ارشيف من :أخبار لبنانية

خاص الانتقاد.نت: الخطاب الانتقادي الجنبلاطي لحلفائه..الى أين يفضي وعلى ماذا ينطوي؟

خاص الانتقاد.نت: الخطاب الانتقادي الجنبلاطي لحلفائه..الى أين يفضي وعلى ماذا ينطوي؟

كتب ابراهيم صالح
قبل ايام قليلة، وفي ذروة الانشغال السياسي بمسألة تأليف الحكومة، بدا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط كمن يغرد خارج سربه عندما أطلق موقفاً سياسياً انتقد فيه محطتين سياسيتين اساسيتين من محطات حلفائه، وعارض اخرى في لقاء قوى 14 آذار.

الاولى: شعار "لبنان أولاً".

والثانية: برنامج خصخصة المرافق العامة، وهو البرنامج الذي يضعه الرئيس المكلف بتأليف الحكومة سعد الحريري. والواضح انه في انتقاده المحطة الاولى، كان النائب جنبلاط يرسم خط اعتراض على مسار سياسي عام لحليفه النائب الحريري الذي اختار مصطلح "لبنان اولاً" ليكون اسماً لتكتله النيابي الجديد الذي يضم 41 نائباً.

ربط جنبلاط بين رفع هذا الشعار وتغييب شعارات اخرى، مثل شعار "العروبة وفلسطين"، واستطراداً لفت بين هذا الاسم ومسألة "التزمت والتقوقع وشعارات الكيانية الضيقة" اكثر من رابط وعلاقة.

واذا كان كلام النائب جنبلاط قد لقي استياءً بيّناً من بعض رموز في تيار "المستقبل" و"القوات اللبنانية" وحزب الكتائب، فإن السؤال المطروح لماذا تقصّد جنبلاط ان يثير هذه "العاصفة" السياسية في هذه اللحظة، وهل بدأ عملياً مسيرة الافتراق السياسي الموعودة لجنبلاط عن الفريق السياسي الذي مثل طوال نحو 4 أعوام رأس حربة في الهجوم على الخصوم؟ ام ان الامر لا يعدو كونه واحدة من "شطحات" زعيم المختارة، ومحطة من محطات التميز التي يجد نفسه فيها احياناً؟

ومن البديهي الاشارة الى ان ثمة اكثر من مبرر وداع لطرح مثل هذه التساؤلات. فالمعلوم ان مجالس النائب جنبلاط الخاصة والضيقة حفلت عشية الانتخابات النيابية بمئات "الانتقادات" لأداء حلفائه، ولتوجهاتهم السياسية ولأخطائهم، وحفلت ايضاً بإشارات ورسائل صريحة حيناً ومضمرة حيناً آخر تشي برغبته في اعادة النظر بموقعه السياسي وبعلاقته بالاخرين.

ولم يزل الكثيرون يتوقفون ملياً عند الشريط المسجل والمصور الذي تم تداوله لجنبلاط وهو يتحدث امام مجموعة من مشايخ الطائفة الدرزية ووجهائها، والذي انطوى على نوع من النقد الذاتي لأدائه في المرحلة الماضية وعلى رؤية جديدة لماضي الاوضاع وحاضرها ومستقبلها.

في ذاك الوقت فهم الكثيرون "الشريط" بأنه رسالة واضحة لمن يعنيهم الامر، فحواها ان جنبلاط قد ضاق بالموقع الذي اتخذه طوال الاعوام الماضية، وأنه يحضر نفسه والمحيطين به لعملية انتقال نوعية تقطع مع كثير من سلوكه وأدائه في المرحلة الماضية، وتحضر للوصل مع مرحلة اخرى وعناوين سياسية اخرى بناءً على جملة "استشعارات" تبين له ان ثمة رهانات انطوت واخرى بدأت.

ولقد انشغل جمهرة من الناس بمعرفة حدود هذه النقلة، وتحديداً المسافة التي يمكن ان يبعد بها عن حلفائه، والمسافة التي يمكن ان يقطعها في اتجاه خصومه.
وبالطبع كان جنبلاط والمحيطون به غير مستائين من حالة "الالتباس و"الغموض" التي نتجت عن هذا الحراك السياسي غير العادي الذي أعد له جنبلاط، وكان جلياً ان النقلة النوعية الموعودة من جنبلاط ستكون بعد الانتخابات النيابية وليس قبلها لاعتبارات عدة ابرزها:

* ان جنبلاط كان يدرك ان ليس بمقدوره لحسابات سياسية وغير سياسية مبارحة الموقع الذي شغله طوال المرحلة الماضية، اذ ان ثمة ارتباطات وتعهدات قطعها جنبلاط لأكثر من جهة وطرف، فرضت عليه قسراً على سبيل المثال وليس الحصر، ان يسجل في لائحتيه في الشوف وعاليه، بعضاً من رموز ما يسميهم هو "الانعزال المسيحي". اذ كان مطلوب اميركياً اعادة احياء الاحزاب والقوى المسيحية شبه المنقرضة والبائدة مثل حزب الاحرار والقوات اللبنانية والكتائب، انطلاقاً من ضرورة وجود هذه القوى لمحاصرة "التيار الوطني الحر" وزعيمه، ولوراثة الحالة السياسية المسيحية.

