ارشيف من :ترجمات ودراسات
’اسرائيل’ تتحول الى دولة دينية.. هل تنتهي من الداخل؟
هل تتحول "اسرائيل" الى "دولة" يغلب عليها الطابع الديني ويتراجع طابعها العلماني؟ سؤال برز اخيرا على خلفية صدور تقرير مكتب الاحصاء المركزي للعام 2014، الذي اظهر ان نسبة الولادات لدى الشريحة الدينية الحريدية، وايضا لدى التيار الديني الصهيوني، يصل تباعا الى نسبة 7 اطفال لكل امرأة متدينة، مقابل مقابل 1.4 طفل، لكل امرأة غير متدينة.
بحسب التقرير، وصل عدد سكان "اسرائيل" حاليا الى 8.252 ملايين نسمة، من بينهم 1.7 مليون من فلسطينيي عام 1948، اي حاملي الجنسية "الاسرائيلية"، وهو ما نسبته 20.7 بالمئة من التعداد الكلي لسكان "اسرائيل". اما عدد السكان اليهود فبلغ بحسب التقرير 6.104 ملايين، من بينهم ايضا 357 الفا ممن لا يصنفون يهودا وهاجروا الى فلسطين المحتلة بموجب قانون "حق العودة"، اي هاجروا مع عائلات يهودية نتيجة صلة القربى.

"اسرائيل" تتحول الى دولة دينية
ويظهر التقرير تراجعا لمعدلات الولادات بين الفلسطينيين من حاملي الجنسية، واذا كانت نسبة الولادات قبل خمس سنوات هي 3.7 طفل لكل امرأة فلسطينية، مقابل 2.7 طفل لكل امرأة يهودية، وقبلها في مطلع السبعينيات 7.8 طفل لكل امرأة عربية، مقابل 3.2 لكل امرأة يهودية، الا انها الان بلغت 3.2 لكل امرأة عربية، مقابل 3 ولادات لكل امرأة يهودية، بحسب التقرير الجديد.
وهذا ان اشار الى شيء، فانه يشير الى ان نسبة الولادات لدى فلسطينيي اراضي عام 1948 من حاملي الجنسية "الاسرائيلية"، بات يساوي تقريبا نسبة الولادات لدى اليهود، ما يعني ان ارتفاع نسبة وعدد الفلسطينيين من حاملي الجنسية قد تراجع تراجعا كبيرا، ومن نتائج ذلك تجمد الفارق بينهم وبين عدد اليهود، ولم يعد يزيد كما كان عليه الامر في السابق.
الخطر الديموغرافي للعقود المقبلة
لكن وإن كانت هذه المعطيات تصب في خانة مصلحة اليهود والمشروع الصهيوني لفلسطين المحتلة، الا ان الخشية لدى تل ابيب تتعلق من ناحية اخرى موازية بمعطيات الولادات داخل اليهود انفسهم، والتي لا تقل خطرا على الصهيونية، مما هي في حال تزايد عدد الفلسطينيين. وللتفصيل، نشير الى الآتي:
تل ابيب راضية عن ما تسميه "سد الفجوة" بين تنامي عدد السكان الفلسطينيين من حاملي الجنسية، وعدد السكان اليهود. واذا بقيت الامور على حالها، فلن يكون هناك خطر على وجود "الدولة" من ناحية ديموغرافية وتغيير طابعها من "دولة يهودية" الى "دولة ثنائية القومية"، فبقاء نسبة الفلسطينيين على حالها، اي حوالي 20 بالمئة من العدد الكلي للسكان، سيمكن تل ابيب من ابقاء الوضع على حاله، وتزال من على جدول الاعمال ما اصطلح على تسميته "الخطر الديموغرافي للعقود المقبلة".
لكن في مقابل "سد الفجوة"، يرتفع في المقابل خطر المتدينين اليهود على "الدولة". اذ تظهر التقارير المنشورة تباعا، واخرها تقرير المكتب المركزي للاحصاء، مدار البحث، ان نسبة المتدينين من العدد الكلي لليهود في "اسرائيل"، يتجاوز قليلا الـ 20 بالمئة، بما يشمل التيار المتدين الحريدي، الذي يتعايش قسرا ومراعاة وخدمة للمصلحة الذاتية مع "الدولة"، والتيار المتدين الصهيوني، الذي ينادي بالدولة وضرورة بقائها واستمرارها مع استمرار الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وهذه النسبة، اي 20 بالمئة، هي من ناحية فعلية تساوي 1.2 مليون نسمة، لكن مع ردها وجمعها مع النسبة نفسها لدى فلسطينيي عام 1948، فتصل الى ما يزيد عن 40 بالمئة من عدد السكان. وهؤلاء، بحسب التعريف "الاسرائيلي"، يشكلون خطرا على وجود الدولة واستمرارها، وإن كان لكل منها نوع خطر خاص به.
