ارشيف من :أخبار عالمية

عاشوراء... والحاجة إلى التسامح في البحرين

عاشوراء... والحاجة إلى التسامح في البحرين
ريم خليفة-"الوسط"

لا نستطيع في البحرين ولا في أي مجتمع آخر تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقرار، عبر العملية السياسية وحدها، ما لم تتوافر القاعدة الاجتماعية التي تحتضن الحياة الدستورية والعملية السياسية الحقيقية. وهذا يحتاج إلى وعي سياسي وثقافة سليمة مبنية على التسامح تحترم التعددية بمختلف أنواعها.

وهو ما يعني أيضاً أن جميع فئات المجتمع عليها أن تتمتع بقدر كافٍ من الوعي لتقبل أي مكون في المجتمع مهما كان الاختلاف. ولا يمكن تحقيق أية إصلاحات سياسية نوعية من دون العمل السريع والعميق في مجالات التنمية وحقول الثقافة، لأننا نلمس في وقتنا الحالي وبوضوح تعايش وتنامي وازدهار ثقافة الإكراه والعنف وانتشارها بشكل كبير داخل المجتمع الذي نجده بعد العام 2011 قد انقسم إلى عدة فرق وجماعات.

وهي اليوم لا تشارك بعضها البعض كما كانت تفعل في الماضي بكل حب ووئام. فما كان يفعله جيل آبائنا وأجدادنا مثلاً بمشاركة إخواننا الشيعة في مناسباتهم المختلفة كعاشوراء، كانت ملموسة وتحمل الكثير من الذكريات الجميلة، ولكن عندما يأتي ذكر ذلك في جيل الشباب فإن النفور وعدم تقبل الآخر أو التجاهل الكلي هو أول ما يبدر من هذا الجيل الذي شب على ثقافة الكره وعدم مشاركة الآخر.

ومناسبة هذا الكلام أنني أذكر حديثاً دار خلال إجازة عاشوراء في البحرين، مع شابة بحرينية (من الطائفة السنية الكريمة) لم تتجاوز السابعة والعشرين من عمرها، جامعية وتعمل في مجال مرموق، قالت لي كيف تذهبين إلى المنامة في عاشوراء. وهؤلاء لا يحبون أهل السنة؟ أجبتها: كيف كان والدك وجدتك يشاركان في عاشوراء، ووالدك كان يشارك أصدقاءه الشيعة في الحضور إلى المآتم وجدتك كانت تساعد في طهي الطعام (عيش الحسين) مع جاراتها من أهل الشيعة في المنامة... ألم تسأليهم لماذا شاركوا وهم مازالوا أحياء للإجابة عن تساؤلاتك؟

أخرى كانت لم تعرف قط عن عالم عاشوراء وأهمية هذه الفعالية عند مكون كبير في المجتمع البحريني سواء اختلف أو اتفق معه إلا أن هذا لا يغير من الواقع شيئاً. إذ اكتشفت هي الأخرى مدى حيوية هذا الموروث الثقافي الذي يشارك فيه الجميع من مختلف الجنسيات وليس فقط أهل الشيعة في البحرين بل ويحضر الأجانب لالتقاط الصور والتعرف على هذا التجمع البشري الذي يقام كل عام على مدى عشرة أيام متتالية توزع فيه مختلف الأطعمة بالمجان للجميع من دون فرق ومن دون توقف.

لن يكون مثال هاتين الشابتين فقط هو الوحيد، فهناك من قال كنا نذهب إلى المنامة أما الآن فإننا لا نذهب لأن ولأن... هكذا أصبحت اللغة.

للأسف لم يعد الشباب يتحمل فكرة أو مشاركة الطرف الآخر وذلك بسبب تصاعد لغة تقاوم تقبل الآخر ورأيه، فأصبح التطرف والإرهاب طريقاً للتعبير بعدما أصبحت شريحة كبيرة من الناس لا تجرأ على فتح صدورها لأنظمة سياسية مازالت تعيش حالة إنكار لواقعها السياسي بسبب فكر لا يتقبل مبادئ الدولة المدنية.

ونحن نوشك على الدخول في السنة الرابعة من استمرار حال الانقسام والقطيعة غير المعلنة فقد أدى ذلك إلى تأزم المشهد بسبب تفاقم المشاكل والانخراط في تيارات متطرفة كنوع من الخلاص وكنوع من الوصول على حساب الآخرين من خلال بث خطب التكفير والتحريض، التي تلعب دوراً خطراً في تأجيج مشاعر الاعتداء على الآخرين وقتلهم بل وسلب ممتلكاتهم وتخريب تجمعاتهم واحتفالياتهم وأماكن ممارسة أفراحهم وطقوسهم.

إن غياب ثقافة قبول الآخر وروحية التسامح وأخلاقية العفو هو واقعاً ما يعاني منه المجتمع البحريني الذي يعيش كل يوم تحت نار الخطاب التعبوي الذي ينادي بإقصاء الآخر ويسعى إلى إلغائه كلياً من مكون المجتمع. ولذا نحن بحاجة إلى إعادة التسامح الذي كان يميز أهل البحرين قبل العام 2011.
2014-11-05