ارشيف من :أخبار لبنانية

تأبين كرامي يعيد الاعتبار إلى طرابلس

تأبين كرامي يعيد الاعتبار إلى طرابلس
غسان ريفي ـ السفير
أعاد عمر كرامي الاعتبار الى طرابلس.. «الأفندي» الذي أمضى حياته مدافعا عن مدينته لكي يبقى رأسها مرفوعا، ولكي تبقى متقدمة في المعادلة اللبنانية، كسر في مماته الطوق الذي كان مفروضا عليها وأعاد إليها شيئا من حيويتها السياسية، فجمع في عزائه على مدى يومين لبنان كله في الفيحاء.
أعاد عمر كرامي الاعتبار الى طرابلس.. العزاء الوطني الجامع أظهر أن العاصمة الثانية ليست مغلقة في وجه أي كان، وقد لمس القاصي والداني من المعزين أن كل الاتهامات التي سيقت بحق المدينة كانت باطلة، وأن مدينة «الكرامة» باقية على ثوابتها الوطنية وتنوعها وانفتاحها، بعدما انتصرت على محاولات الاستثمار السياسي وتصفية الحسابات واستغلال فقر أهلها في مشاريع أمنية مشبوهة.
فقد شكل العزاء الجامع على مدى يومين في معرض رشيد كرامي الدولي ـ الذي ضاق برغم رحابته ـ بحشود المعزين، مساحة تلاقٍ متجدد وربما متأخر بين الطرابلسيين و «الأفندي» الذي ظلم سياسيا الى حدود «الاستشهاد»، وغاب من دون أن يفرط في ذرة من كرامة أو كبرياء أو عنفوان.
لم يسمح الحشد الاستثنائي للعائلة الكرامية، ومن يتقبل التعازي معها، بلحظة راحة. كان الأمر أشبه بوقفة ضمير طرابلسية تجاه من كان ضمير المدينة، وعن مقارنة ضمنية بين من ناضل من أجل الحفاظ على الهوية والقرار الطرابلسيين، وبين من جعلها ملحقة بقرار سياسي يتخذ من خارجها فيتذكرها فقط عندما تدعو الحاجة و «الصناديق».
شكل العزاء الحاشد والجامع وقفة وفاء للرجل الذي لم يخفف تعففه السياسي من وهج زعامته حتى في أصعب الظروف، وهو الذي كان كل شيء عنده بمقدار، فلم يغرق في تحالفاته، كما لم يُعَادِ في خصوماته، باستثناء طرابلس التي كانت الخط الأحمر الأبدي ومحور اهتماماته، وكانت وصيته الدائمة، «خصيمكم الله لا تفرطوا بطرابلس».
بعد التشييع الاستثنائي ظهر الجمعة الفائت، ثمة مؤشرات عدة حملها العزاء الحاشد والجامع أبرزها:
أولا: الإجماع اللبناني على ضرورة أن تبقى مسيرة آل كرامي مستمرة وأن يبقى هذا البيت الاستقلالي العريق مفتوحا وفاعلا في الحياة السياسية.
ثانيا: الاتصال الذي تلقاه الوزير السابق فيصل كرامي من الرئيس السوري بشار الأسد وبرقيات التعزية التي تلقاها من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز بواسطة السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري، ومن ملك الأردن عبدالله الثاني عبر السفير الأردني في لبنان نبيل مصاروة، ومن أمير قطر عن طريق السفير في بيروت ومن وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف باسم القيادة الايرانية، فضلا عن برقيات التعزية من عواصم عربية أخرى، وجاء ذلك ليؤكد الامتداد العروبي والاسلامي للعائلة الكرامية، والحرص العربي والاقليمي على احتضان فيصل كرامي في إكمال مسيرة والده السياسية.
ثالثا: حرص الرئيس نجيب ميقاتي على تقبل التعازي الى جانب عائلة الرئيس كرامي على مدى يومَين كاملَين، وإقامة مأدبة غداء عن روحه بحضور المهندس معن كرامي وخالد وفيصل وطلال ووليد كرامي وسائر أفراد العائلة وشخصيات طرابلسية ولبنانية.
رابعا: إعادة إحياء الصورة السياسية الشمالية الجامعة التي تضم ميقاتي وكرامي ورئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية الذي زار طرابلس، أمس، للمرة الأولى منذ سنوات وفاء لصديقه عمر كرامي الذي كان يردد في مجالسه: «إن تحالفي مع سليمان بك أبدي وسرمدي».
خامسا: قيام «تيار المستقبل» بخطوة متقدمة سواء عبر حرص الأمين العام أحمد الحريري على تقديم التعازي على رأس وفد كبير من «التيار»، أو عبر حفل الغداء الذي أقامه أمس الرئيس سعد الحريري ممثلا بمدير مكتبه نادر الحريري عن روح الرئيس كرامي في مطعم الشاطئ الفضي في الميناء، والذي شكل محاولة واضحة من «المستقبل» لكي يكون شريكا أساسيا في الحزن الطرابلسي على «الأفندي».
سادسا: عدم تلبية الرئيس ميقاتي دعوة «المستقبل» الى حفل الغداء أمس، ومعاودته الوقوف الى جانب عائلة كرامي في العزاء طيلة فترة بعد الظهر. وأشار مقربون من ميقاتي الى أنه تابع الوضع الصحي للوزير الاسبق عدنان القصار الذي أصيب بوعكة صحية خلال تقديمه واجب العزاء ونقل الى مستشفى النيني حيث تلقى العلاج ومن ثم غادره.
سابعا: إصرار «القوات اللبنانية» على عزل نفسها عن طرابلس وحزنها، وعدم الاستفادة من الحدث الجلل لكسر القطيعة التاريخية القائمة معها سواء مباشرة أو بالواسطة، ما يؤكد أن مرحلة فيصل كرامي لجهة العلاقة مع «القوات» لن تختلف عن مرحلة والده.
وتحول معرض رشيد كرامي الدولي الى محجة لأبناء طرابلس والشمال والوفود من كل المناطق اللبنانية، فيما استمرت مآذن المساجد في بث الآيات القرآنية، ورفعت من أرجاء المدينة المزيد من الأعلام السوداء والصور واللافتات التي تنعى وتتحدث عن مآثر ومزايا «أغلى الرجال»، فيما تقاطر المواطنون الى ضريح الرئيسين رشيد وعمر كرامي في باب الرمل لتلاوة سورة الفاتحة.
وكان تقدم المعزين رئيس الحكومة تمام سلام، والرؤساء أمين الجميل، نجيب ميقاتي، وفؤاد السنيورة، نادر الحريري ممثلا الرئيس سعد الحريري، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، قائد الجيش العماد جان قهوجي، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وحشد كبير من الشخصيات، ووفود شعبية من مختلف والمناطق اللبنانية.
وتتقبل عائلة كرامي التعازي يوم غد الثلاثاء في مجمع البيال في بيروت من العاشرة صباحا لغاية الواحدة ظهرا ومن الثالثة بعد الظهر لغاية السادسة مساء، وتعاود تقبل التعازي يوم الخميس المقبل في طرابلس.
2015-01-05