ارشيف من :أخبار عالمية
ما يحدث في السجون «يتكرر»
هاني الفردان-"الوسط"
في 25 فبراير/ شباط 2015 أيدت محكمة الاستئناف العليا حكم أول درجة المتعلق باستئناف 19 متهماً بأحداث ما عرف بـ «شغب بسجن الحوض الجاف»، إذ كان الحكم بالسجن لمدة 3 سنوات وألزمتهم متضامنين بأداء مبلغ 600 دينار قيمة التلفيات إلى وزارة الداخلية.
روايات متعددة، وأخبار وتصريحات، تناقلتها صحف محلية ووكالات أنباء عالمية، ومواقع إلكترونية، وحسابات خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كـ «تويتر»، عن ما حدث في مركز الحبس الاحتياطي في الحوض الجاف في 2013.
ولأنه وكما يقول المثل الشعبي «الكل يجر النار لقرصه»، والكل يغني على ليلاه، ويبث مظلوميته، فالأهالي والحقوقيون تحدّثوا عن «مجزرة» وإصابة أربعين من الموقوفين، حتى ذهب البعض بعيداً للحديث عن استخدام سلاح الرصاص الانشطاري (الشوزن) والغازات المسيلة للدموع والقنابل الصوتية والهراوات داخل السجن، مع إغلاق المكيفات وفتحات التهوية.
وزارة الداخلية، من جانبها، تحدّثت وعلى لسان مفتشها العام الذي اتهم «مجموعة من المحبوسين احتياطياً في مركز الحبس الاحتياطي بأعمال فوضى وشغب وتخريب لمحتويات الحبس، كما قاموا بمنع رجال الأمن من أداء واجبهم الأمر الذي استدعى تدخل الأجهزة الأمنية المختصة للسيطرة على الوضع وإعادته إلى طبيعته».
الطرفان تقاذفا الاتهامات، وكل منهما يرمي الكرة في ملعب الثاني، إذ لم تكن هناك جهة محايدة مستقلة، تمتلك من الصلاحيات الكثيرة للتحقيق، والخروج بنتيجة واضحة منطقية عقلانية يمكن تقبلها، تنهي حالة الجدل.
السلطة اقتصت عبر القضاء من الموقوفين، وذلك من خلال الحكم بـ «العقوبة الأشد» بعد الأخذ بشهادة أحد منتسبي رجال الأمن المشاركين في الحادثة الذي سرد واقعتها بحسب وجهة نظره.
في المقابل، وثقت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، جانباً آخر من المشهد الذي غيّب رسمياً، ولم يحرك قضائياً، إذ جاء في تقرير المؤسسة للعام 2013، واصفةً ما حدث في ذلك الوقت بأنه «العقاب الجماعي».
المؤسسة وثّقت ملاحظاتها، وأكّدت «وجود آثار لاعتداء شديد على أنحاء متفرقة من أجساد الموقوفين نتيجة الضرب بالهراوات من قبل قوات مكافحة الشغب على نحو يمكن وصفه بالعقاب الجماعي، إلى جانب إفادتهم جميعاً (الموقوفين) بوضعهم تحت أشعة الشمس الحادة (في شهر أغسطس/ آب) لمدة تصل إلى أربع ساعات متواصلة، وتعرّضهم للإهانات والشتائم ذات الصبغة الطائفية».
المؤسسة الوطنية أعدت تقريراً مفصّلاً عن مجريات تلك الزيارة، وأوصت بإجراء تحقيق جاد من قبل القائمين على إدارة مركز الحوض الجاف في ادعاءات التعرض للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة. والمؤسسة أرسلت تقريرها إلى وزارة الداخلية، ولكن لم تحصل على رد حتى صدور تقريرها.
حادثة تكشف كيف يتم التعامل مع قضايا الموقوفين في السجون، وكيف تعاملت جهات رسمية أمنية وقضائية مع الحادثة، وكيف انحازت جهات لصالح طرف ضد طرف، وكيف تم غضّ البصر عن معاناة الموقوفين، وكيف ركّزت جهات على طرف واحد وحاكمته، فيما لم يحاسب الطرف الثاني رغم ما وثقته المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، وهي مؤسسة رسمية معينة من قبل السلطة.
بعد هذا السرد، من حق الرأي العام أن يفرق بين الجهة التي يثق بها وفي سلامة إجراءاتها، والجهة التي لا يثق بها؛ بين الطرف الذي يصدّقه، والطرف الذي يكذبه؛ وبين من يعتد ببياناته، ومن لا يؤخذ بأقواله.
حقيقة الأوضاع في البلد تكمن هنا، فليس كل ما يقال يصدق، وفي الكثير من الأحيان يؤخذ الصدق من نقيضه.
الحادثة التي شهدها سجن «الحوض الجاف» في أغسطس 2013، تعيد نفسها بشكل مختلف، على أقل تقدير في سجن «جو» وما شهده من أحداث وصفت من قبل الأجهزة الرسمية بـ «تمرد».
الأمانة العامة للتظلمات قالت يوم الأربعاء (18 مارس/ آذار 2015) إنها تلقت عدد (105) طلبات مساعدة من ذوي وأهالي بعض نزلاء السجن، شملت المطالبة بالاطمئنان على أحوال هؤلاء النزلاء، والاستفسار عن الخدمات المقدّمة لهم مثل الزيارات والاتصالات. إذ نعلم جميعاً أن تلك الطلبات الكثيرة متعلقة بالأحداث التي شهدها سجن جو.
