ارشيف من :أخبار لبنانية
سامي وسمير يتقاسمان المشروع السياسي ويتصارعان على تزعّم المسيحيين
مارلين خليفة، السفير .
في السنة التي وُلد فيها النائب سامي الجميل العام 1980 كان رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع قائدا حربيا صاعدا خرج من منطقة الشمال منذ عامين إثر عملية إهدن وتهجير الكتائب واتخذ من دير القطارة في ميفوق ثكنة ينظّم من خلالها قواته.
وعندما بلغ سامي الجميل الخامسة من العمر العام 1985 كان جعجع يقود انتفاضة أولى ضد والد الاخير رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل، ثم انتفاضة ثانية ضدّ الوزير الراحل إيلي حبيقة مسقطا الاتفاق الثلاثي. وعندما بلغ سامي السادسة من العمر كان جعجع يقود انتفاضته الثالثة عام 1986. ولم يكد سامي يبلغ الثامنة من العمر حتى طرد جعجع عائلته كلها الى فرنسا إثر تعيين أمين الجميل للعماد ميشال عون رئيسا للحكومة الانتقالية، ولم يعد سامي إلى لبنان الا في العام 2000 حين كان جعجع مسجونا. هكذا توالت الاعوام الاولى للجميل الطفل والمراهق والشاب وسمير جعجع يتقدّم بخبراته العسكرية والسياسية والوجدانية.
اليوم يبلغ سامي الجميل الـ29 من العمر ويشغل الى جانب صفته النيابية موقع المنسّق العام للجنة المركزية في حزب «الكتائب اللبنانية»، فيما عمر جعجع هو 57 عاما، أي ضعف عمر الجميل الابن الواقف من حيث لا يدري على رأس قيادة الحزب المنبثقة من رحمه «القوات اللبنانية» والذي طالما حلم سمير جعجع بالسيطرة عليه.
لعلّها سخر
ية الاقدار تواجه جيلين مختلفين يتنافسان في السياسة على رقعة مسيحية واحدة، وقد بدأت معالم هذا التنافس تظهر تبعا لمؤشرات عدّة ظهرتها الانتخابات النيابية الاخيرة.
ثمة من يتمنى اليوم من الكتائبيين تبدّل الصورة السابقة التي تجمع في إطار واحد «الكتائب» و«القوات» لتضم في إطار أوسع «الكتائب» و«التيار الوطني الحرّ» و«المردة»، علما بأن هذا التمني صعب التحقيق وإن لم يكن مستحيلا نظرا الى عدم قدرة الرئيس أمين الجميل على تحمّل مترتبات خطوة مماثلة تنعكس سلبا على مصالح حزبه الحيوية.
لغاية اليوم يحرص الطرفان «القواتي» و«الكتائبي» على إشاعة أجواء «شهر عسل» مستمر بينهما، لكنّ مقربين من الطرفين يقدّمون قراءة مغايرة لواقع التوتّر المستتر والصامت، والذي يظهّره بمواربة الخطاب الناري الذي يعتمده النائب سامي الجميل والمندرجة قراءته ضمن هذا الجوّ المنطلق من أمور عدّة:
أولا، ثمة حذر كتائبي مما حصل في انتخابات زحلة وخصوصا بعد «انقلاب» 3 نواب من تكتّل «زحلة بالقلب» الى كتلة القوات اللبنانية ما يوحي بأن الاخيرة مارست مع حلفائها سياسة «البلوف»، وتمكّنت على الرغم من افتقارها الى التنظيم المتماسك في عاصمة البقاع من إرساء وجود يهدّد معاقل الآخرين من الحلفاء.
ثانيا، كرّست «القوات اللبنانية» حضورها أكثر فأكثر في منطقة المتن الشمالي أي في عقر دار آل الجميل الذين كانوا يتمتعون بقوة غير قابلة للتحول والاختراق.
ثالثا، شعور الكتائب بأن منطقة البترون أضحت ملكية جارية على «القوات اللبنانية» ومن الصعب إعادتها الى بيت الطاعة «الكتائبي»، لأن الحركة القواتية ونشاط النائب أنطوان زهرا يزيدان من وتيرة الحضور القواتي المتنامي هناك.
