ارشيف من :أخبار لبنانية
نصيحة عاجلة للإسراع في تشكيل الحكومة تحسباً لمتغيرات إقليمية
الى ماذا أفضت الجوجلة الدبلوماسيّة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية حول التأليف؟ وماذا في جعبة بعض زوّار القصر الجمهوري وقريطم؟
هناك ثابتتان لا تخضعان لأي اجتهاد أو تحليل: سعد الحريري لن يعتذر، وكلّف كي ينجح. أما الحكومة فهي التي تجسد المشاركة الوطنيّة في اتخاذ القرارات، وبالتالي من غير المسموح أن يكون في لبنان حكومتان، الأولى تجتمع في مجلس الوزراء لتصريف الأعمال، والثانية حول طاولة الحوار الوطني للتفاهم على كيفيّة مقاربة المواضيع الشائكة أو الحساسة، من خارجيّة وأمنيّة وسياسيّة ومالية واقتصاديّة واجتماعيّة ...
وتضاف على الثابتتين كلمة سرّ هي بمثابة «نصيحة» باتت في عهدة كلّ من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلّف سعد الحريري تقضي بضرورة الإسراع ـ لا التسرّع ـ في تشكيل فريق العمل الوزاري تحت شعار «صنع في لبنان»، بعدما كشفت الأوراق الواردة الى بيروت من بعض «دول الرعاية» عن حقيقة مفادها أن المناخ العربي ـ الإقليمي ـ الدولي لا يزال عرضة لمتغيرات كثيرة قد لا تخدم الجو التوافقي اللبناني المطلوب في هذه المرحلة.
وتأكيداً على هذا المعطى يؤكد بعض السفراء أن الحرارة عادت خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية الى الخطوط المفتوحة على التأليف، والمعبّر عنها إن في الاجتماعات المغلقة، أو في الاتصالات البعيدة عن الأضواء، ونتيجة لذلك أصبح بالإمكان الرهان على عامل الوقت والحديث عن مهل زمنيّة قد تكون واعدة وتتراوح ما بين عطلة نهاية الأسبوع أو الخامس عشر من الجاري حدّاً أقصى لإنجاز الطبخة الحكوميّة، بحيث لا يذهب رئيس الجمهوريّة الى قمة منظمة دول عدم الانحياز في شرم الشيخ إلا ومعه وزير الخارجيّة الجديد في عداد الوفد الرسمي.
وفي مجال البحث عن مكونات هذه النصيحة تكمن الإيجابيّة في الظاهر من الأكمة، في حين أن ما تحتها هو أشبه ببركان متفجّر، لأن الولايات المتحدة الأميركيّة تتعاطى بازدواجيّة غريبة، فهي من جهة ترحّب بتكليف الحريري بتشكيل «حكومة لبنان»، ومن جهة أخرى تسمح لمساعد وزيرة الخارجيّة جيفري فيلتمان بأن يدلي بموقف من الحكومة متطابق الى حدّ بعيد مع الذي أعلنه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، حيث اعتبر فيلتمان أن سلاح «حزب الله » يشكّل خطراً على لبنان والمنطقة، ليعود ويعترف بأن الحزب يحظى بشعبيّة واسعة؟!...
وكان كلّ من رئيس الجمهورية والرئيس المكلف قد توافقا على الرد على مواقف نتنياهو المتكررة من الحكومة، وتحذيراته من مشاركة «حزب الله» في عضويتها، إلاّ أن هذا الرد، من وجهة نظر دبلوماسيّة، موجّه علناً ضد الحكومة الإسرائيليّة، وضمناً ضدّ الإدارة الأميركيّة التي تريد من سعد الحريري أن يشكّل حكومة على قياس مصالحها ونظرتها لمجريات الأمور في المنطقة، وليس على قياس مصالح لبنان والتحديات التي قد تحاصره نتيجة تسارع التطورات لا بل الاستحقاقات الداهمة في الشرق الأوسط «الكبير».
ولا غضاضة هنا من التذكير بزيارة قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي الجنرال ديفيد بترايوس الى بيروت، وتدخله المباشر في مسار تشكيل الحكومة، لأنها إن أسفرت عن شيء، فعن المزيد من الريبة والتشكيك والتساؤل في صفوف المعارضة عن توقيتها، والغاية المرجوة منها في زمن التكليف والتأليف.
