ارشيف من :أخبار لبنانية
هل ينتهي «الزواج الأبيض» بين جنبلاط ومسيحيي 14 آذار؟
في كواليس قيادات الأحزاب المسيحية، تُسمع عبارات «الاستياء» من الحليف الدرزي «تطرب» لها كادرات وقواعد ومناصرو هذه الأحزاب. في العلن وخلف الميكروفونات، تطلق خطابات «المهادنة البنّاءة». لا أحد يرغب، من بكفيا الى معراب، بمواجهة مباشرة مع شريك «ثورة الأرز» وليد جنبلاط، وإن كان زعيم المختارة يستفيض هذه الأيام في «الغرْف» من وعاء «العروبة والخطاب اليساري القديم»، ليوجّه سهام انتقاداته الى المنادين بسياسة «التقوقع والانعزالية».
«معبّرة جداً» كانت طريقة إعلان جنبلاط للائحة الشوف في نيسان الماضي، ومعبّرا أكثر كان مضمون خطابه «الفجّ» المتنقل بين حصروت وعانوت. قصاصة ورق صغيرة في يد الزعيم الدرزي، كتب عليها بعض الملاحظات وأضاف اليها، على مرأى الحضور، أسماء شركائه في اللائحة التي رست على غير ما تشتهيه رغبات «وليد بيك». هو أصلاً كان مهّد لهذه الإطلالة «خارج السرب» من دون رفاق اللائحة، تحديداً الشريكين المارونيين جورج عدوان ودوري شمعون، بدعوته الساخرة لبعض حلفائه في 14 آذار الذين «تزاركوا» على الترشيح «بالحلول مكانه»، ولاحقاً «بالترحّم» على الأيام التي كان يضرب فيه جنبلاط بيد من حديد فارضاً «تشكيلة» الحلفاء في بعبدا وعاليه والشوف.
في الشويفات أعلن جنبلاط، بحسرة، تخلّيه عن المقعد الارثوذكسي في عاليه لمصلحة مرشح «حزب الكتائب» فادي الهبر، والمقعد الماروني في بعبدا لصالح الياس أبو عاصي، بعدما كان قد ذكّر بخسارته «الموجعة» لمقعد آل البستاني في الشوف لمصلحة نائب رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» النائب جورج عدوان. استسلم جنبلاط «للإعصار» الحزبي في الجبل من دون أن يعانده، مخافة أن «يشدّه نزولاً»، وفي الخلفية أن مرحلة ما بعد الانتخابات لن تكون كما قبلها. حتى قريطم كانت معنية بالرسائل الجنبلاطية. فوليد «بيك» غاب عن حفل إعلان البرنامج السياسي لـ«تيار المستقبل»، ونأى بنفسه عن الجلوس مصفقاً الى جانب النائب سعد الحريري، ومستمعاً الى ركائز «لبنان أولاً»، وهو الذي كان قد دشّن قبل أشهر «مشروع» دعوة حلفائه بعد الانتخابات «الى العودة الى القضية الأساس... القضية العربية الفلسطينية»، واضعاً العصا في دواليب كل من يعمّم «خطاب الحياد» قائلاً بالحرف الواحد «إذا بعض من حلفائي اليوم ينادون بحياد لبنان، فنحن على خلاف مع هؤلاء أياً كانوا».
حاذر حلفاء جنبلاط المسيحيون خلال الانتخابات الرد السياسي على «أبو تيمور». كانت الأولوية «لوحدة صف» الرابع عشر من آذار في مواجهة فريق الثامن من آذار. انتهت الانتخابات، وفي تقدير الأحزاب المسيحية أنها «أم الصبي» في الجبل. نال جنبلاط 46,6% من أصوات المسيحيين. ماكينة القوات في الشوف تتحدث عن قدرة تجييرية بلغت نحو 8000 صوت وفي عاليه 7000. «أرقام» تقول مصادر ماكينة «الحزب الاشتراكي» أنها تحتاج الى «التدقيق»، سيما وأن أحداً لا يملك الأرقام الرسمية بعد. النائب جورج عدوان الذي نال 58502 صوتاً (حلّ أخيراً على لائحة الثمانية مرشحين) حصد أعلى نسبة من الأصوات المسيحية بلغت نحو 15000 صوت، وقد حلّ دوري شمعون ثانياً، وماريو عون ثالثاً. ماكينة الكتائب في عاليه قدّرت قوتها التجييرية بـ6000 صوت، فيما ماكينة «الاشتراكي» تؤكد أن النسبة تتراوح فقط بين 3000 و4000 صوت. أما النائب الكتائبي فادي الهبر فنال 33884 صوتاً منهم 12000 صوت مسيحي، وتفوّق عليه مسيحياً هنري حلو وفؤاد السعد بأكثر من 1000 صوت. في كل الأحوال، كانت «المعركة» مريحة، على أرض «حليفة» قبضة الحسم فيها «للخزان» الدرزي والسني، فضمنت الفوز «النظيف» لمسيحيي 14 آذار.
