ارشيف من :أخبار لبنانية

مرحلة انتقالية نحو إلغاء الطائفية السياسية في المستقبل.. تحقيق التوازن في التشكيلة الحكومية

مرحلة انتقالية نحو إلغاء الطائفية السياسية في المستقبل.. تحقيق التوازن في التشكيلة الحكومية


بقلم: أحمد موسى دروبي

* تمثل الحكومة في لبنان ائتلافاً أو تجمعاً أو لقاءً نيابياً متنوعاً، ذا طابع طائفي ـ إقطاعي ـ مالي وعائلي، وغير موحد من حيث الأفكار السياسية. وهي بالتالي تفتقر في تكوينها وعملها إلى الوحدة والتضامن والتجانس بين الوزراء. علماً بأن هذه الخصائص هي التي تتميز بها معظم الحكومات في الأنظمة البرلمانية.
وبالرغم من أن الدستور أناط السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء مجتمعاً، إلا انه يتبين من خلال الممارسة، أن هذه السلطة يتولاها رئيس الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، وفي حال عدم الاتفاق، فإنه يتولاها وحده بمعاونة الوزراء.

كما أن الطوائف الثلاث الكبرى، تتمثل في تشكيل الحكومة بعدد من الوزراء متساوٍ في ما بينها، وهذا ما يعرف بقاعدة (المثالثة ضمن المناصفة)، وأن ما يسمى بـ"الوزارات السيادية" محصورة في عدد من الطوائف الكبرى فقط.

إن مسألة الثلثين الواجب توافرها لاتخاذ بعض القرارات الأساسية والمهمة ليست غريبة، حتى عن الدستور اللبناني الصادر عام 1926، فانتخاب رئيس الجمهورية أو الموافقة على تعديل الدستور، يتطلب غالبية الثلثين من أعضاء مجلس النواب، وذلك طبقاً للمواد 49 ـ 77 و79، وقصد المشرع باشتراط غالبية الثلثين تأمين التوافق وتحقيق المشاركة في بعض القرارات المهمة.

وفي عام 1990، عاد المشرع الدستوري وكرس هذه المسألة، في النصاب المطلوب لانعقاد مجلس الوزراء، وفي القرارات المتعلقة بالمواضيع الأساسية وهي بحسب المادة 65، أربعة عشر موضوعاً تتعلق حصرياً بتعديل الدستور ـ إعلان حال الطوارئ ـ الموازنة العامة وتعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها إلخ..، والقرار هنا يستوجب موافقة الموالاة والمعارضة معاً، وفي حال عدم التوافق، فإنه يتعذر اتخاذ أي قرار بشأنها.

وقد قصد المشرع الدستوري في لبنان، من خلال نقل السلطة الإجرائية، من يد رئيس الجمهورية، إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، تأمين مشاركة مختلف التيارات النيابية والسياسية والطائفية الرئيسية، في القرار السياسي. لكن المشكلة الجديدة التي قد تظهر عند تشكيل الحكومة اللبنانية بعد الانتخابات قد تتجاوز موضوع الثلث الضامن أو المعطل إلى اشتراط بعض القوى السياسية أن يتم تمثيلها في الحكومة وفق عدد المقاعد التي حصلت عليها في البرلمان، وهى أزمة قد تستمر عدة أشهر قبل التوصل إلى حل لها.


*بعد جلاء غبار المعركة الانتخابية في لبنان عاد الوضع السياسي اللبناني الى المربع الاولى حيث يواجه لبنان عددا من المعضلات التي يتطلب حلها توافقا داخليا واقليميا، وهو غير متوافر حاليا.

لقد مرت الانتخابات بسلام من دون مشاكل امنية تذكر حيث كان من اللافت ان قناة المنار بثت بشكل مباشر كلمة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري عقب ظهور النتائج الاولية والتي اظهرت فوز قوى 14 آذار.