ورغم كل ذلك يتبيّن من خلال الاتصالات الناشطة أن المصالحة السوريّة ـ السعوديّة بألف خير، وقد زكّت الحريري رئيسا مكلّفا بتشكيل الحكومة، لكنها وصلت الى ما يشبه الحائط العربي ـ الإقليمي المسدود، وتوقفت عنده، نظرا لهول ما يباعد ما بين دمشق والقاهرة من جهة، والدوحة عاصمة القمة العربيّة الدوريّة، والعاصمة المصريّة من جهة أخرى، فضلا عن الحساسيات المفرطة التي تأججت نيرانها من جديد على أبواب الانتخابات الإيرانيّة، والرهان على حسابات وتحليلات خاطئة، تناولت، ولا تزال، العمق الإيراني الداخلي. ومن أمام هذا الحائط، انبثقت النصيحة السعوديّة ـ السوريّة حول وجوب لبننة التأليف، والإسراع بالبتّ في هذا الاستحقاق بهدف حمايته وتحييده عن تموجات الضغوط والتدخلات الخارجيّة التي تريد النيل منه، وتحويله الى حلقة تجاذب في عملية «شدّ الحبال» أو عمليّة «الكباش» المحتدمة بين العديد من العواصم العربية والإقليميّة وحتى الدوليّة.
وتشكّل قمّة منظمة دول عدم الانحياز في شرم الشيخ في الخامس عشر من الجاري مؤشرا على مناخ اللاوفاق واللاتفاهم الذي يسود الدول العربيّة التي تبدي غيرة على الوضع اللبناني الداخلي، وقد تحوّلت القمة الى ساحة لتصفية الحسابات المتراكمة، وردّت دمشق على مقاطعة الرئيس حسني مبارك للقمة العربيّة الدوريّة التي استضافتها العام الماضي، بتكليف نائب وزير الخارجيّة فيصل المقداد بتمثيلها في شرم الشيخ، وردّت دولة قطر على مقاطعة الرئيس مبارك للقمة الدورية التي استضافتها الدوحة في آذار الماضي، بمقاطعة مماثلة.
أما التجاذب المصري ـ الإيراني فدونه فصول وأشواط وحسابات كثيرة متداخلة يعبّر عنها راهنا باحتمال مقاطعة الرئيس أحمدي نجاد شخصيّا القمّة في رسالة باتجاه القاهرة، وعلى قاعدة أنه لا يصح أن تكون إيران هي مصدر الخطر على العالم العربي، فيما تعفى إسرائيل من هذه التهمة، أو تحيّد، في وقت لا يمّر أسبوع إلا وتستقبل فيه شرم الشيخ مسؤولا إسرائيليّا رفيعا؟!
إن المشهد الدبلوماسي المنقول عن شرم الشيخ لا يشجع على القول إن التوافق الأميركي ـ الأوروبي ـ الإيراني ـ العربي على مساعدة لبنان هو بألف خير، وبصحة جيدة، بل على العكس تماما مع وجود خشية شبه مؤكدة من أن الكثير من «دول الرعاية» يهمّه الاستثمار في ملف تشكيل الحكومة خدمة لمصالحه ولو أدى ذلك الى ما يشبه الاستحالة في تأليفها.
وتأتي زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني الى الدوحة أمس الأول واجتماعه المطوّل مع ولي العهد القطري الشيخ تميم، ثم انتقال الأخير الى دمشق للقاء الرئيس بشّار الأسد لتشير الى أمرين، الأول: ان المصالحات العربيّة التي تمّت في القمة الأخيرة في الدوحة، لا تزال مأزومة، وغير متعافية.
والثاني: ان الرافعة السوريّة ـ السعوديّة يمكن التعويل عليها، ولكن ليست وحدها على الساحة، فهناك ما يعاكسها بدءا بالولايات المتحدة، مرورا بمصر وإيران وقطر... وإن لم ينتصر خيار اللبننة لتشكيل حكومة «صنعت في لبنان»، فقد تصبح الساحة مفتوحة على كل الاحتمالات... قد يكون أبرزها مؤتمرا وطنيا جديدا، لكن هذه المرّة لن يكون في الدوحة... بل في دمشق؟!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018