وبمعنى آخر، كان على جنبلاط ان يوجد "توليفة" و"فذلكة" تجمع بين هذه التعهدات التي يدرك هو وطأتها الحاضرة والمستقبلية وبين رغبته في التحرر من "قيود" المرحلة المنصرمة وأعبائها، ولا سيما وهو يستشعر كما قال في جلساته، خطر "التقوقع السني" و"الانعزال المسيحي" الذي يتمدد في المناطق والدوائر التي يعتبرها عملياً معقله والتي تهدد "زعامته" التاريخية على المستويين القريب والبعيد.

لذا لم يكن غريباً للكثيرين ان يطلق جنبلاط بعيد الانتخابات سلسلة مواقف تنطوي على انتقادات مباشرة للمناخات "التعصبية" و"الانغلاقية" التي نشرها حلفاؤه في فريق 14 آذار، لكي تؤمن فوزهم بالاكثرية النيابية.

كذلك لم يكن مفاجئاً اللقاء الذي جمع جنبلاط بالامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله بعد ايام قليلة على صدور نتائج الانتخابات، والهواجس التي اثارها والمخاوف التي اضاء عليها في هذا اللقاء، الذي اتى بعد ثلاثة اعوام تولى فيها جنبلاط مهمة تشويه المقاومة والنيل من الحضور السياسي والاعلامي لسيدها، وهي مهمة بالطبع لم تعط ثمارها.

بالطبع سال يومها حبر كثير لتحليل هذا اللقاء ومدلولاته وأبعاده، وموقعه من عملية اعادة التموقع السياسي الموعودة لجنبلاط، واستطراداً هل يمكن ان يكون هذا اللقاء وما دار فيه باب العبور لجنبلاط الى دمشق التي اساء اليها كثيراًً وأطلق باتجاه قياداتها الكثير من النعوت والاوصاف، ولا سيما ان هذا اللقاء تزامن عملياً مع اشارات ايجابية اتت من العاصمة السورية، تتوقف عند "الانفتاح" الجنبلاطي وتأخذه بعين الاعتبار، الامر الذي عده الكثير من المراقبين جزءاً من قاعدة يمكن ان تؤسس لمرحلة مختلفة من العلاقة بين الطرفين، وخصوصاً ان جنبلاط يعلم علم اليقين المطلوب منه لتأمين الانفتاح السوري الكامل عليه، على نحو يعيد الامور الى سابق عهدها، اي الى المرحلة التي كان فيها جنبلاط في رأس قائمة حلفاء دمشق على الساحة اللبنانية.

ويبقى السؤال الاكثر الحاحاً لدى الكثيرين هو الى اين تفضي هذه المواقف الجنبلاطية النوعية، وهذا الخطاب الجديد الانتقادي الحاد، تجاه حلفاء تنكّب مهمة قيادتهم طوال اعوام وطوّح بهم في كل الاتجاهات؟

كل المؤشرات والمعطيات المتوافرة تشير الى ان جنبلاط لن يعود القهقرى الى الموقع السياسي الذي شغله في المرحلة الماضية، لكنه ليس في وارد القطع نهائياً مع الفريق السياسي الذي انضم اليه منذ أعوام و"دفع وقبض" في سبيله الكثير من الأثمان.

وبطبيعة الحال فإن الرغبة بالانتقال الى موقع جديد له ايضاً أثمانه ومتطلباته وأهدافه، فهو بهذا الحراك السياسي المميز الذي قام به بعد احداث 11 ايار في الجبل، انما اراد تأمين ثلاث دوائر تشكل بالنسبة له شبكة الامان وهي:

1ـ دائرة استمرار العلاقة بكل ابعادها مع الحاضنة الاساسية لفريق 14 آذار، فهو لا يريد ان يخسر فوائد العلاقة معها.

2ـ دائرة ضمان "امن الجبل" الذي يضعه فوق كل اعتبار، علماً انه يعي الاثمان الواجب دفعها لتأمين هذه الدائرة.

3ـ دائرة دوره "المتميز" في اللعبة السياسية الداخلية، والتي يعي كما الآخرين انها انطوت على عناصر ومتغيرات عدة لم يقلل منها "الانتصار" الذي حققه فريق 14 آذار في الانتخابات النيابية الاخيرة.

وعليه، فإن "الانزياح" الجنبلاطي الاخير يؤمن له بطبيعة الحال جسور علاقة بخصوم الامس، وانفتاحاً عليهم، ويؤمن ايضاً ديمومة العلاقة مع حلفاء الامس الذين مكتوب عليهم ان يتحملوا بصبر وأناة انتقاداته الحادة لهم التي ستستمر وتصاعد ولا ريب، وتؤمن له في واقع الحال موقعاً سياسياً عصياً على التغيير في اي معادلة سياسية ستنشأ لاحقاً.

ومهما يكن من امر، فإن جنبلاط اليوم هو غير جنبلاط الماضي!

2009-07-02