ارشيف من :أخبار عالمية

حتى «المعارضة» لم تفعلها!

حتى «المعارضة» لم تفعلها!
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية

انشغل الشارع البحريني منذ صباح يوم السبت (6 ديسمبر/ كانون الأول 2014) وحتى ليله بـ «سباق الترايثلون»، الذي عطل مصالحهم، وخلق لهم إرباكاً كبيراً في حياتهم، حتى أصبح الوصول إلى المطار أمراً صعباً عدا المشي على الأقدام، وكذلك تعطلت المستشفيات، بسبب الاختناقات المرورية، وبلغ الأمر تعطيل جنائز عن الدفن.

اعتقد البعض أن فكرة السباق هي أساس المشكلة، إلا أن الواقع مختلف جداً، حتى أنه مع السخط العام يوم السبت والذي تزامن مع سؤال ليس غريباً، تبادَله الشارع البحريني عن مسمى السباق بـ «الترايثلون»، ومع تشبع الشارع البحريني بالجو السياسي منذ سنوات، إلا أنه ظل عاشقاً للرياضة، ومتابعاً لها بمختلف أنواعها، ولم يرفضْها.

سخط الشارع العام يوم السبت لم يكن على السباق، ولا فكرته، ولا طريقته، أو حتى الداعين له، كما لم يسخط في بادئ الأمر حتى على خط مسيره وطريقة حركته.

يوم الجمعة اندهش الشارع البحريني، من خطة وزارة الداخلية ممثلة في الإدارة العامة للمرور لتنظيم السباق، وإعلان إغلاق أهم الطرق الرئيسية في البحرين من المحرق شمالاً حتى الزلاق جنوباً صباح السبت، وبشكل صدم الجميع، كيف تقوم وزارة الداخلية بإغلاق طرقات رئيسية وحيوية تعتبر عصب وشريان الحركة المرورية في البحرين دفعة واحدة؟ من استشار عليها بذلك، وهي تعلم بحجم الاختناقات المرورية الطبيعية في الأوقات الاعتيادية، فضلاً عن الاستثنائية، كما أنها تعلم بأن إغلاق شارع حيوي واحد سيؤدي للضغط على الطرقات الرئيسية لها وسينقل لها عدوة الاختناقات، فكيف بخطة إغلاق شبه كاملة، ولساعات طويلة!

«الترايثلون» لمن لا يعرفه، هو سباق ثلاثي، وهو أشبه بالماراثون، يبدأ بالسباحة ثم ركوب الدراجات، وينتهي بالجري. هذه اللعبة تعتمد أيضاً على سرعة التبديل بين الملابس والأحذية الخاصة بكل مرحلة من مراحل اللعبة.

مثل هذا النوع من السباقات، تجرى في مناطق معينة، ذات طبيعة منعزلة، بعيداً قدر الإمكان عن الحياة العامة، وتعقيداتها اليومية، فلن نشهد أبداً إقامة هذا السباق - الذي بدأت فكرته من فرنسا - في وسط العاصمة باريس، ولا في منطقة تايمز سكوير في مانهاتن بنيويورك، ولا في وسط لندن أو أي عاصمة من عواصم العالم المزدحمة يومياً بالحركة، لأن المسئولين وحتى المنظمين يعلمون مدى فداحة الخطأ الكبير الذي سيرتكبونه بذلك، وما سينجم عنه من خسائر مالية كبيرة.

لأول مرة يشهد الشارع البحريني حالة «اختناق مروري» كالتي شهدها السبت وبالخصوص في محيط مطار البحرين، أدت إلى ترجل المسافرين من سياراتهم، والسير مشياً نحو المطار، ولأول مرة أيضاً يُشاهد طواقم الطائرات يسيرون في الشوارع بحقائبهم بغية الوصول إلى المطار في ظل عجز شركات الطيران عن الإقلاع برحلاتها، وإعلان تأخير عدد كبير منها بسبب غياب المسافرين والطيارين!

لقد أصيب مطار البحرين لمدة ساعات بشلل شبه تام، بعد خطة وزارة الداخلية في إغلاق الطرقات لإنجاح سباق جري عادي، لقد تسببت السلطة في ضياع ملايين الدولارات من وراء كل ذلك، حتى اعتذرت شركات طيران عن الإرباك والتأخير، إلا أنها رفضت تعويض المتضررين، بحجة أنها لم تكن سبباً في كل ما حدث، وهذه حقيقة، فالسلطة ووزارة الداخلية هما السبب، نتيجة فشل ذريع في التنظيم.

قبل عامين تقريباً، سعت قوى في المعارضة للاحتجاج على السلطة من خلال تنظيم مسيرات سيارات بغية الضغط على الطرقات وخلق حالة إرباك مرورية تؤدي لشلل عام، فسارعت وزارة الداخلية للتحذير أولاً من مغبة التعرض لمصالح المواطنين والإضرار بهم، ومن ثم هددت بمحاسبة المخالفين، وسحب مركباتهم.

في التاسع عشر من سبتمبر/ أيلول 2012 أصدرت وزارة الداخلية بياناً أكدت فيه أنه «في إطار متابعة ورصد الدعوات التي يتم بثها عبر المواقع الإلكترونية أو تداولها بأية صورة والتي تدعو إلى تعمد تعطيل حركة المرور باستخدام السيارات وغلق بعض الطرق وإحداث أزمات بهدف الإخلال بالنظام العام وتعطيل مصالح المواطنين والمقيمين، تؤكد وزارة الداخلية على أنها ستتعامل بموجب الصلاحيات القانونية المخولة لها لمنع أي محاولات للخروج عن القانون حيث سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من يتم ضبطه لكون هذه الأفعال التي يتم الدعوة إليها مجرمة قانوناً وتصل العقوبة المقررة لها في قانون المرور إلى الحبس والغرامة فضلاً عن إجراءات سحب ووقف رخص القيادة وشهادة التسجيل واللوحات المعدنية للسيارات التي تتسبب في ذلك والتي تصل مدة سحب الرخص إلى سنة فضلاً عن باقي العقوبات والتدابير المقررة في القوانين الأخرى وفقاً لظروف كل واقعة».

فإذا كانت السلطة حريصة كل الحرص على مصالح المواطنين والمقيمين، إذاً لماذا قامت هي بذلك الفعل الذي عطَّل وأضرَّ بمصالح المواطنين والمقيمين!

ما حدث يوم السبت من قبل السلطة بإدخال البلاد في حالة شلل تام بلغ حدّ عرقلة حركة الطيران، وشلّ عمل مستشفيات، لم تستطع احتجاجات المعارضة بلوغه من قبل، وهو أمر يجب ألا يقف عند باب «الاعتذار» فقط، بل لابد من المحاسبة وبالقانون الذي كانت وزارة الداخلية تهدد به دوماً، فليس حرياً بها أن تخالفه فقط من أجل إنجاح سباق على حساب شعب بأكمله.
2014-12-08