يرفض مسيحيو 14 آذار في الجبل بأن «يمنّنهم أحد من كيسهم». الكتائبيون يلوّحون بورقة كان بالإمكان «في وقت الحشرة استخدامها»... التحالف مع طلال أرسلان. «الكتائب قوة مسيحية ليست دخيلة على الجبل، وفي عاليه تحديداً». يعودون بالذاكرة الى الوراء. «عام 1972 الكتائب ألّفت لائحة في عاليه كان رئيسها الكتائبي طانيوس سابا. والحضور الكتائبي اليوم لا يمكن تجاوزه. إذا لا أحد يمنّن أحداً، وإلا كان على سعد الحريري أن يمنّن جنبلاط بإعطائه المقعد الدرزي في بيروت الثالثة». ولدى القوات المعادلة واضحة المعالم أيضاً «ليس هناك إمارة درزية أو مسيحية في الجبل. هي منطقة عيش مشترك. نحن حلفاء ندّيون لوليد جنبلاط، ولسنا ملحقين له، إن كان على اللوائح أو بالسياسة».
الكتائب تقدّم مقاربة صريحة لهذه المرحلة «كنا نريد أن نأكل العنب لا أن نقتل الناطور. أكلنا العنب ونحن بصدد معالجة وضع الناطور! وتذهب الأوساط الى حد وصف تلك المرحلة «بالزواج الأبيض» (تعبير فرنسي مرادف لزواج المصلحة). كان زواجاً متعباً لكن مهما تعرّضت العلاقة مع وليد بيك للأزمات، فلا بد للحكمة أن تنتصر على المواقف الظرفية، لأن العلاقة بين الدروز والموارنة تاريخية. ومن دون جرح شعور وليد جنبلاط، فإن هذه العلاقة قائمة منذ 1609 قبل مجيء الجنبلاطيين الى جبل لبنان».
فتحت مصالحة الجبل في آب 2001 و«ثورة الأرز» عام 2005 الطريق أمام «تطبيع» مرحلي ومتسارع لعلاقة المسيحيين مع جنبلاط. طويت صفحة وفتحت أخرى، بدا وكأنها اختزلت عقود الصراع الطويلة، بالصورة «الجامِعة الاستثنائية» على منصة الخطباء في ساحة الشهداء. برأي مصادر حزبية مسيحية في فريق 14 آذار «أن اعتراف جنبلاط «بسكوته» على مدى سنوات على مسؤولية السوريين في اغتيال والده، شكّل نوعاً من الاعتراف الوجداني أكثر مما هو سياسي، وترك انطباعاً بأنه أقفل الباب على ماض ٍ لم يجلب له سوى الويلات والاغتيالات. وتقبّل المسيحيون هذا الاعتراف بروح منفتحة لأن هناك ضعفاً نفسياً لدى الموارنة حيال الدروز، على اعتبار أن زعيم الموارنة الأول هو الأمير فخر الدين الثاني».
الشراكة المسيحية الدرزية في «ثورة الأرز» لم تمنع الموارنة من اتخاذ موقع «الحَذر» من شخصية جنبلاط «المتقلّبة». تقول المصادر «هو قادر على اتخاذ موقف ونقيضه في أقل من 24 ساعة.. لا يمكن لأي حليف لجنبلاط في هذه الحالة، أن ينام مطمئناً على وسادته». إشارات «الواقعية» الجنبلاطية «الجارِحة» وصلت بالتواتر الى حلفائه المسيحيين المعنيين بانتخابات الجبل عقب أحداث السابع من أيار، وبعدها كرّت سبحة «مفاجآت» زعيم المختارة. لكن «النَفس الطويل» سياسة تعتمدها «القوات» و«الكتائب» حيال جنبلاط... حتى إشعار آخر.