رابعا، ثمة تحدّ للمعاقل «الكتائبية» من عكار الى الكورة فكسروان وبعبدا وعاليه والأشرفية من قبل «القوات اللبنانية» التي تبني تنظيما حديديا يتيح لها التمدد انطلاقا من قواعد ثابتة وغير متحوّلة.
يراقب الكتائبيون بحذر قصورهم عن اللحاق بالتقدّم «القواتي» في الجامعات والمدارس، وستكون الانتخابات الجامعية مفصلا لكيفية تعاطي الحزبين معها، وهذا أمر أساسي يدفع النائب سامي الجميل الى اعتماد لغة جديدة ومفردات «لم يألفها القاموس الكتائبي منذ أعوام» كما يقول كتائبي عتيق، وهو يرفع السقوف السياسية ويخاطب الجمهور المسيحي بلغة غرائزية، بغية تحقيق أمرين: تثبيت التزام القواعد الحزبية بنهج القيادة وتفاعلها معها، وتذكير الجمهور المسيحي بالنبرة المرتفعة التي كان يعتمدها الرئيس المؤسس بيار الجميل في المنعطفات المصيرية كحوادث عام 1958 وحرب 1975 وما تلاها، والدليل على ذلك أن من يتابع تصريحات سامي الجميل الاخيرة أثناء المشاورات النيابية الملزمة وبعد زيارته الى رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، إضافة الى التصريحات المتفرقة التي يدلي بها، يتبيّن بوضوح أن هذا الشاب يريد ان يضع حدودا لـ«غزوة» قواتية ما في اتجاه قواعده، وهو يتعمّد «القوطبة» بخطاب مرتفع النبرة أعلى من السقف الذي تلجأ اليه القوات اللبنانية المضطرة الى نوع من «المسايرة» لتيار المستقبل.
يعلم سامي الجميل ووالده الرئيس الأسبق للجمهورية، بأن النواب سامر سعادة وإيلي ماروني ونديم الجميل شكّلت لهم أصوات «تيار المستقبل» رافعة أدّت الى وصولهم الى الندوة النيابية مثلما شكّلت الاصوات الدرزية رافعة للنائب فادي الهبر في عاليه، وأن النائب الوحيد الذي فاز بأصوات مسيحية صرفة هو سامي الجميل. وبالتالي فإن الهاجس الكتائبي يتركّز في الايام المقبلة على استعادة المواقع التي كانت للحزب في المناطق ذات الطابع المسيحي. ومن هنا يمكن فهم الحرص الكتائبي عل رفع النبرة المتشددة مسيحيا، علّ في ذلك بعض التعويض عن خسائر متتالية هي نتيجة تراكمية لتراجع الحزب خلال العقدين الماضيين.
ويراهن المراقبون على أن «شهر العسل» القواتي الكتائبي لن يدوم طويلا، لكن لن تطفو ملامح الخلاف على السطح قبل تشكيل الحكومة الجديدة، بعد ذلك ستكون محاولات لإعادة إحياء الحوار بين تيار «المردة» و«الكتائب» وهو لم ينقطع يوما وإن كان الرئيس أمين الجميل يغيب عنه أحيانا لأسباب مجهولة ثم يعيد الوصال فجأة.
وفي هذا المجال، فإن حزب «الكتائب» يعتبر أنه يستطيع التواصل مع «المردة» بصورة أفضل وأن مستويات التواصل دوما تكون أرفع من تلك القائمة بين «المردة» و«القوات اللبنانية».
كذلك، فإن بعض الاصوات بدأت ترتفع من داخل «الكتائب» بوجوب محاولة تحريك الوضع مع «التيار الوطني الحرّ» وهي رغبة موجودة عند الطرفين ولا سيما عند النائب سامي الجميل منذ ما قبل الانتخابات النيابية.
وتردد أنه عقد بعد الانتخابات لقاءات مع ناشطين في «التيار» اتفق الجانبان على وضعها في الخانة الشخصية وليس الحزبية.
