ارشيف من :أخبار لبنانية

ضمان التفوق "الإسرائيلي" مدخل خاطئ لتنمية الديمقراطية العربية

ضمان التفوق "الإسرائيلي" مدخل خاطئ لتنمية الديمقراطية العربية

"الخليج" - رغيد الصلح
 
يأمل الكثير من الفلسطينيين وتأمل الأوساط العربية والدولية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية أو المؤيدة “للسلام في الشرق الأوسط”، أن تصل فتح وحماس خلال السابع من الشهر الحالي إلى تفاهم شامل يفتح الطريق أمام تشكيل حكومة ائتلافية مؤقتة تنظم الانتخابات التشريعية الجديدة وتفضي إلى حكومة جديدة تتمتع بصدقية فلسطينية وعالمية. هذه المقدمات ضرورية ولا بد منها حتى يتمكن الفلسطينيون من أن يكونوا طرفاً أساسياً في بلورة أي مشروع يتعلق بمستقبل الصراع العربي  “الإسرائيلي”.

في الوقت نفسه يأمل الكثيرون من اللبنانيين وتأمل الأوساط العربية والدولية المعنية بالشأن اللبناني بتشكيل حكومة لبنانية ائتلافية بسرعة. التعجيل في تشكيل هذه الحكومة مهم عند اللبنانيين لأنه سوف يسمح للسلطات اللبنانية المعنية بالاهتمام بالعديد من القضايا المتراكمة والملحة. في مقدمة هذه القضايا الوضع الأمني الذي لا يزال يعاني من حوادث متفرقة وفردية ولكنها مع ذلك تؤثر في الأوضاع العامة وتعرقل الاستقرار.


مقابل هذه التمنيات والآمال تتعثر المساعي التي تبذلها الأطراف المحلية والعربية من أجل الوصول إلى حلول حاسمة على الصعيدين الفلسطيني واللبناني. فالعقبات التي عرقلت مساعي التسوية بين فتح وحماس لا تزال على حالها، ومن ثم فإنه من غير المتوقع ان يصل الطرفان إلى الحل الحاسم المرتجى خلال الايام القليلة القادمة كما يأمل الوسطاء خاصة في القاهرة. كذلك الأمر فإنه من الأرجح ألا ينجح سعد الحريري، على الرغم من المساعي السعودية  السورية المشتركة الداعمة له، على تشكيل حكومة لبنانية جديدة بالسرعة الضرورية، فما هي أسباب هذا التعثر؟


هناك بالطبع عقبات محلية تعرقل الخروج بحلول سريعة وناضجة في آن واحد للمعضلتين الفلسطينية واللبنانية. في كلتا الحالتين توجد أطراف محلية مستفيدة من الصراعات الداخلية ومن ثم فإنها تفضل أن تستمر هذه الصراعات مهما بلغت كلفتها البشرية والمادية والمعنوية. بيد أنه من الأرجح أن الضغوط الخارجية والدولية خاصة، وليس الديناميكيات الداخلية، هي العامل الأرجح في استمرار الصراعات داخل البلدين.


خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش، دأبت الإدارة الأمريكية على التأكيد على أن سياستها الشرق أوسطية تضع دعم التحولات الديمقراطية في المنطقة بين أولوياتها. وفي خطاب الرئيس الأمريكي أوباماً أكد أنه لا يحق لبلده ان يفرض على أي بلد آخر النظام الديمقراطي، ولكنه شدد هو أيضاً على أن بلاده تقف إلى جانب الخيارات الديمقراطية عالمياً وشرق أوسطياً. ولكن التعبير عن هذا الموقف لا يزال حتى الآن يثير ملاحظات وانتقادات كثيرة.