كما ان لهجة الحريري كانت تصالحية اذ اعلن انه يمد يده للطرف الاخر من اجل مصلحة لبنان، وقال انه لا يوجد رابحون وخاسرون في هذه الانتخابات، وان لبنان والديمقراطية هما الرابحان. وبرغم هذا الجو التصالحي تبقى العديد من القضايا المعلقة التي لا يملك اللبنانيون وحدهم مفاتيح حلها. فقد عقّب احد المراقبين اللبنانيين ان الانتخابات اعادت لبنان الى المربع الأول.

فاولى المهمات التي تنتظر لبنان تأليف حكومة لبنانية قادرة على العمل, اذ ان مسألة تشكيل الحكومة امر في غاية التعقيد والحساسية بسبب ضرورة الحفاظ على التوازن الطائفي والسياسي عند تشكيلها، وهذا الامر يبدو اكثر صعوبة في ظل الوضع السياسي المشحون.

وعلى رأس الاسئلة الملحة الان هل يتم منح المعارضة الثلث الضامن عند تشكيل الحكومة، وهو ما نجحت المعارضة في تحقيقه في اتفاق الدوحة العام الماضي. وترفض قوى الرابع عشر من آذار برغم قبولها بتشكيل حكومة وحدة وطنية منح المعارضة الثلث الضامن لأن ذلك يصيب العمل الحكومي بالشلل حسب قولها.

*في البداية يجب الأخذ في الاعتبار عدة حقائق محورية فيما يتعلق بالانتخابات الأخيرة في لبنان، من أهمها:

1- أن حزب الله لم يخسر أيًّا من المقاعد التي يشغلها في الانتخابات الراهنة، كما أن نتائج الانتخابات اللبنانية لم تُغير من المعادلة الراهنة لتقاسم السلطة بين تياري 14 آذار و8 آذار، فالأغلبية التي حققتها قوى 14 آذار بقيادة سعد الحريري لا تكفل لها الانفراد بالسلطة دون مشاركة أحزاب الأقلية الممثلة للطوائف الأساسية في لبنان مثل حزب الله الذي يمثل الشيعة اللبنانيين، ومن الطبيعي أن يلجأ الرئيس اللبناني ميشيل سليمان بدعوة الفرقاء اللبنانيين الممثلين للطوائف المختلفة للتشاور حول تشكيل حكومة توافقية. ولذا فحزب الله وحلفاؤه لن يتم تهميشهم وسوف يضطلعون بدور محوري في تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة.

2- لا يمكن لقوى 14 آذار الانفراد بالسلطة دون مشاركة المعارضة؛ لأن ذلك يعرض الاستقرار السياسي في لبنان للتهديد. ولذا فمن غير المتوقع أن يشهد الوضع السياسي اللبناني تغيرًا جذريًّا بالنظر لتعقيدات التعددية الطائفية في لبنان ومقتضيات التشارك في السلطة.

3- تتذرع المعارضة بنص الفقرة "ي" من مقدمة الدستور التي ورد فيها (لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك) وبالتالي تعتبر استبعاد طائفة أساسية من التشكيلة الحكومية بمثابة إخلالٍ للتركيبة الطائفية السياسية لافتقار الحكومة لعنصر رئيسي من مكونات النظام الطائفي في لبنان. ويسند المعارضة رأيها بنص المادة 95 من الدستور التي قضت في الفقرة "أ" ولمرحلة انتقالية، بان (تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة) وترى بالتالي ان عدم وجود وزراء شيعة في الحكومة الراهنة يشكل مخالفة لنص المادة المذكورة.

ومن اللافت ان بعض اطراف النزاع في لبنان يتجاهلون مقدمة المادة 95 المذكورة  والتي ادخلت بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/09/1990، فقرة مضافة على نص المادة القديم، تضمنت (على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وتقديمها الى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية). واعتبرت المادة 95 المذكورة تمثيل الطوائف، مرحلة انتقالية.

