ارشيف من :أخبار عالمية
العلاقة بين الجماعات التكفيرية واسرائيل
نور الهدى صالح
يومًا بعد يوم تنكشف أدلّة جديدة عن العلاقة ما بين الجماعات الإرهابية واسرائيل. ويتضح حجم الدّعم الّذي يقدمه العدو الصهيوني للمعارضة السورية، وبالأخص خلال العام الماضي، حيث توسّع النشاط الاسرائيلي في محافظتي القنيطرة ودرعا عبر دعم الجماعات الإرهابيّة المسلّحة بالمال والسلاح. وتعدّى الدعم الاسرائيلي معالجة الجرحة وتقديم المعلومات للمسلحين عن مواقع الجيش السوري، إلى توجيه إرهابيي "النصرة" و"لواء شهداء اليرموك" وجماعات أخرى لإسقاط مواقع معينة بطريقة منهجيّة، بدءاً ب"التلول الحمر الشرقية والغربيّة" في القطاع الأوسط من القنيطرة وقريتي الحميدية والقحطانيّة، وصولا إلى "تل الحارة" الاستراتيجي، الذي قامت "النصرة" بنقل محتوياته إلى داخل الكيان الصهيوني عبر معبر القنيطرة. وقد ذكرت تقارير اعلامية أنّ بعض قادة المجموعات المسلحة و"النصرة" يحملون هواتف بأرقام خلويّة اسرائيليّة كمحمد البريدي قائد "لواء شهداء اليرموك" والقيادي في النصرة المعروف "بأبو الدرداء"، بالإضافة إلى مراسل "قناة أورينت" في القنيطرة، للتواصل المباشر مع ضباط الاستخبارات العسكريّة الاسرائيلية "أمان". ويضم الدعم تدخل الطائرات والمدفعية الاسرائيلية مرات عديدة من موقعي "تل الفرس" و"تل أبو ندى" في الجولان المحتل"، لاستهداف مرابض مدفعية وصواريخ للقوات السورية خلال المعارك مع الجماعات المسلحة، لاسيّما مقرّ اللواء 90 في منطقة "الكوم". وتشير معلومات امنية ، إلى أنّ الأجهزة الأمنية الاسرائيليّة تعمل بشكل حثيث على إعداد "قوائم أمنيّة" وخلق شبكات من العملاء من عناصر الجماعات المسلحة، على غرار عملاء جهاز 504 في جنوب لبنان، عبر تجنيد الجرحى الذين يعالجون في مستشفى صفد، بالإضافة إلى مستشفى "بوريا" قرب بحيرة طبريا، وآخرين في الأراضي المحررّة وقرى الجولان.
تصريحات عن هذه العلاقة
لم تتوان التصريحات، الوثائق المسرّبة وكافّة الاتصالات عن تأكيد هذه العلاقة الوثيقة. فكانت لهذه الفضائح حصّتها في التصريحات الصهيونيّة نفسها الّتي أكّدت دعم اسرائيل للمتمردين في سوريا. هذا ما تضمنه حديث إيهود يعاري، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، من أن إسرائيل تدعم المتمردين على طول الحدود مع جبهة الجولان السورية المحتلة. ولم ينحصر الدعم الاسرائيلي لهذه الجماعات بناحية الرعاية الصحيّة، بل تجاوز ذلك المساعدات العسكريّة وتقديم الأسلحة والعتاد، عمليات التضليل الإعلامي وتأمين الحماية بكلّ اشكالها.
المجموعات الإرهابية
وإذا كان آفي ديختر، رئيس الاستخبارات الصهيونية السابق، قد طرح مسألة الدخول المباشر والعلني على خط الأزمة السورية في موقف سبقه الكثير من الدعوات التي أطلقها معارضون سوريون للاحتلال الصهيوني بتقديم الدعم المباشر لهم، فإن "أيوب قرة" كان قد كشف في الثامن والعشرين من مايو/أيار 2012 عن طلب تلقّاه من المعارضة السورية لتقديم الدعم والعون الإسرائيلي لها. وأكّد قرة، وهو نائب ووزير تطوير الجليل والنقب الصهيوني، أن عناصر مما تسمى بالمعارضة السورية راجعته بطلب التدخل لدى الكيان لدعم فعالياتهم ضد القيادة السورية، مضيفاً أنه أحال الطلب إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، طالباً منه استخدام نفوذه في المحافل الدولية لزيادة الضغط على سورية.