ويرى مراقبون أن الحكومة الجديدة التي ستتشكل في ظل مناخات التقارب السعودي السوري والعلاقة التي تنسج حاليا بين «حزب الله» و«تيار المستقبل» باتت تسمح للكتائب بأن تنفتح ولو بصعوبة على عون على الرغم من تشنجات البعض في اتجاه «التيار الوطني الحرّ».
عنوان واحد لسياسة «الكتائب» و«القوات» اليوم يتمحور حول من يرث قاعدة «التيار الوطني الحر»ّ الشعبية؟ كأن سمير جعجع وسامي الجميل على قناعة بأن «التيار الوطني الحر» يحتضر وأن الارث الذي سيتركه سيكون من نصيبهما معا، والشطارة هي في من يقتنص النسبة الاكبر منه في حين أن العماد ميشال عون الذي يعرف هذا تماما يضحك أمام من يصارحونه بذلك على قاعدة أن «الحيّ لا ينتظر حيّا».
في العودة الى علاقة سامي وسمير وتاريخية العلاقة بين جعجع وآل الجميل، فإن هؤلاء جميعهم لا يكنّون الودّ «للبشراوي» الطالع من الطبقة الوسطى لينزع الاقطاعيين عن حزب آمن بمبادئه وناضل في صفوفه طويلا.
الرئيس الراحل بشير الجميل كان متوجسا من صعوده في صفوف القوات غير قادر على استبداله في الشمال المسيحي بقائد آخر نظرا الى كفاءاته العسكرية. أمين الجميل عانى من عناد «الحكيم» طيلة عهده الذي حفل بالانتفاضات وانتهى بطرده من قبل جعجع الى فرنسا من عام 1988 وحتى عام 2000. في غضون ذلك، عاد النائب والوزير الشهيد بيار الجميل الى لبنان عام 1994 حاملا لهمين: الاول تمهيد عودة والده، والثاني محاربة مدّ قوات جعجع في المتن، حتى أن العارفين يؤكدون أن الرجلين لم يلتقيا يوما في اجتماع ثنائي حتى بعد خروج «الحكيم» من السجن، ولم يلتقيا الا في إطار اجتماعات 14 آذار الموسّعة.
بناء على ما تقدّم، لن يشذّ سامي الجميل عن هذا التاريخ العائلي المعادي لجعجع، الا ان اللافت للانتباه أن سامي الذي يؤكد كتائبيون اأنه يقف في السياسة الى يمين سمير جعجع، يتقاسم مع الاخير الافكار السياسية ذاتها، وأبرزها، الايمان بالفيدرالية كحلّ «للصيغة المولّدة لأزمات متتالية». وإذا كان جعجع في مجالسه الخاصة يتحدث «أن فيدرالية العراق ستنتقل الى لبنان والمسألة مسألة وقت»، فإن الجميل يرى أن «العمل الحثيث ينبغي أن يوصل الى حكم المسيحيين لمناطقهم، والفيدرالية وحدها تنظم العيش المشترك». هكذا، ينطلق الاخير من افكار عمه بشير في بداياته، التي كان لها صداها أثناء وجود خطر يتهدد وجود المسيحيين فيما لا تجد مبرراتها اليوم. لكنّ الجميل يجد المبرر كما جعجع في سلاح «حزب الله»، وهي الفكرة الثانية التي يتقاسمها الطرفان والقائلة بأن «للحزب الشيعي دولته فلم لا تنشأ دولة مسيحية مستقلة؟».
يقول كتائبي عتيق: «لم ينخرط الجميل يوما في حزب «الكتائب» الذي طالما كان حزبا ميثاقيا، بل هو أدخل حزب «لبناننا» الذي أسسه سابقا الى خضم «الكتائب» حتى بعناصره، وهذا ما سيؤول الى تكرار أفكار يحملها سمير جعجع، لأن الاثنين لا يختلفان في العمق على المشروع أو الرؤية، بل على تزّعم هذا المشروع وعلى الامساك بسلطة المسيحيين. وغني عن القول أن سمير جعجع على الرغم من أخطائه مقبول أكثر في الوجدان المسيحي نظرا الى خبرته ومساره النضالي ما سيذيب الكتائب مع الوقت في «القوات اللبنانية» فيكون سمير جعجع قد حقق مراده من دون مقاومة».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018