سد الفجوة بين فلسطينيي 48 واليهود، جاء نتيجة لزيادة نسبة الولادات لدى المتدينين، التي تصل الى ما يزيد عن 7 اطفال لكل امرأة يهودية متدينة، ومن السهولة جدا ان نجد عدد اطفال عائلة يهودية متدينة يزيد عن 12 طفلا، وهي زيادة مرشحة للتنامي، في ظل السياسة المالية التي فرضتها الاحزاب الدينية في الكنيست وعلى المالية العامة، بحيث ان معيشة هؤلاء تأتي من وزارة المالية والمخصصات، للعائلات الكبيرة التي يزيد عددها عن خمسة، اي من ناحية عملية الاستفادة فقط للعائلات اليهودية المتدينة، حتى قياسا بالسكان الفلسطينيين، مما تراجعت نسبة الولادات لديهم، باستثناء عائلات الجنوب من البدو، التي تصل نسبة الولادات لديهم الى ما يقرب من نسبة الولادات لدى اليهود المتدينين.
لكن ما هو وجه الخطر من المتدينين؟ لا تكفي اجابة واحدة عن هذا السؤال، التي تتشعب الى اجوبة عديدة.
اولا: لا يخفى على احد، ان المتدينين اليهود، بما يعرف بالتيار الحريدي، ليسوا يهودا صهاينة، وهم لا ينظرون الى "الدولة الاسرائيلية"، باعتبارها دولة اليهود التي ينتظرون ان يؤسسها في اخر الزمان، المسيح المخلص. وبحسب المعتقد اليهودي الديني، "اسرائيل" ليست دولة اليهود، ويجري التعامل معها على هذا الاساس. وبحسب وصف احد الحاخامين فان "اسرائيل شبيهة بالنسبة لنا بالدول الاوروبية، حيث يعيش اليهود، لكن مع ارتباط رمزي بها اكثر، اذ يمكن ممارسة الشعائر فيها بشكل اسهل".
وهذا الاساس، يفرض على اليهود عدم التجند في الجيش. اذ يرى الحريديم ان الصهاينة اغتصبوا حق المسيح بتأسيسهم لهذه الدولة، وبالتالي يستنكف الشبان المتدينون عن التطوع اساسا، وعن التجند ثانيا. وذلك بموجب تسوية جرى التوصل اليها ما قبل عام 1948، بين التيار الصهيوني والتيار المتدين، على ان يصبغ هؤلاء (المتدينون) الصبغة اليهودية على "اسرائيل" من خلال اصل تواجدهم فيها، فيما يعفون من الخدمة العسكرية، تطوعا او تجنيدا.
خطر حقيقي على المؤسسة العسكرية
وكان الصهاينة متكيفين مع هذا "الستاتيكو" القائم، اذ لم يبلغ عدد السكان المتدينين من اليهود عددا يعتد به، وبقوا طويلا ما دون نسبة الخمسة بالمئة من عدد السكان الكلي، من دون فلسطينيي عام 1948 الذين يحملون الجنسية "الاسرائيلية"، لكن مع تزايد العدد، حيث من المتوقع ان تبلغ نسبة الشبان اليهود 25 بالمئة ممن هم اعمارهم 18 سنة، فان ذلك سيشكل خطرا حقيقيا على المؤسسة العسكرية نسبة الى السكان، خاصة ان عديد الجيش "الاسرائيلي" يتركز تحديدا على الاحتياط والخدمة الالزامية، ما يعني ان احد اهم متطلبات امن "الدولة" سيكون مفقودا، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على وجود "الدولة" واستمرارها.
وصحيح ان المتدينين الصهاينة، المنتشرين بشكل اساسي في مستوطنات الضفة الغربية، يخدمون في الجيش ويعدون ذلك من اهم شعائرهم الدينية، لكن عددهم قليل نسبيا لما هو عليه لدى المتدينين الحريديم، وبالتالي لا يمكن لنسبة الشبان المتدينين الصهاينة ان تجبر عدم تجند الشبان من اليهود الحريديم.
