ارشيف من :أخبار لبنانية

... عن انخفاض المناعة الإقليمية لتركيا

... عن انخفاض المناعة الإقليمية لتركيا
مرح البقاعي - صحيفة الحياة

بين زيارتي نائب الرئيس الأميركي، جون بايدن، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لأنقرة مؤخراً، ترتفع مجموعة من التساؤلات تتعلّق بالتزامن بين الزيارتين، وعلاقة هذا التزامن بالسباق المحموم بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية لكسب أنقرة، كل لحساب أجندته المضمرة، في ما يخصّ الملفات الإقليمية المعلّقة وعلى رأسها موقف المعسكر الروسي النقيض للموقف الأميركي من قضية الحرب على الإرهاب أولاً، والحرب في سورية وعلى سورية ثانياً.

فزيارة بايدن لم تكن فقط لتصويب تصريحاته، التي أثارت حنق أنقرة، حول دورها في تسهيل عبور المقاتلين الأجانب للالتحاق بتنظيم «داعش»، وأدّت إلى ارتفاع حرارة التوتر بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي، بل هدفَ بايدن المباشر من زيارته تلك هو إقناع القادة الأتراك بلعب دور أكبر في مجموعة التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بما يتجاوز دورها الخجول في السماح لبضع مئات من مقاتلي البيشمركة بالعبور من الأراضي التركية لقتال التنظيم في مدينة كوباني.

أما بوتين فمراميه من الزيارة تكاد تناقض مآلات بايدن على رغم تقارب الزيارتين زمنياً. إذ إن الدولتين، الروسيّة والتركيّة، اللتين تتقاسمان الضفة الأوراسية كما تتقاسمان البحر الأسود، اختلفتا في شكل جذري في الموقف من قضية محورية في سياستهما الخارجية وهي الحرب في سورية ببعديها: الموقف من المعارضة السورية، ومن النظام السوري.

وقد أراد بوتين، الذي يزور أنقرة رئيساً لوفد بلاده للمجلس الاستراتيجي الروسي ـ التركي، أن يصيب مرمىً مباشراً خلال الزيارة بدعوته تركيا للانضمام إلى مجموعة أصدقاء الحل في سورية، التي يعمل الكرملين على تشكيلها بالتعاون مع المبعوث الأممي لسورية ستيفان دي ميستورا، والتي ستضم تركيا وإيران ومصر والسعودية، إضافة إلى الدول الخمس الكبرى، حيث ترى موسكو في هذه المجموعة مشروعاً بديلاً لمجموعة أصدقاء سورية التي تشكّلت في 2012 من 134 دولة لدعم المعارضة.

يستطيع أي قارئ عابر للخبر السياسي أن يلحظ تلك الحالة من التنافس العلني بين العملاقين، الشرقي والغربي، للتأثير على توجّه الدفّة التركية في قضايا إقليمية عابرة للحدود يتقدّمها الوضع السوري المتدهور إنسانياً وأمنياً وسياسياً، حيث تلعب تركيا دوراً ملتبساً في موقفها «المساند» للمعارضة السورية في مقابل «تراخيها» في مكافحة تغوّل داعش، ذاك الوحش الفالت الذي يطاول أول ما يطاول حلفاءها من صفوف المعارضة المعتدلة. فلقاء الساعات الأربع الذي جمع بايدن وأردوغان جاء نتيجة مباحثات مطوّلة بين الجانبين، على المستوى العسكري تحديداً. فالولايات المتحدة التي تريد من أنقرة أن تسمح للتحالف الدولي باستعمال قواعدها العسكرية لانطلاق طائرات التحالف، وعلى رأسها قاعدة أنجرلك الاستراتيجية، وكذا تمكين إقامة معسكرات تدريب على أراضيها للمعارضة المعتدلة، سترضخ في المقابل لإرادة تركيا في إقامة مناطق محميّة في الأراضي السورية الحدودية بحيث يكون لأنقرة اليد الطولى والسيطرة المباشرة عليها بحجة تدريب المعارضة هناك. إلا أن هذه المناطق لن تحاكي طموح تركيا الفاحش في الشمال السوري، فهي ستكون، بحسب التصوّر الأميركي، مقتضبة، لا تقترب من مدينة حلب، ولا تعادل حمايتُها حظراً جوياً شاملاً، إنما ستكون مجرد توفير مناخ آمن يكفي لتدريب المعارضة وتمكينها من المساندة الأرضية في حرب «داعش»، بينما يقوم التحالف بمتابعة تنفيذ المهمة جويّاً.

أما بوتين، فملفّه السياسي إلى أنقرة كان مغلّفاً بعناية بورق السولوفان النفيس لملفّي الأعمال والاقتصاد اللذين كانا سبباً رئيساً في تمكين حزب العدالة والتنمية شعبياً، وكذا في إيصال رجب طيب أردوغان إلى سدة الرئاسة. وقد تنوّع هذا الملف بين الغاز الروسي وإعلان بوتين خلال الزيارة نيّته بناء مجمّع لغاز بروم على الحدود التركية - اليونانية في مقابل تعليق بناء خط أنابيب «ساوث تريم» الذي يمرّ تحت البحر الأسود، مروراً بتمكين التجارة البينية بين البلدين لتصل إلى ما يقارب 100 مليار دولار سنوياً عام 2020، بعد أن بلغت 33 ملياراً في 2014، وصولاً إلى الإعلان عن عام 2016 عاماً للسياحة في كلا البلدين، ما سيحفّز التبادل التجاري والثقافي وانتعاش الحركة السياحية بينهما.

ورق السولوفان الروسي المبهج يخفي مآرب مضمرة لموسكو تكمن في محاولتها اختلاس أنقرة من مجموعة حلف الأطلسي ومشاريعه العسكرية في سورية والعراق إلى موقع «أرحب» في الاقتصاد والمال تحت مظلة مجلس التعاون الروسي التركي الذي تأسس في 2010، حاملاً لبرنامج اقتصادي تجاري طويل الأمد بينهما.

هنا يقف سيد الباب العالي، رجب طيب أردوغان، في الوسط من «دائرة الطباشير القوقازية» مشدوداً من ذراعه الأيمن إلى القوّة الملوّنة الأوراسية، بينما ذراعه الأيسر في قبضة العملاق العسكري الأطلسي الذي يرتبط معه بمواثيق استراتيجية بعيدة المدى.

 
2014-12-26