ارشيف من :أخبار لبنانية
يضحكون علينا
"الخليج"- محمد الصياد
“آل إيه.. أوباما حيجيب الديب (“الإسرائيلي” طبعاً) من ديله ويحل مشكلة الشرق الأوسط”!
نعم هذه هي الرسالة التي حاول الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما وطاقمه الإداري تسويقها علينا، تارة من اسطنبول وتارة من القاهرة، مفردات منتقاة بعناية يحاول بها ساكن البيت الأبيض الجديد التأثير في المزاج العربي العام المعادي لواشنطن الذي تسببت فيه إدارة بوش السابقة، وتعويم مصل تخدير جديد هو عبارة عن مجموعة تطمينات ووعود ملائمة لحواس الاستقبال الشرقية (العربية تخصيصاً).
لقد قيل إن ما بين 38 الى 40 شخصاً شاركوا في إعداد وصياغة خطاب أوباما الذي ألقاه في جامعة القاهرة ووجهه الى العالمين العربي والإسلامي، واختيار الجمل البلاغية المناسبة من أجل إحداث الإبهار والاستحسان لدى معشر المستمعين.
وقد أثبت أوباما لأربابه الذين جاءوا به لتغيير صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، أنه رجل العلاقات العامة الملائم لأداء هذه المهمة، فضلاً عن النهوض بمهمة استعادة مصداقية النظام السياسي التي اهتزت في الداخل الأمريكي بسبب رعونة ودسائسية الإدارة البوشية السابقة. فلقد نجح الرجل بامتياز، حتى الآن على الأقل، في استعادة جزء من تلك المصداقية المفقودة.
في ما يتعلق بمنطقتنا العربية، وهو ما يهمنا بالدرجة الأساس، فقد وجدت عبارات أوباما المعسولة والمنمقة، بتطميناتها التخديرية، صدى لدى بعض النخب العربية التي يبدو أن مفعول رسائل أوباما المعنونة بعناية، قد أثّر فيها، فراحت تحلل وتُؤَوّل مقاصد ومرامي هذه الرسائل وتبشر بمآلات وحبور أيامها المقبلات.
ولكأن هؤلاء لم يسمعوا قط أو لا علم لهم مطلقاً بسيل مخزون الوعود والتطمينات الأمريكية المتناسخة من بعضها البعض على امتداد الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض، أو لكأن تعيين جورج ميتشيل فور تسلم أوباما للسلطة مبعوثاً أمريكياً خاصاً للشرق الأوسط، حدث فريد ومستجد في أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، وليس مجرد رقم جديد يضاف الى قائمة المبعوثين المتعاقبين على إدارة هذا الملف. بل إن جورج ميتشيل نفسه كان قد جُرب من قبل إبان إدارة بوش السابقة، وفشل في مهمته كما فشل من سبقوه في هذا المنصب.
ثم إن هذا الذي سوف “يأتي بالديب من ديله” (نتنياهو مجازاً)، هو نفسه الذي ثمّن الخطاب العنصري الذي ألقاه نتنياهو في جامعة بار ايلان واعتبره خطوة إيجابية الى الأمام، فقط لأن نتنياهو تفوه لأول مرة بالدولة الفلسطينية الموعودة وهماً، ولكن ليس قبل أن يضع أمام قيامها لاءاته الأربع التعجيزية: لا لعودة اللاجئين، ولا لترسيم الحدود والسيادة الفلسطينية عليها، ولا لحق هذه الدولة (الموعودة وهماً) في تسلحها الدفاعي المحض، والتي غيبت الأفق الذي صنعته جهود رعاة التسوية (المخلة إخلالاً فادحاً بالحقوق الفلسطينية) وأربابها، ولا للقدس عاصمة للدولة الفلسطينية.
هل تعتقدون أن في وسع الرئيس باراك أوباما، رغم احترامنا لنواياه الصادقة ربما، عصيان أمر أولياء نعمته الذين جاءوا به الى سدة الحكم في البيت الأبيض؟
استناداً الى تراتبية وتعقيدات صناعة القرار و”صناعة” اتخاذ القرار في النظام السياسي الأمريكي المُهندَس على مقاس كواسر رأس المال ولوبياته، فإن الرجل ليس أكثر من “رئيس تنفيذي” لا يستطيع أن يبت في القضايا الجوهرية من دون الرجوع “لمجلس الإدارة” الذي لا يُشاهَد كثيراً في الصورة.
يشاء هذا المجلس إطلاق جرعة تخديرية جديدة في صورة “مبادرة سلام” جديدة لإلهاء العرب بها لفترة من الوقت، فيعهد الى “الرئيس التنفيذي” أمر طرح وتسويق هذه المبادرة. أو يشاء المجلس تعليقها أو سحبها اتساقاً مع مستجدات معطيات الواقع الشرق أوسطي، فيعم الفراغ السياسي لفترة محددة إثر تغييب مادته، فيُستعاض عن ذلك بتكثيف الحركة الدبلوماسية.
هم يضحكون علينا، ونحن للأسف الشديد نسايرهم في لعبتهم، برسم صمود مبادرتنا السلامية التي كنا تقدمنا بها في قمة بيروت منذ حوالي عشر سنوات، رغم العواصف والأحداث الكبرى التي شهدتها “مناطق” الصراع العربي “الإسرائيلي”. لم نسحبها، أو نعلقها، تكتيكياً على الأقل. والأهم أننا لم نرفدها بعناصر القوة التي يستحيل تحقيق “الاختراقات السياسية” (أي تحقيق الأهداف والغايات والمكاسب والمصالح) في العلاقات الدولية بدونها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018