ثانيا: يوجد ايضا في ذلك خطر اقتصادي كبير جدا. اذ ان الشريحة المتدينة لا تعمل. وكل ما يقوم به المتدينون هو الانتساب الى المعاهد الدينية لتلقي العلوم الدينية او اعطائها.. اما الاعمال الاقتصادية الانتاجية، فهي غريبة عن هؤلاء، بل ويحرم عليهم القيام بها. ومما يساعد في ترسيخ هذا الواقع وتجذره، ان الاتفاقات المعمول بها منذ قيام "الدولة"، التي قوننت بموجب مراسيم وقوانين سنها الكنيست، تؤمن لطلاب العلوم الدينية المال من الخزينة "الاسرائيلية"، له ولعائلته، وخاصة اذا كان عددها كبيرا، كما هو الحال عليه حاليا.
تزايد عدد المتدينين يعني ان الناتج الاقتصادي نسبة للسكان سيتقلص، وسيكون العبء فقط على الشريحة العاملة من العلمانيين، التي ستبلغ خلال بضع سنوات نصف التعداد السكاني، اي سيكون على كل مكلف يعمل في "اسرائيل"، موجبات مالية وضرائبية مضاعفة، وهو بدوره يشكل عامل طرد يشجع على الهجرة المعاكسة بموازاة منع هجرة يهود الخارج الى فلسطين. اذ لا يمكن للعامل في "اسرائيل"، من اليهود العلمانيين، ان يعمل كي يعيل عائلته وعائلة موازية لها من المتدينين العاطلين عن العمل بصورة اتفاقية ترعاها الدولة بنفسها.
وهذا الخطر يتزايد مع تزايد عدد المتدينين من اليهود، في موازاة تقلص عدد العلمانيين، فاذا كانت العائلة العلمانية تنجب ولدا واحدا كنسبة وسطية، فان المقابل لها لدى اليهود المتدينين، تصل الى 7 اطفال او يزيد، وهذه النسبة مرشحة للتزايد مع زيادة عدد المتدينين، الامر الذي يثقل نسبة المتدينين في السنوات القادمة، قياسا بنسبة العلمانيين. وهو ما يعني زيادة الضغط الاقتصادي اكثر على الشريحة العلمانية، ما سيدفعها بالتأكيد للبحث عن العيش في الخارج، وعن استقرار امني اقتصادي اكثر قيمة وبقاءً، يراعي لهم الموازنة بين عملهم والفائدة المالية الناتجة عنه.
ثالثا: تزايد عدد اليهود المتدينين، يعني تزايد حضورهم الجماهيري، وعدد نوابهم في الكنيست، وبالتالي حضورهم السياسي الذي سينعكس في القوانين الصادرة والنافذة في "اسرائيل"، وعلى مختلف اوجه الحياة. الامر الذي يعني تغيير صورة "اسرائيل" وطابعها غير العلماني في نظر الرأي العام العالمي. وهذا بدوره، سينعكس في امور ثلاثة:
• زيادة الاحتكاك بين العلمانيين والمتدينين في اكثر من مدينة "اسرائيلية"، وعلى رأسها مدينة القدس، حيث ان عدد المتدينين هو الاكثر هناك، مع وجود حالي لعدد من الاحياء التي لا يدخلها في الاساس غير المتدينين. وزيادة الاحتكاك ستعني زيادة في المشاكل وربما اشتباكات شبه يومية تنعكس لدى الاعلام المحلي والعالمي، وهي صورة لا تتوافق مع الطرح الصهيوني الداعي الى الابقاء على صورة "اسرائيل" كدولة ديمقراطية، اقله بالنسبة لليهود.
• تزايد عدد المتدينين سيعني دعوة للمتدينين في سائر البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، للمجيء والهجرة للاستيطان في فلسطين المحتلة، الامر الذي يزيد من عددهم بصورة اكبر، ويقلص قياسا بهم، نسبة العلمانيين في "الدولة".
• ستتحول صورة اسرائيل من "دولة ديموقراطية" الى دولة ذات طابع ديني، الامر الذي سيبعد عنها الاستثمار الاقتصادي، والسياحة، وجذب العلمانيين اليهود.. وبالتالي القضاء عليها كما ارادها الصهاينة الاوائل... في نفس الوقت، سيتراجع الناتج المحلي، وستزداد الضائقة الاقتصادية، وستعاني "الدولة" من شح في الضرائب.
