ارشيف من :أخبار لبنانية

حكومة لبنان "الكونية"!

حكومة لبنان "الكونية"!
واصف عواضة، السفير

لم يعد خافياً على أحد أن خمس دول كبرى في العالم والمنطقة على الأقل، تشارك في تأليف الحكومة اللبنانية وبشكل مباشر، وهي الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وسوريا، والغريب أن الاخيرة تبدو الأقل تدخلا في هذا الشأن، حتى ليظهر للعيان ان حكومة لبنان باتت حكومة «كونية» بلا منازع.

والواضح حتى الآن ان اللبنانيين ينتظرون القاسم المشترك بين الدول الخمس الكبرى، ليبدأ دورهم في مناقشة التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان، والتي لا تتعدى تقاسم الحصص الوزارية، سيادية وغير سيادية، ومع ذلك تتهاوى فوق رؤوس اللبنانيين يومياً عبر الشاشات، شعارات «السيادة والاستقلال وعدم التدخل الخارجي في شؤونهم الداخلية».

ان كمية النزاهة والشفافية التي أسقطت من الخارج على الانتخابات النيابية الأخيرة دفعت الكثير من اللبنانيين الى الارتياب، لمعرفتهم المسبقة ان هذا الاستحقاق الدستوري كان الأسوأ في تاريخ لبنان، من حيث المال السياسي والتحريض المذهبي والطائفي وغير ذلك مما هو معروف وغير معروف. لكن ما يدفع اكثر الى الارتياب هو هذا الانشغال الخارجي بحكومة لبنان المقبلة.

صحيح ان ما يحصل ليس غريباً على لبنان، فلطالما كان رؤساء لبنان وحكوماته يصنعون في الخارج، وعلى يد الأشقاء والأصدقاء، ولكن الصحيح أيضاً ان السياسيين في لبنان يحاولون دائماً إقناع اللبنانيين بأن قرارهم «صنع في لبنان»، ثم يتراشقون التهم عن عمالة بعضهم البعض للخارج. إلا أن ما يشهده اللبنانيون هذه المرة يفترض أن يزيح عن أعينهم غشاوة واهية، تدفعهم الى الكثير من التواضع في انفسهم وفي وطنهم. فلبنان لم ولن يكون جزيرة معزولة عن محيطه، ولا يمكن ان يكون مستقلاً سيداً في ظل نظام الطوائف التي تنشد دوماً الحماية الخارجية.

بيد أن الاهتمام العربي والدولي بتشكيل الحكومة اللبنانية، وبهذه الصورة العلنية التي دفعت ضابطاً أميركياً من الدرجة الخامسة في «البنتاغون» ليناقش هذه المسألة «على رؤوس الاشهاد» مع المسؤولين اللبنانيين، هذا الاهتمام يحمل على القلق والتوجس وطرح الكثير من الأسئلة عن سر هذا الانشغال بتركيبة الحكومة اللبنانية وبشكل غير مسبوق.

من الواضح أن لبنان «لا خيل عنده ولا مال» يدفع الى مثل هذا الاهتمام الكوني بحكومته العتيدة. فليس في لبنان نفط العراق، ولا موقع أفغانستان، ولا مفاعلات إيران او كوريا النووية. كل ما في الأمر انه جار فلسطين المحتلة، وفيه مقاومة مزعجة للكيان الصهيوني، وقد تكون مزعجة للتسوية التي تشغل بال الادارة الاميركية الجديدة. ولقد دلت التجربة الماضية ان هذه المقاومة مطلوب رأسها، حية أم ميتة، بالحرب أم بالسياسة، بالدهاء ام بالفتنة المتنقلة.

إذا كان هذا هو سر الاهتمام الكوني بلبنان، وإذا كان هذا هو سبب الغزل المتصاعد لسوريا وموقفها «الرصين»، على حد تعبير الجهات الدولية، فمن حق اللبنانيين أن يتوجسوا، لأن حكومتهم الكونية المقبلة ستكون حقل تجارب جديداً، وسيكون لبنان مرة جديدة ضحية التسوية التي لا أفق لها.

اللهم إنّا لا نسألك رد القضاء، بل نسألك اللطف فيه!

2009-07-02