ارشيف من :أخبار لبنانية

عون يرفض الوصاية بكلّ أسمائها ويسأل الموالين: أين قراركم الحرّ؟

عون يرفض الوصاية بكلّ أسمائها ويسأل الموالين: أين قراركم الحرّ؟
ابراهيم الأمين، الاخبار

كشفت أزمة تأليف الحكومة المشهد السياسي الداخلي بصورة ليست جديدة، بل تعبّر مرة أخرى عن حجم التزوير والكذب الذي مارسه فريق 14 آذار بكل قواه، وبعض قوى المعارضة على حد سواء. لكن حقيقة الواقع اليوم تشير إلى حقيقة، أن في لبنان من يقول كلاماً لا يراجعه بينه وبين نفسه ولا يحاسبه عليه أحد، وهو ما يعكس لامبالاة القوى السياسية بجمهورها من جهة، ويعكس من جهة ثانية جهل هذا الجمهور الذي يختار سياسيين لا يحترمون عبارة واحدة من كل ما يقولونه في لحظات التعبئة.

أعلن العماد ميشال عون، أوّل من أمس، أنّه لا مجال للتعليق على الملف الحكومي لأنّ ما نشهده من اتصالات يدلّ على أن من يقود عملية التأليف هو خارج لبنان. وإن كان كلام الجنرال واضحاً، فإنّ البعض لم يفهم عليه أو لا يريد أن يفهم عليه. لذلك، لا بأس من بعض الشرح:

أوّلاً: قال العماد عون صراحةً إنه يواجه خصوماً لا يملكون قرارهم بيدهم. لذلك، فإنّهم لا يقدرون على بتّ أي نقطة على جدول الأعمال من تلقاء أنفسهم، بل يصمتون وينتظرون أن يأتيهم الجواب من أوليائهم في الخارج، ولو توافرت القدرة لدى هؤلاء على إدارة شؤونهم دون انتظار الإشارة من الأوصياء، لكان بالإمكان تجاوز الكثير من الصعوبات.

ثانياً: قال عون صراحة ما يتجنّب الآخرون قوله عن جبن وعن رغبة في إخفاء ضعفهم الداخلي، وهو أن إدارة الملف السياسي اللبناني، بما في ذلك ملف تأليف الحكومة، تجري خارج لبنان، وأن عواصم عربية وغربية تقود الاتصالات التي يبدو أن في لبنان من ينتظر نتائجها ليقرر خطوته التالية.

ثالثاً: خاطب عون من دون استفزاز أو شماتة قوى الموالاة وجمهورها، سائلاً أين أصبحت شعارات السيادة والاستقلال والقرار الحر ورفض الوصاية. فها هي السعودية تستكمل إدارة الملف الحكومي بعدما تولّت إدارة الملف الانتخابي. وها هي دمشق التي يقول فريق الموالاة إنه «تحرر» منها، وإنه «حرر» لبنان من تأثيرها، تستقبل الوصيّ السعودي ومعه الوصيّ الأميركي والفرنسي وبقية الشلّة لكي تستمع إلى مطالبهم أو وجهة نظرهم في طريقة إدارة الملف اللبناني، وها هم يعطون سوريا ما ادّعوا أنها خسرته بفعل «نضالاتهم».

رابعاً: يودّ عون، ومن دون استفزاز أحد أيضاً، تذكير اللبنانيين والمسيحيين على وجه الخصوص، بأن الذين رفعوا شعارات كبيرة بوجه تفاهم التيار الوطني الحر مع حزب الله، وقالوا كلاماً كبيراً عن سلاح المقاومة وعن ولاية الفقيه وعن تبعية المعارضة للخارج وخلافه، وأبدوا خشيتهم على الكيان ومستقبله، ها هم يبلعون ألسنتهم وهم يسمعون رئيس الحكومة المكلف يتحدث عن ضمانات مفتوحة هو مستعد لتقديمها إلى حزب الله بشأن سلاح المقاومة، فيما يذهب الوصي السعودي إلى دمشق عارضاً الغطاء لهذه الضمانات. وها هو أبرز المحرّضين على حزب الله وعلى المقاومة وعلى التفاهم، أي وليد جنبلاط، يعلن استعداداً غير محدود للتعاون العملي مع حزب الله في السياسة وفي الحكومة وفي البرلمان وعلى الأرض وفي القرى والبلدات وفي كل الأمكنة. وها هو سعد الحريري نفسه، يعرض تعاوناً في مسائل كثيرة.