هذه الفقرة على اهميتها، وما هو معول على تنفيذها، مع ما تضمنه اتفاق الطائف من بنود اصلاحية، لإخراج الواقع اللبناني من مأزقه الطائفي، جرى التنكر لها، بقيت حبراً على ورق الدستور اللبناني، ولم تتخذ اي خطوة عملية باتجاه وضعها موضع التنفيذ، باستثناء حالة خجولة يتيمة، تمثلت باقدام رئيس الجمهورية السابق الياس الهراوي على تقديم كتاب لمجلس النواب بهذا الخصوص، وكانت دوافع التلويح بها، الخلاف بين الرؤساء الثلاثة على تقاسم الحصص والمناصب. وقد لف غبار ارشيف المجلس هذا الكتاب. ومن البنود الاصلاحية الواردة في الدستور المعدل، تطبيق اللامركزية الادارية، وسياسة الانماء المتوازن (فقرة "ز" من مقدمة الدستور)، واستحداث مجلس شيوخ، عملاً بنص المادة 22 دستور معدل، الى جانب المجلس النيابي بصيغته اللاطائفية، تتمثل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.

* فمن غير الطبيعي ان الأكثرية النيابية لا تستطيع ان تحكم في نظام ديموقراطي، لكنه من غير الواقعي ان تحكم في لبنان أكثرية نيابية لا تمثل جميع مكونات البلاد الطائفية والسياسية.. ففي النظام البرلماني الديموقراطي هناك فريق يحكم ويتحمل مسؤوليات الحكم ويحاسب ويتم بعد ذلك تداول السلطة اذا حصل تحول في التوجه الشعبي إزاء الحكومة. هذه الأوليات غير قائمة في نظامنا الذي بات يشبه حكم الجماعة <الاولغارشيا> الذي ينافي قواعد الديموقراطية. من هنا نقول ان الازمة هي أزمة نظام وليست مجرد أزمة حكم. قد يسارع البعض للقول: صحيح ولكن هذه مشكلات الطائف الذي أقام نوعا من التوازن غير المنطقي بين المؤسسات كأنه أراد لها ان تحتكم الى مرجع من خارجها.. لكننا لا نستطيع ان نجزم في ذلك قبل استكمال تطبيق الطائف بما هو مشروع متكامل للدولة. والطائف لم يطبق حتى الآن. وعلى فرض ان الاصلاحات الدستورية والسياسية في الطائف لا تحل مشكلات السلطة في لبنان فليس ما يمنع بالتفكير بتعديلها وتطويرها وعلى الأقل سد بعض الثغرات الواضحة التي اظهرتها التجربة في السنوات الماضية.

في النظام الديموقراطي يجب ان تقوم علاقات توازن بين السلطات كي تحد السلطة من السلطة وتمنع طغيانها، ويسمى ذلك في الفقه الدستوري علاقات "تحكمية". لكن يجب ان تكون هذه التوازنات مرنة لا جامدة كما هي عليه في نظام الطائف، خاصة لجهة عجز الحكومة عن حل المجلس النيابي. فالمجلس النيابي هو الأساس في كل اللعبة الديموقراطية البرلمانية، والانتخابات هي الأساس في تحديد اتجاهات الرأي العام وفي تكوين الأكثريات والأقليات السياسية. وإذا كان الطائف قد أوجد هذه العقدة لاعتبارات طائفية فإنه يجب حلها ولو بموازاة تعديلات دستورية اخرى تبقي على التوازن العام في البلاد، علماً بأن الطائف لم يؤبد التوازنات الطائفية ولا توزيع السلطات والرئاسات، والصلاحيات المعطاة للبرلمان لا يمكن ان تحسب طائفيا لأن المجلس يمثل مختلف مكونات الشعب اللبناني، وحل المجلس من المفروض ان لا يؤثر على صلاحيات رئيسه.

