ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري في مواجهة الكلفة الأغلى: الثلث + 1 أم زيارة دمشق قبل التأليف؟

الحريري في مواجهة الكلفة الأغلى: الثلث + 1 أم زيارة دمشق قبل التأليف؟
نقولا ناصيف - الاخبار

رغم الانطباع الشائع حتى الآن أن لا عقبات كأداء في طريق الرئيس المكلّف سعد الحريري لأن أحداً من أفرقاء المعارضة والموالاة لم يضع كل أوراقه على طاولة التفاوض وتقاسم الحصص، ولأن دمشق والرياض لم تغلقا أبواب الحوار، فإن السؤال الذي تتداوله أوساط رفيعة مطّلعة على الموقف السوري يتركز على الآتي: هل أخذ الحريري في الحسبان، عندما قرّر ترؤس الحكومة، أن ثمّة قرارات مؤلمة يتعيّن عليه اتخاذها، أو أن دمشق والرياض قد تدفعانه، وربما تُرغمانه على خيارات لن يسهل استيعاب نتائجها؟
يفضي طرح السؤال إلى حقيقة طارئة، هي أن علاقة الحريري بدمشق أضحت في صدارة الجهود المواكبة لتأليف الحكومة. ومع أنه يفضّل مقاربة هذا الملف في منأى عن الاستحقاق الحكومي، لئلا يكون أحدهما شرطاً ملزماً للآخر، أو في أحسن الأحوال مبرّراً له، فإن الأمر لم يكن ليُطرح على نحو كهذا لو كُلّف سواه، كالرئيس فؤاد السنيورة، ترؤس الحكومة. لم تتحمّس دمشق للخوض في علاقة شخصية ـــــ هي في الغالب جزء لا يتجزأ من العلاقة الرسمية ـــــ مع السنيورة إبان ترؤسه حكومتيه، ولم تبدُ جادة في دعوتها إياه لزيارتها ومحاورته في العلاقات اللبنانية ـــــالسورية، مكتفية بحوارها مع الرئيس إميل لحود ثم مع خلفه الرئيس ميشال سليمان. ولم تشأ دمشق أيضاً إبداء اهتمام بالتعرّف إلى الحريري في الأعوام الأربعة المنصرمة، رغم أنه كان ـــــ كما هو الآن ـــــ رئيس الغالبية النيابية، وقد اتهمها باغتيال والده الرئيس رفيق الحريري.

في الآونة الأخيرة راح المسؤولون السوريون يقولون لزوارهم إنهم لا يعرفون الرئيس المكلّف، ولا أفكار لديهم عن تصرّفاته وردود فعله. ولا يعرفون كذلك طريقة مقاربته الملفات السياسية الشائكة وهو في رئاسة الحكومة. وهو أحد مظاهر المجاملة الملتبسة التي تحمل دمشق على الترحيب بترؤسه الحكومة، والترحيب أيضاًً بالتعرّف إليه شخصياً. لكنّها تقول في الوقت نفسه إن علاقتها به تحدّدها نظرته إلى العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. ولا يخفي هؤلاء جانباً آخر من المجاملة الملتبسة، عندما يذكّرون بالطابع الشخصي الحار الذي رافق علاقة والده الراحل بالقيادة السورية إبّان ترؤسه خمس حكومات لبنانية، لم تخلُ خلالها من تباين في الرأي في أكثر من موقف حول علاقات البلدين أو نظرة الحريري الأب إلى إدارة الحكم في لبنان.

بل يذكّر السوريون أيضاً بأن الرئيس الراحل، قبل تأليفه أولى حكوماته في 31 تشرين الأول 1992، قصد دمشق وذلّل مشكلات اعترضته بين القوى التي خرجت من انتخابات تلك السنة منتصرة وتوخّت التوزير، بينما كان الحريري الأب يطمح إلى تأليف حكومة على صورة مشاريعه الضخمة ويمسك بغالبية مقاعدها. كانت مفاتيح هذا الصراع في يد سوريا. عاد الرئيس الراحل منها، وأخرج حكومته الأولى التي اصطدمت كذلك بخلاف مع الرئيس الجديد للمجلس حينذاك نبيه برّي، بسبب إصرار الحريري الأب على طلب صلاحيات اشتراعية استثنائية لحكومته من المجلس، توطئة لإطلاق ورشة إعمار وإصلاح ضخمة.

لم تأذن سوريا، ولا سمح توازن القوى الناشئ عن انتخابات 1992 بذلك. لم تظفر حكومة 1992 بالصلاحيات الاستثنائية، ولا أعطت رئيسها الثلث الزائد واحداً بين مقاعد توزّعت على وزراء الرئيسين إلياس الهراوي وبرّي والحلفاء اللصيقين بدمشق، على نحو مماثل، وبأدوار مقلوبة، يصبح الثلث الزائد واحداً اليوم مشكلة مشابهة لطلب الصلاحيات الاشتراعية، الواجب حلّها بأحد مخرجين: استجابته، أو طلب مساعدة دمشق في تخطّي المشكلة لتأليف حكومة الوحدة الوطنية، التي ستكون عندئذ أمام استحقاق مصالحة الحريري مع سوريا. الوجه الحقيقي لفحوى طلبها التأكد من مقاربته هو ـــــ لا حكومته ـــــ علاقات البلدين.
السؤال الذي يطرحه المطّلعون على موقف دمشق هو عن استعداد الحريري الابن ترؤس حكومة، تحمله على اتخاذ خيارات قد يكون توقيتها غير ملائم في نظر بعض حلفائه، وموجع في نظر آخرين، ومتعقّل ومبرّر في نظر ثالثين، ويقترن هذا السؤال بمؤشرين:

أولهما، تعهّد الحريري تأليف حكومة وحدة وطنية تعتمد معايير التجانس وضمان مشاركة الأفرقاء المتنافسين وعدم إعطاء الثلث الزائد واحداً للمعارضة والتعاون مع الرئيس ميشال سليمان. وهو بذلك طوى سلفاً احتمال تأليف حكومة تقتصر على حلفائه في قوى 14 آذار، من غير ان يقدّم ـــــ أو يعلن على الأقل ـــــ البديل من رفض المعارضة المشاركة في الحكومة الجديدة إذا لم يُستجب طلبها الحصول على هذا النصاب. لكن ما يبدو جلياً للرئيس المكلّف أنه لن يعتذر عن عدم تأليف الحكومة لئلا يوجّه صدمة قاسية إلى مستقبله السياسي ومغزى نتائج انتخابات حزيران.

ثانيهما، أن المعارضة رسمت حدّين، أقصى وأدنى، لمشاركتها في حكومة الوحدة الوطنية، هما النسبية والثلث الزائد واحداً. وهي إذ تعرف أن تعريفها لهذه الحكومة يتناقض مع تعريف الحريري لها، تبدو متيقنة من حصولها على هذا المطلب الذي لا يُشعرها بأنها خسرت انتخابات حزيران، مقدار إشعاره الموالاة أنها هي الأخرى لم تربحها. في المقابل، يلتزم برّي وحزب الله موقفاً موحداً هو المناداة بمشاركة حقيقية لا تعني في نهاية المطاف إلا النصاب نفسه. بذلك ترتسم بوضوح ملامح قاتمة للأيام المقبلة في ما يتعلّق بالاستحقاق الحكومي المؤجّل: لا حكومة جديدة بلا هذا النصاب الذي لن تتخلى عنه المعارضة إلا إذا كان تعويضه أكثر كلفة على الحريري، وهو ذهابه إلى دمشق قبل تأليف الحكومة.
2009-07-08