ارشيف من :أخبار لبنانية
عاشوراء الضاحية بحشد قياسي.. وحبس أنفاس أمنياً
فراس خليفة - صحيفة "السفير"
كان صوتُ «السيِّد» قد بلغ مسامعها، حينَ توقّفتْ المرأة الستّينيَّة عن مواصلة السَّير باتجاه «ملعب الراية». جلستْ تحتَ سَماء «تشرين» الغائمة تراقبُ المشهد صباح العاشر مِن «مُحرَّم». لا يُشبهُ يومُ «عاشوراء» غيرَه من أيّام «الضاحية». فكما في كلّ عام، مَلأ أهلُها الشّوارعَ والسَّاحاتِ والشُرفات. خرَجوا مع ساعات الفجر الأولى، ومشَوا مسافات طويلة قبل أن يصلوا إلى «سيد الشهداء» في الرويس. مئاتُ الآلاف؟ لم يعد الرّقم موضع نقاش. تحرَّر «الحزب» من هاجس الأرقام مذ تحوَّل هوَ إلى «رقم صعب» في المعادلات. لكنّ المنظّمين يجزمون أن الحشد قياسي هذه السّنة، «لأن الظروف السياسيّة والأمنية الراهنة ولَّدتْ تعاطفاً والتفافاً جماهيرياً» حسب هؤلاء!
نجَح «حزب الله» في إمرار يوم عاشوراء «على خير»، مع أنَّ المعنيين يشيرون إلى «أننا مررنا بظروف أمنية أصعب في عاشوراء العام الماضي وكانت التفجيرات بيننا».
الحزب «المُثقل» بملفَّات كبرى، أثبتَ أن باستطاعته التواجد على جبهات عدة، وأنه قادر في الوقت ذاته، أن ينظّم ويؤمّن الحماية لأكبر حشد شعبي في ذكرى «عاشوراء». وبنبرة لا تخلو من دهشة، يبدي صحافي غربي إعجابه الكبير بالحشد المنظّم ويقول لزميله: «هائل»!
في «المُجمَّع»، ينهي «الشيخ علي» قراءة «مصرع الأصحاب» بدعوته لـ«ردّ كيد التكفيريين». مصطلحات جديدة تدخل إلى «قاموس عاشوراء» في السنتين الأخيرتَين.
خارج «المجمع»، كاميرا «اللوما» المتحرِّكة «تتمختر» بين الحشود التي مَلأَت «جادّة هادي نصرالله» والشوارع المحيطة. يُطلق «الرادود» هتافات مُوحَّدة فيبدو كـ«مايسترو» بارع لأكبر أوركسترا شعبية. فرق الكشّافة وحمَلة الأعلام وصور»القادة» في المقدّمة ومن ثم فرق «اللطّيمة» بألوانها المختلفة، وبعد ذلك بحرٌ من «الأسْوَد والأخضر».
رفَع الحزبُ شعار: «لبّيك يا بن رسول الله» شعاراً مركزياً هذا العام. «لا مكان للاجتهاد الفردي في شعارات المسيرة، وكلُّ ما يُرفع هو تحت أعيننا»، يقول أحد منظّمي المسيرة. يتفاعل المشاركون بحماسة أكبر مع هتافات من قبيل «لبيكِ يا زينب». شعارا «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» يحضران في كل مناسبات «الحزب»، أما صور «شهداء الدفاع المقدّس» في سوريا فقد كان حضورها لافتا للانتباه.
رجال الانضباط والحماية يواصلون مهمّتهم المرسومة بدقّة. على جانبَي «الأوتستراد» بسطات لبيع الأعلام وأقراص «اللطميات»، وأخرى تقدّم الطعام والماء مجّاناً. «هذا يومٌ لأبي عبدالله فقط» يقولُ أحد المشاركين في المسيرة. «المناسبة فرصة للتفاعل مع النسيج الاجتماعي الذي أنتمي اليه»، يردد آخر، مؤكدا أنّ ذلك يشعره بـ«الانتماء لجماعة قويّة». أما الرجل الأربعيني الذي كان يحمل ابنته الصغيرة على كتفيه، فيشير إلى أنّ المناسبة «تتجاوز الديني لتتّصل بالقيم حيث أهمية أن نقولُ كلمة (لا) في أصعب الأوقات».
على الجانب الآخر من الصُورة، كانت «مسيرة الأخوات» تتقدَّم شمالًا مخترقة «العمق التاريخي» لأحياء الرويس وبئرالعبد قبل أن تتّجه إلى محطتها الأخيرة في «ملعب الراية». «المشاركة النسائية أكبر من مسيرة الرجال كالعادة، ولكنها أقل تنظيماً»، يقول أحد رجال الانضباط الذي لم ينم للَيْلتَيْن متواصلتَيْن.
في المسيرة النسائية التي حاكت في بعض مشاهدها سيرة «سبايا كربلاء»، اجتمعنَ كلّهنّ دون استثناء: أمّهات وموظّفات وعاملات وجامعيات وطالبات مدارس، محجَّبات و«سافرات» لبسن معظمهنّ الشّال الأخضر. تقول إحدى المشاركات صـراحة إنـها جاءت «كرمى لعيون السيد (حسن)».
وفي الوقت الذي كان بعض مناصري «أمل» ينهون مسيرتهم في الشياح وينضمُّون الى حشد «الراية»، أطلق الأمين العام لـ«حزب الله» خطاباً مقتضباً شدد فيه على «أعلى درجات الجهوزية» عند المقاومة التي تطال صواريخها كامل فلسطين المحتلة، مؤكدا على مركزية قضية فلسطين وعلى صوابية نظرة الحزب لأحداث المنطقة، وبدا واثقاً حيال التطورات السورية: «وضعُنا ممتازٌ في القلمون وفي كل الأماكن التي نتواجد فيها في سوريا».
انتهى احتفال «عاشوراء» وتنفس «حزب الله» الصعداء. أما «السيد» فقد قال كلمته ومشى.. إلى حيث «يجب أن يكون»!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018