إذاً، هناك ثغرات في دستور الطائف يجب سدها، لكن ورشة كهذه لا يمكن ان تستقيم إلا في اطار مشروع متكامل لتطبيق الطائف. فضلا عن ان هذه الاصلاحات لا تفي بالغرض وحدها لأن ازمة النظام تتعدى ذلك الى حال التجاذب الطائفي القائم فيه والذي استفحل بعد الانتخابات النيابية الاخيرة بسبب قانون الانتخابات، وكذلك بسبب المناخ السياسي الوطني العام. ومن العبث التفكير في تحسين أداء النظام الطائفي وتعديل توازناته لأن ذلك يؤدي الى أزمات دائمة.

ونحن نرى اليوم بوضوح مفاعيل الأزمة ونكاد نجزم باستحالة ايجاد الحلول الجذرية لها. فحين تصبح القضايا المطروحة على اللبنانيين على هذا النحو من الطابع الطائفي فهي لا تعالج إلا بالتراضي، والتراضي لا يؤسس لمنطق الدولة. من هنا نجد هذا المأزق الوطني نتيجة الاصرار على شعارات سياسية هي في المحصلة النهائية تريد فرض توازن سياسي طائفي جديد في البلاد، في ملف رئاسة الجمهورية، في ملف سلاح المقاومة، في ملف العلاقات اللبنانية السورية... الخ. وليس آخر البدع التي ينتجها هذا النظام ان تكون المعارضة ذات لون طائفي، وكذلك الهموم المعيشية والاجتماعية والقضايا الاقتصادية ومسائل الاصلاح. ولأن هذا هو التوصيف الواقعي للامور نقول بوجود أزمة نظام وليس مجرد أزمة حكم، وان هذه الازمة لا تعالج عن طريق اجراء تفصيلي هنا او هناك.