ثمة «كلمة سر» مسيحية بتصنيف مواقف الزعيم الدرزي «المنقلبة» على شعارات «ثورة الأرز» في إطار «الاختلاف في أسلوب التعبير، أما الثوابت فلا خلاف عليها!». ومع ذلك بدأ يصدر الى العلن ما يشبه التأفف المسيحي من الهجوم الذي بدأه جنبلاط، أولاً ضد «الوجوه» الحزبية في الجبل، ولاحقاً بانتقاد شعار «لبنان أولاً» الذي يشكّل عصب التفكير المسيحي الحزبي، والذي على أساسه خيضت الانتخابات. بتقدير قيادي كتائبي أن التكويعة الجنبلاطية أخذت أولى ملامحها الواضحة عقب أحداث 7 أيار، ودارت دورتها الكاملة في خطاب «المهادنة» الزائد عن اللزوم حيال المعارضة، معطوفاً على انتقاد «مزعج» لحلفائه المسيحيين، والذروة كانت في تراجعه عن شعار «لبنان أولاً». ويتحدث هذا القيادي عن «معلومات» بأن هذه الانعطافة، تأتي في إطار سعي جنبلاط لرأب الصدع مع دمشق، عبر ترتيب زيارة له الى العاصمة السورية. وبلهجة يغلب عليها التهكم يقول «من المرجح أن تتم هذه الزيارة في القرن الواحد والعشرين...» في إشارة الى عدم تقبل دمشق بعد لفكرة مصافحة جنبلاط، بعد الهجوم غير المسبوق الذي شنّه عليها، واعترافه مؤخراً بفداحة «خطيئته».
يدرك المعنيون في «حسابات» الجبل السياسية، بأن عقدة جنبلاط مع المسيحيين هي «قواتية» قبل أن تكون كتائبية. سنوات «الكفاح المشترك» في «ثورة الأرز» لم تؤد الى «تفاعل الكيمياء» بين جنبلاط وسمير جعجع. وما عجزت عنه أعوام «النضال» الأربعة، لن تتمكن مرحلة ما بعد الانتخابات «المتشنجة» من إنجازه. حاجز يحاول الطرفان تخطيه، تاركين للقواعد المشتركة على الأرض أن تمتهن سياسة ترميم العلاقة بين خصوم الأمس. هذا بالتحديد ما تعكسه النظرة القواتية للزعيم الدرزي في منطقة الجبل «هناك تحالف كبير، دُفعت أثمانه سلفاً، لا يستطيع أحد الخروج منه أو الانقلاب عليه. أما «اللغة» المستجدة لجنبلاط فهي لا تمس الثوابت المتفق عليها بين كافة أركان 14 آذار». ترصد معراب بدقة «الخط البياني» للخطاب الجنبلاطي «التصاعدي»، بعدما كانت قد استشعرت باكراً، قرب استحقاق إعادة تموضع «البيك». تتريث في إعلان الأحكام المسبقة، خصوصاً أن قريطم تتكفل بتوضيح كافة «نقاط الالتباس» في القراءة النقدية الجنبلاطية للمرحلة السابقة.
يعترف القواتيون بوجود خصوصية معينة لكل مكوّن من مكونات 14 آذار، لكن في الأمور المصيرية ستكون الموالاة صفاً واحداً. النقاط الخلافية كثيرة. يعترض القواتيون على فكرة «لجان الارتباط الأمنية» بين «حزب الله» و«الحزب التقدمي الاشتراكي». برأيهم «أن حصرية هذه المهمة تعود الى الدولة فقط»، وفي اعتبارهم أن الهجوم الجنبلاطي على «خطاب الانعزالية» ليس موجّهاً اليهم «فهناك مجموعات عند الزعيم الدرزي تمارس سياسة التقوقع والانعزالية. كما أن القوات لا تنكر أحقية القضية الفلسطينية.. لكن «لبنان أولاً». لكل مرحلة خطابها، يقول القواتيون، وهذا ما يبرع به وليد جنبلاط. ثوابتنا لم تتغير منذ 1975، ونحن نشكّل عصب 14 آذار وقد وجدنا الشريكين السني والدرزي اللذين «انضما» الى هذه الثوابت.
يستعيد الكتائبيون مرحلة الانتخابات مجدداً، ليرسموا «خارطة طريق» المستقبل. «محاربة «الوجوه الحزبية» لم تكن مبرّرة، فالأحزاب المسيحية وليس الشخصيات المستقلة هي الضمانة الحقيقية للوجود المسيحي الحرّ، وأي محاولة للالتفاف عليها وتهميشها ستبوء بالفشل، لأن هذه الأحزاب لن تتنازل للمستقلين للقيام بدور المُحاور مع الجماعات الأخرى في الوطن». قد يكون «سجال» سامي الجميل وجنبلاط عبر الإعلام، نموذجاً عمّا يحاول الطرفان تأجيل حدوثه في «السياسة». لكن الأمر لم يزعج القيادة الكتائبية كثيراً «جنبلاط يساهم بشكل أو بآخر في زيادة شعبية الجميل، ونقله باكراً من مرتبة النائب الى مصاف الزعيم». القواتيون، من جهتهم، «منسجمون مع أنفسهم. نحن مع جنبلاط طالما لم يخرج «عملياً» عن الثوابت التي التقينا على أساسها. وحدة الجبل من أولوياتنا... وحتى الآن لا نستشعر خطر «الانقلاب» على مبادئ «ثورة الأرز». وفي حال العكس... لكل حادث حديث».
المحرر المحلي + وكالات
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018