وهذه المعطيات، تشير الى ان اصل قيام هذه "الدولة" معيوب، وتحمل في طياتها وركائزها ما يمكن ان يطيح بها. فهل ستتكفل "اسرائيل" نفسها بفعل ما عجز العرب عن فعله؟
بحسب التقرير، وصل عدد سكان "اسرائيل" حاليا الى 8.252 ملايين نسمة، من بينهم 1.7 مليون من فلسطينيي عام 1948، اي حاملي الجنسية "الاسرائيلية"، وهو ما نسبته 20.7 بالمئة من التعداد الكلي لسكان "اسرائيل". اما عدد السكان اليهود فبلغ بحسب التقرير 6.104 ملايين، من بينهم ايضا 357 الفا ممن لا يصنفون يهودا وهاجروا الى فلسطين المحتلة بموجب قانون "حق العودة"، اي هاجروا مع عائلات يهودية نتيجة صلة القربى.

"اسرائيل" تتحول الى دولة دينية
ويظهر التقرير تراجعا لمعدلات الولادات بين الفلسطينيين من حاملي الجنسية، واذا كانت نسبة الولادات قبل خمس سنوات هي 3.7 طفل لكل امرأة فلسطينية، مقابل 2.7 طفل لكل امرأة يهودية، وقبلها في مطلع السبعينيات 7.8 طفل لكل امرأة عربية، مقابل 3.2 لكل امرأة يهودية، الا انها الان بلغت 3.2 لكل امرأة عربية، مقابل 3 ولادات لكل امرأة يهودية، بحسب التقرير الجديد.
وهذا ان اشار الى شيء، فانه يشير الى ان نسبة الولادات لدى فلسطينيي اراضي عام 1948 من حاملي الجنسية "الاسرائيلية"، بات يساوي تقريبا نسبة الولادات لدى اليهود، ما يعني ان ارتفاع نسبة وعدد الفلسطينيين من حاملي الجنسية قد تراجع تراجعا كبيرا، ومن نتائج ذلك تجمد الفارق بينهم وبين عدد اليهود، ولم يعد يزيد كما كان عليه الامر في السابق.
الخطر الديموغرافي للعقود المقبلة
لكن وإن كانت هذه المعطيات تصب في خانة مصلحة اليهود والمشروع الصهيوني لفلسطين المحتلة، الا ان الخشية لدى تل ابيب تتعلق من ناحية اخرى موازية بمعطيات الولادات داخل اليهود انفسهم، والتي لا تقل خطرا على الصهيونية، مما هي في حال تزايد عدد الفلسطينيين. وللتفصيل، نشير الى الآتي:
تل ابيب راضية عن ما تسميه "سد الفجوة" بين تنامي عدد السكان الفلسطينيين من حاملي الجنسية، وعدد السكان اليهود. واذا بقيت الامور على حالها، فلن يكون هناك خطر على وجود "الدولة" من ناحية ديموغرافية وتغيير طابعها من "دولة يهودية" الى "دولة ثنائية القومية"، فبقاء نسبة الفلسطينيين على حالها، اي حوالي 20 بالمئة من العدد الكلي للسكان، سيمكن تل ابيب من ابقاء الوضع على حاله، وتزال من على جدول الاعمال ما اصطلح على تسميته "الخطر الديموغرافي للعقود المقبلة".
لكن في مقابل "سد الفجوة"، يرتفع في المقابل خطر المتدينين اليهود على "الدولة". اذ تظهر التقارير المنشورة تباعا، واخرها تقرير المكتب المركزي للاحصاء، مدار البحث، ان نسبة المتدينين من العدد الكلي لليهود في "اسرائيل"، يتجاوز قليلا الـ 20 بالمئة، بما يشمل التيار المتدين الحريدي، الذي يتعايش قسرا ومراعاة وخدمة للمصلحة الذاتية مع "الدولة"، والتيار المتدين الصهيوني، الذي ينادي بالدولة وضرورة بقائها واستمرارها مع استمرار الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وهذه النسبة، اي 20 بالمئة، هي من ناحية فعلية تساوي 1.2 مليون نسمة، لكن مع ردها وجمعها مع النسبة نفسها لدى فلسطينيي عام 1948، فتصل الى ما يزيد عن 40 بالمئة من عدد السكان. وهؤلاء، بحسب التعريف "الاسرائيلي"، يشكلون خطرا على وجود الدولة واستمرارها، وإن كان لكل منها نوع خطر خاص به.
