ارشيف من :أخبار عالمية
ماراثون العشق الحسيني... كل الطرق تؤدي الى كربلاء!
من قضاء الفاو، تلك المدينة العراقية القصية التي تتمدد على ضفاف الخليج، خرجت صباح يوم الخامس عشر من شهر تشرين الثاني، الموافق الحادي والعشرين من شهر محرم الحرام اول مجموعة عراقية سيرا على الاقدام نحو كربلاء المقدسة احياء لذكرى اربعينية الامام الحسين عليه السلام ، حاملة معها راية حسينية كبيرة حمراء كتب عليها (لبيك يا حسين).
ويبعد قضاء الفاو عن محافظة البصرة حوالي مائة كيلو متر، فيما يبعد عن محافظة كربلاء المقدسة ما يزيد على خمسمائة كيلو متر، وهذا يعني ان الذين انطلقوا من الفاو يحتاجون بالمعدل الطبيعي شهرا كاملا للوصول الى ضريح الامام الحسين واخيه العباس عليهما السلام، مأخوذا بنظر الاعتبار ساعات النوم والاستراحة وتناول الطعام في كل يوم.
زوار الإمام الحسين (ع)
من مائة الى ملايين!
ومثلت المجموعة الصغيرة التي انطلقت من قضاء الفاو، والتي لم يتجاوز عدد افرادها مائة شخص بداية الزحف الحسيني الهادر نحو كربلاء، فبانطلاقتها راحت الحشود من محبي اهل البيت عليهم السلام تتحرك من مختلف اقضية ونواحي محافظة البصرة، ومن ثم من محافظات ذي قار وميسان والمثنى والديوانية وواسط وبابل وبغداد وديالى وكركوك وصلاح الدين والنجف، وحيثما وجد المرء الناس تسير على الاقدام نحو كربلاء، وجد مواكب الخدمة التي تقدم شتى انواع الاطعمة والاشربة، وتوفر اماكن الراحة والمنام واداء العبادات، الى جانب المفارز الطبية، التي تقدم ما يحتاجه الزائرون من عقاقير طبية واسعافات عاجلة.
واللافت ان الزائر لم يعد يفتقد اي شيء يحتاجه خلال مسيره نحو كربلاء، فالمواكب الحسينية باتت تؤمن اضافة الى الطعام والشراب والمنام، متطلبات الاتصال الهاتفي المجاني، وشحن الهواتف النقالة، وتصليح الاحذية، وغسل وتجفيف الملابس، وحلاقة الشعر، والعلاج الطبيعي، وغير ذلك الكثير.
واللافت ايضا ان الزائر الحسيني يجد كل انواع الطعام معروضة امامه، وبدلا من أن يبحث عن مكان يتناول فيه وجبة غذائية بسيطة، فإنه يلقى الكثير من الاحتفاء والترحيب والاهتمام من المواكب الممتدة على طول الطرق والشوارع، بل والتوسل به ليجلس لاخذ قسط من الراحة وتناول ما يشتهيه من الطعام.
ومثلما يقول الزائرون ويرددون، "لا يمكن ان نجد مثل ذلك الاهتمام والترحاب والتقدير في اي مكان وفي اية مناسبة غير مسيرة الاربعين".
المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم يشارك المؤمنين نحو كربلاء
ارقام في موسوعة غينيس!
وفي مسيرة الزحف الحسيني نحو كربلاء الفداء والتضحية تبرز لنا ارقام تحمل دلالات ومعاني غاية في الاهمية من الناحيتين المادية والمعنوية، وهي تستحق ان تدخل في موسوعة غينيس العالمية للارقام القياسية.
ومن هذه الارقام، ان عدد الذين يتوجهون-او توجهوا-سيرا على الاقدام الى كربلاء خلال اقل من شهر من المرجح ان يتجاوز عشرين مليون شخص، وعدد الذين يتجمعون في كربلاء خلال الايام الثلاثة التي تسبق حلول ذكرى الاربعينية لا يقل عن ثمانية ملايين شخص، علما ان مدينة مكة المكرمة لا تحتضن اكثر من ثلاثة ملايين شخص خلال موسم الحج في كل عام.
ومن هذه الارقام، ان عدد الزوار الاجانب الذين دخلوا العراق هذا العام لاداء مراسيم زيارة الاربعينية ناهز حتى الان ثلاثة ملايين شخص، ومن المتوقع ان يصل الى –او يتعدى-الاربعة ملايين، ومعظمهم من الجمهورية الاسلامية الايرانية.
ومن هذه الارقام، تلك المائدة التي امتدت لمسافة خمسة عشر كيلو مترا في محافظة ذي قار واطلق عليها (سفرة السبطين)، وشاركت في اعدادها مئات المواكب الحسينية، وبعدها بعدة ايام امتدت مائدة اخرى (سفرة الامام الحسين) لمسافة ثلاثة وعشرين كيلو مترا ابتداء من مركز قضاء المحمودية جنوب العاصمة بغداد وحتى منطقة الحصوة التابعة لمدينة الاسكندرية شمال محافظة بابل.
