ارشيف من :أخبار لبنانية

السياسي النبيل

السياسي النبيل
غاصب المختار-"السفير"
 
بعد ان اغمض الرئيس عمر كرامي عينيه مودعا الحياة في الثالثة من فجر الاول من كانون الثاني 2015، انتقلت عائلته الى دارة الراحل في الرملة البيضاء، وما أن أطل الصباح وتواتر خبر رحيل السياسي النبيل، حتى تقاطر حشد كبير من الاصدقاء الى منزله لتقديم واجب التعزية الى زوجته «ام خالد» وابنائه خالد وفيصل ويُمن وزينة وسائر افراد العائلة.

جمع كرامي صفة النُبل في سلوكياته مع عائلته كما مع الناس وأهل السياسة، برغم أن ظروف خوضه غمار العمل السياسي ظلمته وعاكسته، لكنه لم يخرج من جلدته ولم يغير ثوبه، وكان يردد دوما: «لن اخرج عن الثوابت»، وهي العبارة التي اكد عليها نجله ووريثه السياسي فيصل كرامي في بيان نعي والده، قائلا «عهدا أن أحفظ الوصية والأمانة، وأنهج نهجك في القول والفعل حتى الرمق الأخير».

عمر كرامي كما عرفه كثيرون، وطني وعروبي وطرابلسي اصيل، صاحب موقف جريء، كفه نظيف، خفيف الظل، رجل حوار، يتقن مخاطبة الناس، مؤمن بغير تزمت، صديق وفي، محب لأهله وعائلته واصدقائه ولطرابلس بشكل كبير. حفظ ارث الراحل الكبير الشهيد رشيد كرامي، وغلّب المصلحة الوطنية على الخسارة الشخصية والعائلية. تشهد له المنابر في الساحات والبرلمان خطيبا وحريصا على المال العام والمصلحة الوطنية. قاوم طواغيت المال ومحاولات شطبه من المعادلة السياسية وبقيت مكانته محفوظة وبقي دوحة كرامية وطنية.

استهاب الحكم في ظروف البلد المعقدة والصعبة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكنه كان يؤكد للمقربين انه ليس من الصنف الذي يتهرب من تحمل المسؤولية، اذا كان فيها مصلحة وخدمة للبلد. كان يقول ان الحكم تكليف كبير ومسؤولية وطنية خطيرة، ومن يقرر تحملها يكون قد قرر ان يتحمل مخاطر واستهدافات وتحديات لا يقدم عليها الا الرجال الرجال.

كان صالونه السياسي جامعا وغنيا. لم يقطع مع احد إلاّ مع قتلة الرشيد مع انه سامح ولكنه لم ينسَ. مدافع شرس عن المقاومة اللبنانية وعن قضية فلسطين وعن فكرة العروبة. كان خصما شرسا للنظام السياسي الطائفي، ونادى بالنسبية في القانون الانتخابي مدخلا لتجديد الحياة السياسية. كان يروّج للدولة المدنية. كان يرفض الخصخصة بالمطلق، ويفضل عليها نظام الـ «bot» بحيث يبقى القطاع العام ملكا للدولة لا للشركات والاشخاص.

كان «الأفندي» انيقا في مظهره وفي تخاطبه مع الناس، يختار عباراته ويعبر عن ثوابته بدقة ولباقة وظرف وسرعة بديهة.. واحيانا بقسوة محببة. خاصم بشرف وهادن بترفع، ظلمه بعض حلفائه فترة طويلة لكنه لم يخرج من ثوابته والتزاماته الوطنية والقومية، لأنه لم يكن يقول بها للحصول على منصب او موقع، بل هي قناعات حافظ عليها وتمسك بها واورثها لأولاده. رحمه الله كان يردد في مجالسه الخاصة دوما: «المنصب ذاهب ويبقى الرجال، والحكم شجاعة وقرار».
2015-01-03