سد الفجوة بين فلسطينيي 48 واليهود، جاء نتيجة لزيادة نسبة الولادات لدى المتدينين، التي تصل الى ما يزيد عن 7 اطفال لكل امرأة يهودية متدينة، ومن السهولة جدا ان نجد عدد اطفال عائلة يهودية متدينة يزيد عن 12 طفلا، وهي زيادة مرشحة للتنامي، في ظل السياسة المالية التي فرضتها الاحزاب الدينية في الكنيست وعلى المالية العامة، بحيث ان معيشة هؤلاء تأتي من وزارة المالية والمخصصات، للعائلات الكبيرة التي يزيد عددها عن خمسة، اي من ناحية عملية الاستفادة فقط للعائلات اليهودية المتدينة، حتى قياسا بالسكان الفلسطينيين، مما تراجعت نسبة الولادات لديهم، باستثناء عائلات الجنوب من البدو، التي تصل نسبة الولادات لديهم الى ما يقرب من نسبة الولادات لدى اليهود المتدينين.
لكن ما هو وجه الخطر من المتدينين؟ لا تكفي اجابة واحدة عن هذا السؤال، التي تتشعب الى اجوبة عديدة.
اولا: لا يخفى على احد، ان المتدينين اليهود، بما يعرف بالتيار الحريدي، ليسوا يهودا صهاينة، وهم لا ينظرون الى "الدولة الاسرائيلية"، باعتبارها دولة اليهود التي ينتظرون ان يؤسسها في اخر الزمان، المسيح المخلص. وبحسب المعتقد اليهودي الديني، "اسرائيل" ليست دولة اليهود، ويجري التعامل معها على هذا الاساس. وبحسب وصف احد الحاخامين فان "اسرائيل شبيهة بالنسبة لنا بالدول الاوروبية، حيث يعيش اليهود، لكن مع ارتباط رمزي بها اكثر، اذ يمكن ممارسة الشعائر فيها بشكل اسهل".
وهذا الاساس، يفرض على اليهود عدم التجند في الجيش. اذ يرى الحريديم ان الصهاينة اغتصبوا حق المسيح بتأسيسهم لهذه الدولة، وبالتالي يستنكف الشبان المتدينون عن التطوع اساسا، وعن التجند ثانيا. وذلك بموجب تسوية جرى التوصل اليها ما قبل عام 1948، بين التيار الصهيوني والتيار المتدين، على ان يصبغ هؤلاء (المتدينون) الصبغة اليهودية على "اسرائيل" من خلال اصل تواجدهم فيها، فيما يعفون من الخدمة العسكرية، تطوعا او تجنيدا.
خطر حقيقي على المؤسسة العسكرية
وكان الصهاينة متكيفين مع هذا "الستاتيكو" القائم، اذ لم يبلغ عدد السكان المتدينين من اليهود عددا يعتد به، وبقوا طويلا ما دون نسبة الخمسة بالمئة من عدد السكان الكلي، من دون فلسطينيي عام 1948 الذين يحملون الجنسية "الاسرائيلية"، لكن مع تزايد العدد، حيث من المتوقع ان تبلغ نسبة الشبان اليهود 25 بالمئة ممن هم اعمارهم 18 سنة، فان ذلك سيشكل خطرا حقيقيا على المؤسسة العسكرية نسبة الى السكان، خاصة ان عديد الجيش "الاسرائيلي" يتركز تحديدا على الاحتياط والخدمة الالزامية، ما يعني ان احد اهم متطلبات امن "الدولة" سيكون مفقودا، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على وجود "الدولة" واستمرارها.
وصحيح ان المتدينين الصهاينة، المنتشرين بشكل اساسي في مستوطنات الضفة الغربية، يخدمون في الجيش ويعدون ذلك من اهم شعائرهم الدينية، لكن عددهم قليل نسبيا لما هو عليه لدى المتدينين الحريديم، وبالتالي لا يمكن لنسبة الشبان المتدينين الصهاينة ان تجبر عدم تجند الشبان من اليهود الحريديم.
