الشيخ الراحل سعيد شعبان، وغادر طرابلس عقب أحداث العام 1985 (اقتحام الجيش السوري والأحزاب اللبنانية الحليفة لعاصمة الشمال)، ثم عاد اليها في مطلع تسعينيات القرن الماضي بناء على تسوية مع القيادة الأمنية السورية آنذاك.

أسس الشهال «جمعية الهداية والاحسان»، وأتبعها بمعهد شرعي ما لبث أن ختم بالشمع الأحمر بعد مداهمته والعثور بداخله على كتب تكفر المذهب العلوي، وجرى حل الجمعية. مع أحداث الضنية في العام 2000، برز اسم الشهال بأنه هو من قام بإيواء المسلحين في مبنى «إذاعة الهداية» التابعة له في عاصون، فصدرت مذكرة توقيف بحقه، ما دفعه الى التواري عن الأنظار لحين صدور العفو العام في مجلس النواب في العام 2005 عن موقوفي الضنية.

بعد ذلك، عاد لممارسة نشاطه السياسي والديني، فتحالف مع «تيار المستقبل»، وبرز اسمه عقب أحداث 7 أيار عام 2008 بمواقف تصعيدية دعت الى حمل السلاح دفاعا عن السنة، ثم ساهم في تجميد وثيقة التفاهم بين هيئات سلفية وبين «حزب الله» بتحريض من «المستقبل».

مع بدء الأزمة في سوريا، شكل الشهال رأس حربة في دعم «الثورة» والتحريض على «حزب الله»، لترتفع نبرته أكثر فأكثر باتهام الجيش بأنه «أداة بيد الحزب»، فضلا عن اطلاقه النار سياسيا على «هيئة العلماء المسلمين» التي ساهمت بتغطية الخطة الأمنية في طرابلس.
قبل أيام على أحداث طرابلس الأخيرة، تجاوز الشهال الخطوط الحمر في تسجيل صوتي أكد خلاله أن كل جندي سني في الجيش سيكون مصيره جهنم، قبل أن يعلن بلال دقماق أن السلاح الذي عثر عليه في منزل ذويه يعود للشهال الذي يبدو أن عودته من السعودية الى لبنان ستكون صعبة للغاية في ظل التسريبات عن اتخاذ قرار بتوقيفه لدى وصوله الى المطار.

بلال دقماق

ينكر رجال دين شماليون على بلال دقماق لقب «الشيخ»، وان كان الأخير حصل منذ فترة على إجازة في الشريعة الإسلامية من احد المعاهد الشرعية في سوريا، وهي معاهد بنظر أحد هؤلاء «مشكوك في أمرها».

لم يتولَ دقماق (44 عاما) أي منصب ضمن الساحة الإسلامية، وهو كان يملك موقفا لسيارات الأجرة، قبل ان يبيعه وينتقل إلى العمل متعهدا للبناء، ويشغل الى جانب ذلك موقـع رئيــس «جمـعية اقرأ»، وهي جمعية كان أسسها مع الداعية عمر بكري فستق، قبل ان يختلفا قبيل توقيف فستق الذي كان يردد ان دقماق هو وراء توقيفه الأول قبل 5 سنوات.

بدأ اسم دقماق يتردد اثر «حرب البارد» في العام 2007 بين الجيش اللبناني وتنظيم «فتح الاسلام»، حيث لعب دور الوسيط بصفته مقربا من الشيخ داعي الاسلام الشهال، قبل ان يتخذ مسارا منفصلا مستفيدا من واقع الانقسام السياسي، علما انه لم يعرف عنه مشاركته في أي عمل عسكري.

ومع بدء الازمة السورية قبل 3 سنوات ونيف، كثف دقماق ظهوره المؤيد للمعارضة السورية، وشارك في العديد من التحركات الداعمة لها.

ويؤكد مقربون من دقماق انه يرتبط بعلاقات شخصية جيدة ببعض السفراء العرب في بيروت، فضلا عن تــردده المستمر الى تركيا بدافع التجــارة، لكنه بقي على علاقتــه الجــيدة مع الشهال فضلا عن حرصــه على تقديم نفسه بأنه مقرب من الوزير اشرف ريفي.
2014-11-03