هذا في مقلب الموالاة، لكن ماذا في مقلب المعارضة؟

لا يبدو عون متساهلاً حتى مع الحلفاء، وهو عندما يجد أن بمقدوره القيام بخطوة لا تعرّض كل تحالفاته لخطر الانهيار يقدم على ما يراه مناسباً. وتجربة جزين الانتخابية لم تكن شكلية كما اعتقد كثيرون، ولا هي تحمل رسائل بكل الاتجاهات كما بالغ آخرون، لكنها تعبّر عن طريقة تفكير الجنرال في مسائل يراها بالغة الحساسية. ومن هذا المنطلق، فإنّ من غير المؤكّد أن يسير العماد عون في أي اتفاق يجري في الخارج، وذلك ليس بهدف إشعار الجمهور القريب والبعيد بأنه ليس تابعاً لأحد، بل لأنه يعتقد فعلياً بأنّ هناك إمكاناً لإنتاج توافق داخلي يكون له جانبه الخارجي، لكن ذلك يتطلب بحثاً مفصلاً ومباشراً مع الفريق اللبناني المعني بتأليف الحكومة. وبهذا المعنى، كان العماد عون ينتظر لقاءات فعلية، لا بروتوكولية مع الرئيس المكلف، وهو لا يحتاج إلى صورة معه، وهي لا تفيده أصلاً، لكنه يريد أن يقول إن هامش المناورة أمام الجميع سيظل محدوداً إذا كان في لبنان من لا يقدر على تنفيذ أي اتفاق.

لكن عون الذي لديه تجربة مُرّة مع بعض قوى المعارضة، وتحديداً مع الرئيس بري، وخصوصاً في ما يتعلق بإدارة الأعمال الحكومية، لا يعيش الآن مناخاً سلبياً أو حذراً إلى حدود التشكيك بالآخرين، لكنه قال حيث يجب وعلى مسمع ممّن يهمّه الأمر، إن أي محاولة لإنتاج صفقة خارجية جديدة بشأن لبنان، لن تحظى بتوقيعه حتى لو جاءت ملبّية لشروطه الخاصة بالملف الحكومي. وهذا أمر، على الجهتين التوقف عنده: حزب الله وسوريا.

الأمر الأخير الذي يهتم به عون، هو الملف الأساسي المتصل ببرنامج عمل الحكومة المقبلة، وخصوصاً أن عون يملك ما يكفي من معلومات عمّا يحضّر دولياً وعربياً لتكريس التوطين في لبنان، وتحقيق رغبة إسرائيل بإلغاء حق العودة وجعل لبنان يدفع الثمن إلى جانب الفلسطينيين أنفسهم. وهو الملف الذي يبدو أنه محل تداول خارجي على هامش البحث في تأليف الحكومة. إلا أن أطراف الموالاة الرئيسية ليست في وارد مواجهته إلا ببيانات عامة وكلام منسوب إلى مقدمة الدستور. وهو الدستور نفسه الذي لم يحترمه أحد، وخصوصاً فريق الموالاة.

أما الملف الاقتصادي، فللعماد عون وجهة نظر واضحة حياله، وهو أمر محل بحث لن يطول قبل أن يكون بنداً يومياً على جدول أعمال الجميع، شاء من شاء وأبى من أبى!
2009-07-03