ثانيا: يوجد ايضا في ذلك خطر اقتصادي كبير جدا. اذ ان الشريحة المتدينة لا تعمل. وكل ما يقوم به المتدينون هو الانتساب الى المعاهد الدينية لتلقي العلوم الدينية او اعطائها.. اما الاعمال الاقتصادية الانتاجية، فهي غريبة عن هؤلاء، بل ويحرم عليهم القيام بها. ومما يساعد في ترسيخ هذا الواقع وتجذره، ان الاتفاقات المعمول بها منذ قيام "الدولة"، التي قوننت بموجب مراسيم وقوانين سنها الكنيست، تؤمن لطلاب العلوم الدينية المال من الخزينة "الاسرائيلية"، له ولعائلته، وخاصة اذا كان عددها كبيرا، كما هو الحال عليه حاليا.
تزايد عدد المتدينين يعني ان الناتج الاقتصادي نسبة للسكان سيتقلص، وسيكون العبء فقط على الشريحة العاملة من العلمانيين، التي ستبلغ خلال بضع سنوات نصف التعداد السكاني، اي سيكون على كل مكلف يعمل في "اسرائيل"، موجبات مالية وضرائبية مضاعفة، وهو بدوره يشكل عامل طرد يشجع على الهجرة المعاكسة بموازاة منع هجرة يهود الخارج الى فلسطين. اذ لا يمكن للعامل في "اسرائيل"، من اليهود العلمانيين، ان يعمل كي يعيل عائلته وعائلة موازية لها من المتدينين العاطلين عن العمل بصورة اتفاقية ترعاها الدولة بنفسها.
وهذا الخطر يتزايد مع تزايد عدد المتدينين من اليهود، في موازاة تقلص عدد العلمانيين، فاذا كانت العائلة العلمانية تنجب ولدا واحدا كنسبة وسطية، فان المقابل لها لدى اليهود المتدينين، تصل الى 7 اطفال او يزيد، وهذه النسبة مرشحة للتزايد مع زيادة عدد المتدينين، الامر الذي يثقل نسبة المتدينين في السنوات القادمة، قياسا بنسبة العلمانيين. وهو ما يعني زيادة الضغط الاقتصادي اكثر على الشريحة العلمانية، ما سيدفعها بالتأكيد للبحث عن العيش في الخارج، وعن استقرار امني اقتصادي اكثر قيمة وبقاءً، يراعي لهم الموازنة بين عملهم والفائدة المالية الناتجة عنه.
ثالثا: تزايد عدد اليهود المتدينين، يعني تزايد حضورهم الجماهيري، وعدد نوابهم في الكنيست، وبالتالي حضورهم السياسي الذي سينعكس في القوانين الصادرة والنافذة في "اسرائيل"، وعلى مختلف اوجه الحياة. الامر الذي يعني تغيير صورة "اسرائيل" وطابعها غير العلماني في نظر الرأي العام العالمي. وهذا بدوره، سينعكس في امور ثلاثة:
• زيادة الاحتكاك بين العلمانيين والمتدينين في اكثر من مدينة "اسرائيلية"، وعلى رأسها مدينة القدس، حيث ان عدد المتدينين هو الاكثر هناك، مع وجود حالي لعدد من الاحياء التي لا يدخلها في الاساس غير المتدينين. وزيادة الاحتكاك ستعني زيادة في المشاكل وربما اشتباكات شبه يومية تنعكس لدى الاعلام المحلي والعالمي، وهي صورة لا تتوافق مع الطرح الصهيوني الداعي الى الابقاء على صورة "اسرائيل" كدولة ديمقراطية، اقله بالنسبة لليهود.
• تزايد عدد المتدينين سيعني دعوة للمتدينين في سائر البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، للمجيء والهجرة للاستيطان في فلسطين المحتلة، الامر الذي يزيد من عددهم بصورة اكبر، ويقلص قياسا بهم، نسبة العلمانيين في "الدولة".
• ستتحول صورة اسرائيل من "دولة ديموقراطية" الى دولة ذات طابع ديني، الامر الذي سيبعد عنها الاستثمار الاقتصادي، والسياحة، وجذب العلمانيين اليهود.. وبالتالي القضاء عليها كما ارادها الصهاينة الاوائل... في نفس الوقت، سيتراجع الناتج المحلي، وستزداد الضائقة الاقتصادية، وستعاني "الدولة" من شح في الضرائب.
وهذه المعطيات، تشير الى ان اصل قيام هذه "الدولة" معيوب، وتحمل في طياتها وركائزها ما يمكن ان يطيح بها. فهل ستتكفل "اسرائيل" نفسها بفعل ما عجز العرب عن فعله؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018