ومن هذه الارقام، مشاركة اكثر من ثمانية الاف موكب حسيني في كربلاء وحدها لتقديم شتى الخدمات للزائرين، منها مواكب قادمة من دول عربية واجنبية.
اما عن كميات الطعام وقناني مياه الشرب والمشروبات الغازية والشاي والقهوة وغيرها، والاعداد الكلية لكل مواكب الخدمة فمن الصعب جدا احصاؤها، لان الجهات المعنية مثل العتبتين الحسينية والعباسية، وهيئة المواكب الحسينية وغيرها لديها احصاءات وارقام عن المواكب والهيئات المسجلة لديها رسميا، بيد ان اعداد المواكب والهيئات غير المسجلة ربما فاقت اعداد المسجلة الى حد كبير.
مشاركة الرموز
والى جانب الحشود المليونية للزائرين المتوجهين الى كربلاء من كل حدب وصوب، لوحظ مشاركة مراجع دين وزعامات سياسية، وشخصيات حكومية.
فالمرجع الديني الكبير اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم رغم كبر سنه سار على قدميه نحو كربلاء، واية الله العظمى الشيخ بشير النجفي، رغم انه لم يتعاف بالكامل من العملية الجراحية التي اجريت له قبل فترة وجيزة، الا انه اثر ان يشارك الزائرين زحفهم الحسيني.
وكذلك شارك رئيس المجلس الاعلى الاسلامي العراقي السيد عمار الحكيم الزائرين في محافظات ومدن مختلفة، وشارك ايضا رئيس الوزراء حيدر العبادي، وامام جامع براثا الشيخ جلال الدين الصغير، ووزير النفط عادل عبد المهدي، فضلا عن تواجد كبار المسؤولين في الجهات المعنية بتنفيذ خطة زيارة الاربعينية بجوانبها الامنية والخدمية واللوجيستية.
زوار الإمام الحسين (ع)
عالمية الزيارة الاربعينية
ولعل ما ميز زيارة الاربعينية هذا العام-مثلما هو الحال في الاعوام السابقة-هو المشاركة العالمية الواسعة، فقد كان واضحا حضور اعداد هائلة من الزوار من دول عربية واجنبية، اسلامية وغير اسلامية من مختلف قارات العالم، حتى ان المنافذ الحدودية البرية والمطارات، لا سيما مطار النجف الدولي، اكتظت بهم، ووفقا لارقام الجهات الرسمية فإن اعداد الزوار القادمين من الخارج فاق هذا العام اعدادهم خلال الاعوام السابقة، ويمكن ان تكون التسهيلات التي قدمت للايرانيين قد ساهمت في رفع اعدادهم، اذ ان منح تأشيرة الدخول مباشرة عبر منافذ الدخول، والغاء الرسوم المفروضة عليها، او تخفيضها وجعلها رمزية جدا ، شجع الكثير من المواطنين الايرانيين على استثمار تلك الفرصة وبالتالي القدوم لاداء مراسيم الزيارة، علما ان اعدادا غير قليلة منهم توجهوا سيرا على الاقدام من منافذ زرباطية والشيب والشلامجة الى كربلاء.
اضف الى ذلك فإن ابناء الديانات الاخرى في العراق، كالمسيحيين والصابئة، وكذلك ابناء المذهب السني، شاركوا في احياء الذكرى بإقامة مواكب خدمة خاصة، او المساهمة وتقديم الدعم للمواكب الحسينية القائمة.
الى جانب ذلك فإن النازحين من المحافظات والمناطق الساخنة الى محافظات كربلاء والنجف وبابل ساهموا في تقديم الخدمات للزائرين.
ولا شك ان المشاركة الواسعة جدا، والتفاعل الكبير من قبل مختلف المكونات، اطلق رسالة مهمة جدا، مفادها ان محبي وانصار الامام الحسين لا يعبأون بالتهديدات الارهابية والظروف الامنية غير المستقرة، وانهم يمتلكون روح الاصرار والتحدي لكل المخاطر والمصاعب التي يمكن ان تواجههم.
خطة شاملة
ولتأمين جملة من المستلزمات الخدمية واللوجيستية والامنية، مثل توفير وسائل النقل المناسبة والكافية لاعادة الزائرين الى المدن التي جاؤوا منها، وتوفير الحماية في المناطق والطرق التي يسيرون فيها، وما الى ذلك من الخدمات الصحية والبلدية، فقد وضعت خطة شاملة لذلك، شاركت فيها وزارات الدفاع والداخلية وجهاز الامن الوطني، والصحة والنقل البلديات والاشغال العامة والتجارة، اضافة الى الحكومات المحلية في المحافظات، التي وضعت الى جانب الخطة الموحدة الشاملة خططا خاصة بها لتأمين انسيابية حركة ومسير الزائرين عند مرورهم في كل محافظة من المحافظات، وكذلك ساهمت تشكيلات الحشد الشعبي في تنفيذ الخطة بشقها الامني، وخصوصا في المناطق الساخنة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018