على هذا المستوى من التفكير لا نظن أن واحدة من القوى السياسية المتصارعة تملك برنامجا وطنيا، لأن حقل الصراع الآن يدعو الى التفاوض على توازنات سياسية معينة. هكذا كان رأينا ان الحوار الوطني يجب ان يصحح مساره فينتقل من موقع التفاوض السياسي الى موقع الحوار في مشكلات بناء الدولة انطلاقا من الطائف، ليس بوصفه نصا مقدسا او مثاليا ولا حتى من الآليات الدستورية التي كرّسها، بل من الثوابت والمسلّمات الوطنية. ان التحولات السياسية الجذرية التي حصلت في لبنان وتحصل في محيطه تستحق من القوى السياسية اللبنانية مراجعة شاملة تعيد توطيد الخيارات اللبنانية الأساسية. فلو ان الحوار اللبناني قد بدأ حول السياسات العامة لما أحدث هذه التشنجات الطائفية والمذهبية. ولما نشر هذا القلق الكبير حول أهداف الفرقاء بعضهم من بعض. على اي حال لقد جرب أطراف الصراع كل وسائل التجييش وتكتيل القوى واكتشفوا صعوبة التمويل السياسي بهذا الاتجاه أم ذاك انطلاقا من حركة الشارع او من موقع المؤسسات الدستورية الحالية ورضخوا بالتالي لمنطق الحوار. وتراجعت حدة الخطاب السياسي وبدأت تتبلور حدود التسويات. لكن الوقت يلعب ضد مصلحة لبنان، وهناك حاجة ملحة لانجاز الحوار وتوسيعه وتعميقه حتى لا تأتي المتغيرات الاقليمية وتشجع على الخوض مجددا على سياسات الغلبة. فربما لا يدرك بعض الأطراف صلابة التوازنات الداخلية وصعوبة تجاوزها. وطالما نتحدث عن توازنات طائفية فنحن أمام خارطة جديدة يمكن ان تتشكل فيها التحالفات، تمنع احتمال الغلبة او الرجحان. واذا كان هذا من سلبيات الاستقطاب السياسي الحالي في لبنان، فان من ايجابياته أنه أظهر استحالة سيطرة فريق طائفي على اللعبة، وهو بالتالي يحول دون انتصار فريق على آخر. وإذ يعزز ذلك منطق التسوية في الفكر السياسي اللبناني، يجب ان يعزز منطق الدولة. ففي نهاية المطاف لا يمكن ان يظل اللبنانيون أسرى توازنات قلقة غالبا ما تأتي الظروف الاقليمية لتحركها. بهذا المعنى لبنان اليوم يعيش أزمة نظامه السياسي الطائفي ولكنه يملك فرصة حقيقية للبحث عن حل جذري لهذه الازمة في الداخل والخارج. والتوافق اللبناني ممكن دائما اذا كان رائده التخلي عن مشاريع الغلبة والهيمنة السياسية. فإذا اطمأنت المجموعات اللبنانية الى دورها تصبح مضطرة وليس فقط متساهلة الى تقديم التنازلات لمشروع الدولة. ولا قيامة للدولة بدون هذه التنازلات من كل الطوائف لما هو مشترك وعام ووطني ويحظى بتأييد واسع من اللبنانيين.
هكذا ترتسم آفاق الحل اللبناني بتحويل قضية الدفاع عن الجنوب من قضية شيعية الى قضية وطنية، وتحويل مسألة العلاقة بسوريا من معركة فريق سياسي لبناني الى موضوع وطني شامل، ومسائل التغيير السياسي والاصلاح في مؤسسات الدولة حاجة وطنية عامة وليست مطلبا فئويا. هذه ليست مثاليات كما تنظّر لها بعض القوى، بل هي أواليات وأسس تمليها التجربة اللبنانية ويمليها توازن القوى الراهن لمن يريد ان يقرأ بواقعية وموضوعية خارج الرغبات الذاتية. ان النظام الطائفي لم يعد قابلا كما من قبل للثنائيات او لصيغة المحور الذي يهيمن ويُلحق به مجموعات اخرى تتدرج في أهميتها وتراتبها. فالمذهبية أحدثت فيه تحولا نوعيا، والديموغرافيا أفرزت كتلا ضخمة تملك أفضليات كثيرة، ما أحدث واقعا من التوازن غير المسبوق الذي يؤدي عمليا الى تقاسم مفرط للسلطة وحاد يعطل المؤسسات ويعطل الديموقراطية. ومن غير الطبيعي ان تنزعج هذه القوى أو تلك من الحديث عن صعوبة حكم لبنان بلغة الأرقام والعدد والأكثريات والأقليات على اي وجه، ثم حسابها او تصنيفها نيابيا او وزاريا او سياسيا او شعبيا او طائفيا. فهي في واقع الأمر متحركة ومتحولة وقابلة للتوازي في اي لعبة تحالف سياسي كما هو حاصل اليوم.
إن التفكير في ما سيؤول اليه الوضع إذا لم تشكل الحكومة من أزمة مفتوحة يجب ان ينبه الى ضرورة العمل على تغيير قواعد اللعبة كلها. فلا ضمان لأي فريق إلا من خلال الديموقراطية الحقيقية بعد ان تتحرر من قيدها الطائفي. ومن دواعي الإلحاح على ذلك معرفة اللبنانيين أننا أمام كتل سياسية طائفية لم يعد ممكنا ان تهيمن الواحدة منها على الأخرى. فمن محاسن صورة لبنان السياسية اليوم ان البلد منقسم بين مجموعات مختلطة طائفيا ومذهبيا الى حد ما، وهو انقسام يقوى فيه الطابع السياسي على حساب الانقسام التقليدي الاسلامي المسيحي العام. ومن حسن الحظ ايضا ان الإسلام السياسي بفروعه المختلفة يتصدر قيادة التيارات السياسية والمشاريع الكبرى التي ترسم صورة لبنان المستقبل، وان جميع التيارات تدعي وصلا بالعروبة وتأخذ شرعيتها من معسكرات عربية او تحالفات عربية واسلامية، وان المسيحيين ايضا هم جزء من هذا التلوين السياسي للمنطقة ولا يشكلون اليوم لونا خاصا بهم، بل لعلهم في جميع تياراتهم يمارسون خيارات لا تتسم بالفئوية. من هنا تنفتح أمام لبنان فرصة الحديث مجددا عن تطبيق الطائف وتجاوز الطائفية.

2009-07-06