ارشيف من :أخبار لبنانية

زيارة الحريري إلى دمشق: «قدر سياسي» لا يُرد.. ولو تأخر

زيارة الحريري إلى دمشق: «قدر سياسي» لا يُرد.. ولو تأخر

عماد مرمل ، السفير

سواء حصلت زيارة الرئيس المكلف سعد الحريري الى دمشق قبل تأليف الحكومة او بعده، فإنها ستظل محتفظة بدوي استثائي قد لا ينافسه، من حيث استثنائية الحدث، إلا دوي الانفجار الذي استهدف الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 .

حتى الامس القريب، كان مجرد الكلام عن احتمال توجه الحريري الى سوريا هو هذيان سياسي، وفي أحسن الحالات هو ضرب من ضروب الخيال. كانت تكفي استعادة بعض الاقوال المأثورة لرموز 14 آذار في ساحة الشهداء خلال الاعوام الماضية المتتالية حتى يفقد الكلام عن إمكانية مشاهدة رئيس تيار المستقبل في دمشق أي صلة له بعلم المنطق ، فكيف إذا أضيف الى مخزون مهرجانات 14 آذار في ساحة الشهداء أدبيات الانتخابات النيابية الاخيرة التي جرى خلالها «تجريم» العماد ميشال عون، على سبيل المثال، بتهمة التفاهم مع سوريا وحزب الله.

ولعل الصخب السياسي الذي رافق ما اشيع عن احتمال توجه الحريري الى دمشق يكفي للدلالة على الحساسية الخاصة لمثل هذه الخطوة المؤجلة.. ولكن الاكيدة. لقد بدا ان حلفاء رئيس تيار المستقبل، ما عدا النائب وليد جنبلاط، غير قادرين بعد على تقبل فكرة المصالحة بين زعيم الغالبية والرئيس السوري بشار الاسد، لاسيما وان بعضهم كان قد راهن على سقوط النظام في دمشق ثم راهن على تغيير سلوكه فإذا بالمطاف ينتهي الى اكتشاف إلزامية التعايش بل التعاون معه، بحيث ان المعترضين على الزيارة وجدوا ان أقصى ما يستطيعون فعله هو الضغط فقط في اتجاه تأجيلها الى ما بعد تأليف الحكومة بعدما أصبح مبدأ حصولها بمثابة قدر سياسي لا يرد، ولو تأخر وقوعه.

وحتى جمهور تيار المستقبل الذي جرت تعبئته طيلة السنوات الاربع الماضية ضد النظام السوري ظهر وكأنه أصيب بنوع من «الدوار» عندما وجد ان رئيسه يستعد لزيارة الاسد الذي سبق ان وجهت له علانية أصابع الاتهام السياسي بالوقوف خلف جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بل ان العديد من قيادات «المستقبل» كانت قد أكدت صراحة ان «الحُكم السياسي» بتحميل دمشق مسؤولية جريمة الاغتيال قد صدر، وهو مبرم وغير قابل للاستئناف، بمعزل عن طبيعة «الحُكم الجنائي» الذي سيصدر لاحقا عن المحكمة الدولية.

بهذا المعنى، فان النقاش الذي أثير حول زيارة الحريري الى دمشق سيكون مفيدا في التحضير النفسي لجمهور «المستقبل» كي يتقبل حصولها لاحقا، بعد تطبيعه تدريجيا مع الفكرة والحد من عوارضها الجانبية المحتملة، على قاعدة ان اتمام الزيارة بعد تأليف الحكومة وليس قبله، إنما هو أمر ينسجم مع موقع الحريري كرئيس لحكومة كل لبنان، عدا عن انه يحاكي شعارات الحرية والسيادة والاستقلال، ويكرس العلاقات المتوازنة من دولة لدولة بين لبنان وسوريا.

ولكن ذهاب الحريري الى دمشق، ولو بصفته رئيس حكومة قائمة، سيظل حدثا استثنائيا وغنيا بالدلالات، علما ان المكابرين في 14آذار يحاولون التخفيف من وقعه المنتظر، بالاشارة الى ان احد رموز تيار المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة سبق له ان زار العاصمة السورية بعد تأليف حكومته الاولى عام 2005 ، وفي ظرف أصعب بكثير مما هو عليه اليوم، كون دم رفيق الحريري كان ما يزال ساخنا والنقمة على دمشق في ذروتها، وبالتالي فان خطوة سعد الحريري لن تُحسب بهذا المعنى «سابقة سياسية»، ولا يجوز تحميلها أكثر مما تحتمل.

ومع ذلك، فان الفارق بين السنيورة والحريري كبير الى الحد الذي يجعل التقدير يختلف، فالاول هو صديق الرئيس الشهيد والثاني ابنه، والاول تولى رئاسة الحكومة بـ«الإنابة» طيلة السنوات الماضية والثاني يأتي الى السراي بصفته «الاصيل». باختصار، ان الرمزية السياسية والعائلية لرئيس تيار المستقبل تجعل لزيارته المقبلة الى سوريا حسابات مختلفة وأبعادا أشد بلاغة.

اما المقربون من الحريري فيوحون بان زيارته المرتقبة الى دمشق إنما ستتم بالدرجة الاولى وفق ثوابته ورؤيته للعلاقة مع سوريا، انطلاقا من مضمون اتفاق الطائف والحدود التي رسمها. يلفت هؤلاء الانتباه الى ان تيار المستقبل وفريق 14آذار بذلا اصلا الكثير من التضحيات لبلوغ علاقة طبيعية ومتوازنة بين بيروت ودمشق، وقد جاءت الآن الفرصة الملائمة لقطف ثمار هذه التضحيات، وإلا ما معنى العمل السياسي إذا لم يكن الهدف منه تحويل التضحيات الى انجازات.

ويشير المحيطون بقريطم الى ان الحريري يتصرف بتواضع المنتصر، الذي قرر في ليلة الاعلان عن فوزه بزعامة الاكثرية النيابية مد اليد الى الجميع وفتح صفحة جديدة، وانفتاحه على دمشق يندرج في هذا السياق، علما انه يجب عدم تجاهل العديد من المحطات الهامة التي سبقت اللحظة السياسية الراهنة ومهدت لها، بدءا من الاعتراف الشهير للرئيس بشار الاسد بارتكاب أخطاء في لبنان، وصولا الى الاقرار بالتبادل الدبلوماسي وفتح سفارتين في عاصمتي البلدين، ما يعني ان المطالب المعلنة لفريق الاكثرية تتحقق تدريجيا.

ولا يرى المقربون من الحريري أي حرج في ان يزور زعيم تكتل «لبنان اولا» دمشق بعد تشكيل الحكومة، برغم انه كان قد اتهم السلطات فيها باغتيال والده. يستعيد هؤلاء خطاب الحريري في 14شباط 2006 لتبرير او تفسير ما يمكن ان يجري. بالنسبة اليهم كرس هذا الخطاب معادلة الفصل بين مسار المحكمة الدولية والعلاقات الطبيعية مع سوريا، وهذه نقطة تسجل من وجهة نظرهم لصالح الحريري لانها أثبتت انه يتصرف كرجل دولة يستطيع ان يسيطر على عواطفه وانفعالاته عندما يتعلق الامر بالمصلحة العليا للبنان.


2009-07-07