وفي إطار هذا الدعم، يشدد الرئيس السوري بشّار الأسد في حوار مع مجلّة "فورن أفيرز" في ردّ على سؤال حول الأجندة الحقيقيّة "لاسرائيل" في سوريا، على وضوح الدعم الذي تقدمه اسرائيل للجماعات المسلّحة هناك، ويؤكّد على أنّ القوات الجويّة "للقاعدة" في سوريا هي نفسها القوات الجوية الاسرائيلية.
المخطط الصهيوني بأيادٍ تكفيريّة
العلاقة إذاً "أصبحت مكشوفة على العلن" هكذا يصفها مدير مركز الارتكاز الإعلامي الصحافي سالم زهران في مقابلة له مع موقع العهد. حيث أشار إلى أوجه الشبه ما بين السلوك الاسرائيلي وسلوك الجماعات التكفيريّة، فهي "تمارس نفس النهج ونفس السلوك" يقول زهران. ويضيف مشدداً أنّ تفجير الأحزمة والقبور وتهديم الآثار والمعابد ما هو إلاّ سلوك اسرائيلي، "فداعش مثلاً عندما هدمت المقامات كانت تشرّع الطريق لهدم المسجد الأقصى" . ويعتبر زهران أنّ معالجة جرحى المعارضة السوريّة في فلسطين ومعاينتهم من قبل نتنياهو ما هو إلاّ دليل على هذه العلاقة الواضحة والجليّة بين الطرفين الإرهابيين.
ويتبيّن أهميّة هذه العلاقة من خلال حجم الأموال والمساعدات الّتي يغدقها العدو الصهيوني على هؤلاء، فلا يمكن قيام يهودية اسرائيل إلا بسلوك من قبل هذه الجماعات والتي تطرد بقية المعارضين للمشروع الصهيوني من المنطقة بحسب زهران، ما يكشف تطابقاً بين المشروعين وتقارب في الجذور. ويرى زهران ان كلاًّ من الولايات المتحدة، واسرائيل له يد في إنشاء وإنماء هذه الجماعات الإرهابيّة، بغية تحقيق أهدافها بأدوات عربيّة.
نتائج هذه العلاقة
يظهر تناقض كبير أحيانا بين ما تقدمه اسرائيل "للجماعات التكفيريّة" والموقف الّذي تصرّح عنه . فبالرغم من الدعم الهائل الّذي قُدّم لداعش والنصرة وغيرها من الجماعات الارهابية، اعتبر "شمعون بيريز" في تصريح له، أنّ هذا التنظيم بات عدواً مشتركاً "لنا وللعرب"، وشدد على مكافحته.
في مقابلة مع الخبير في الشؤون الاسرائيليّة الأستاذ عباس اسماعيل، يوضح هذا الالتباس . هو يوضح انه " رغم المواقف الاسرائيليّة الأخيرة الّتي أعلنت أنّ المنظمات الارهابية في سوريا تشكّل خطراً، لكّنه "ليس خطراً ملحاً على اسرائيل" ويعتبر اسماعيل إنّ التحليل المنطقي "يقودنا إلى استنتاج وجود علاقة بين الطرفين" . كما ان تحييد اسرائيل عن خارطة تهديدات داعش والنصرة وغيرها، يطرح علامات استفهام . ويلفت اسماعيل أنّ نتائج هذه العلاقة ما بين الطرفين هو تحقيق مصالحهما، فالجماعات التكفيريّة تسعى لتحقيق هدفها من خلال الاستفادة من الدعم الاسرائيلي فتبسط نفوذها في منطقة الشرق الاوسط. في المقابل تستغل اسرائيل هذه العلاقة كي تأمن شرّ المعارضة السوريّة أوّلاً وتستفيد منها ثانياً لإقامة منطقة عازلة كالحزام الأمني على غرار الشريط المحتل. ويضيف "يفسح المجال الاستفادة من هذه المجموعات من الناحية الأمنية والعسكريّة إضعاف سورية يعني إضعاف المقاومة" يختم اسماعيل.
بناءً على ذلك لا مجال للشكّ بوجود علاقة ما بين اسرائيل، أميركا والجماعات التكفيريّة بما فيها داعش والنصرة، وما تقدمه الأولى من دعم يؤكّد أنّهما وجهين لعملة واحدة باتت تتلاعب بمصير المنطقة. لكن استمرار بسط نفوذ هذه الجماعات يبقى رهين تقسيمات الحصص الجديدة وكيفيّة توزيع المصالح الأمريكيّة-الاسرائيليّة. علّ هذه المصالح تتضارب بشدّة أكثر بين الأطراف الإرهابيّة فينقلب السحر على السّاحر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018