فإزاء المنعطفات الحادة والمصيرية التي يمر بها اللبنانيون والفلسطينيون اليوم، وفيما يوضع مستقبل الديمقراطية على المحك في البلدين، فإنه من الصعب أن يرى المرء تغيراً في سياسة الإدارة الأمريكية يؤكد أن دعم الديمقراطية في المنطقة هو، فعلاً، أولوية من أولويات واشنطن. فلا يزال ضمان أمن “إسرائيل” واستقرارها وتفوقها العسكري والاقتصادي، هو الحافز الرئيسي للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. من هذا المنطلق يأتي اهتمامها بتسوية الصراع العربي  “الإسرائيلي”. ومن هذا المنطلق أيضاً يأتي اهتمامها بالتطورات السياسية في لبنان وفلسطين.


فحتى هذا التاريخ تتمسك الإدارة الأمريكية بموقفها السلبي تجاه منظمة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان. هذا الموقف السلبي لم يرتكز، كما يلاحظ متابعو الموقف الأمريكي، إلى حكم على موقف المنظمتين تجاه الديمقراطية. لم تقل الإدارة الأمريكية إنها لن تتعامل مع حماس وحزب الله لأنها تعتقد أنهما يشكلان خطراً على الديمقراطية في البلدين. لم تقل واشنطن إنها على استعداد لتغيير موقفها تجاه حماس وحزب الله إذا توفرت أدلة مقنعة على اعتناقهما للفكر الديمقراطي وإذا انخرطاً فعلاً في المسارات الديمقراطية. خلافاً لذلك أكدت واشنطن في مناسبات عديدة على أنها لن تتعامل مع الفريقين إلا إذا غيرا موقفهما تجاه “إسرائيل” وإلا إذا ترجم هذا الموقف إلى إجراءات عملية. من هنا كانت الدعوة إلى حماس للكف عن استخدام العنف وإلى الاعتراف ب”إسرائيل” كشرط أساسي وكمقدمة للتعامل معها. من هنا كانت الدعوة الملحة إلى حزب الله بالتخلي عن سلاحه والانخراط بالعملية السياسية داخل لبنان. كان الغرض من هذه الدعوة التي كررها جيفري فيلتمان مساعد وزيرة خارجية الولايات المتحدة، إنهاء المقاومة ضد “إسرائيل” وليس تحفيز حزب الله على التحول من حزب ثيوقراطي إلى حزب ديمقراطي.


ما يؤكد هذا الانطباع الشائع في المنطقة هو أن الإدارة الأمريكية لا تجد أية مشكلة في التعامل مع الحكومة “الإسرائيلية” الحالية التي تؤيد تحويل “إسرائيل” إلى دولة يهودية وتضم أحزاباً تعارض التسوية السياسية. وما يؤكد هذا الانطباع أيضاً أن واشنطن لا تزال تترصد حماس وحزب الله حتى إذا صدر عنهما أي موقف أو تصريح أو سلوك يستشف منه موقف متشدد تجاه عملية التسوية، اعتبرته مسوغاً ومبرراً لاستمرار السياسة السلبية تجاههما. بالمقابل فإن الإدارة الأمريكية تعتبر أي تنازل شكلي مهما صغر حجمه ومهما كان طابعه المناوراتي والتكتيكي مبرراً كافيا لاستمرار الموقف الإيجابي و”المتفهم” للسياسة “الإسرائيلية” تجاه قيام الدولة الفلسطينية أو التسوية السياسية.


كثيرون يقيمون هذه المواقف من زاوية أثرها في مستقبل الصراع العربي  “الإسرائيلي”. بالفعل فإن هذه المواقف تضر بالقضية الفلسطينية وتنال من حقوق اللبنانيين ومن حقهم في الدفاع عن بلادهم وعن أرضهم. ولكن، في الوقت نفسه الذي ينبه في العرب إلى مضار هذا الموقف على مستقبل السلام في المنطقة وعلى العلاقات الأمريكية  العربية، فإنه من الضروري تقييم هذه المواقف من زاوية أثرها في مستقبل الديمقراطية في المنطقة. ذلك أنه حري بمن يريد أن يدعم الديمقراطية في المنطقة أن يدرك أنه لن يصل إلى هذه الغاية إذا بدأ مسعاه عبر بوابة ضمان تفوق “إسرائيل” المطلق على العرب.


2009-07-03