ليس مستبعداً أبداً، بل متوقع أن تتم محاكمة موقوفين بتهمة «التمرد» في سجن «جو»، بينما لن يتم الحديث أبداً عن ما تعرض له الموقوفون داخل السجن من انتهاكات، فالمشهد قد يعيد نفسه، حتى لو وثقت التقارير «الرسمية» ما وصفته بـ «العقاب الجماعي» والتعذيب والإهانات الطائفية وسوء المعاملة وغيرها، وما يندرج تحت وصف سياسة «الإفلات من العقاب»، التي لن تغلق الباب أبداً بل تتركه مفتوحاً على مصراعيه في ظلّ أن مثل هذه القضايا لا تسقط بالتقادم.
في 25 فبراير/ شباط 2015 أيدت محكمة الاستئناف العليا حكم أول درجة المتعلق باستئناف 19 متهماً بأحداث ما عرف بـ «شغب بسجن الحوض الجاف»، إذ كان الحكم بالسجن لمدة 3 سنوات وألزمتهم متضامنين بأداء مبلغ 600 دينار قيمة التلفيات إلى وزارة الداخلية.
روايات متعددة، وأخبار وتصريحات، تناقلتها صحف محلية ووكالات أنباء عالمية، ومواقع إلكترونية، وحسابات خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كـ «تويتر»، عن ما حدث في مركز الحبس الاحتياطي في الحوض الجاف في 2013.
ولأنه وكما يقول المثل الشعبي «الكل يجر النار لقرصه»، والكل يغني على ليلاه، ويبث مظلوميته، فالأهالي والحقوقيون تحدّثوا عن «مجزرة» وإصابة أربعين من الموقوفين، حتى ذهب البعض بعيداً للحديث عن استخدام سلاح الرصاص الانشطاري (الشوزن) والغازات المسيلة للدموع والقنابل الصوتية والهراوات داخل السجن، مع إغلاق المكيفات وفتحات التهوية.
وزارة الداخلية، من جانبها، تحدّثت وعلى لسان مفتشها العام الذي اتهم «مجموعة من المحبوسين احتياطياً في مركز الحبس الاحتياطي بأعمال فوضى وشغب وتخريب لمحتويات الحبس، كما قاموا بمنع رجال الأمن من أداء واجبهم الأمر الذي استدعى تدخل الأجهزة الأمنية المختصة للسيطرة على الوضع وإعادته إلى طبيعته».
الطرفان تقاذفا الاتهامات، وكل منهما يرمي الكرة في ملعب الثاني، إذ لم تكن هناك جهة محايدة مستقلة، تمتلك من الصلاحيات الكثيرة للتحقيق، والخروج بنتيجة واضحة منطقية عقلانية يمكن تقبلها، تنهي حالة الجدل.
السلطة اقتصت عبر القضاء من الموقوفين، وذلك من خلال الحكم بـ «العقوبة الأشد» بعد الأخذ بشهادة أحد منتسبي رجال الأمن المشاركين في الحادثة الذي سرد واقعتها بحسب وجهة نظره.
في المقابل، وثقت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، جانباً آخر من المشهد الذي غيّب رسمياً، ولم يحرك قضائياً، إذ جاء في تقرير المؤسسة للعام 2013، واصفةً ما حدث في ذلك الوقت بأنه «العقاب الجماعي».
المؤسسة وثّقت ملاحظاتها، وأكّدت «وجود آثار لاعتداء شديد على أنحاء متفرقة من أجساد الموقوفين نتيجة الضرب بالهراوات من قبل قوات مكافحة الشغب على نحو يمكن وصفه بالعقاب الجماعي، إلى جانب إفادتهم جميعاً (الموقوفين) بوضعهم تحت أشعة الشمس الحادة (في شهر أغسطس/ آب) لمدة تصل إلى أربع ساعات متواصلة، وتعرّضهم للإهانات والشتائم ذات الصبغة الطائفية».
المؤسسة الوطنية أعدت تقريراً مفصّلاً عن مجريات تلك الزيارة، وأوصت بإجراء تحقيق جاد من قبل القائمين على إدارة مركز الحوض الجاف في ادعاءات التعرض للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة. والمؤسسة أرسلت تقريرها إلى وزارة الداخلية، ولكن لم تحصل على رد حتى صدور تقريرها.
حادثة تكشف كيف يتم التعامل مع قضايا الموقوفين في السجون، وكيف تعاملت جهات رسمية أمنية وقضائية مع الحادثة، وكيف انحازت جهات لصالح طرف ضد طرف، وكيف تم غضّ البصر عن معاناة الموقوفين، وكيف ركّزت جهات على طرف واحد وحاكمته، فيما لم يحاسب الطرف الثاني رغم ما وثقته المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، وهي مؤسسة رسمية معينة من قبل السلطة.
بعد هذا السرد، من حق الرأي العام أن يفرق بين الجهة التي يثق بها وفي سلامة إجراءاتها، والجهة التي لا يثق بها؛ بين الطرف الذي يصدّقه، والطرف الذي يكذبه؛ وبين من يعتد ببياناته، ومن لا يؤخذ بأقواله.
حقيقة الأوضاع في البلد تكمن هنا، فليس كل ما يقال يصدق، وفي الكثير من الأحيان يؤخذ الصدق من نقيضه.
الحادثة التي شهدها سجن «الحوض الجاف» في أغسطس 2013، تعيد نفسها بشكل مختلف، على أقل تقدير في سجن «جو» وما شهده من أحداث وصفت من قبل الأجهزة الرسمية بـ «تمرد».
الأمانة العامة للتظلمات قالت يوم الأربعاء (18 مارس/ آذار 2015) إنها تلقت عدد (105) طلبات مساعدة من ذوي وأهالي بعض نزلاء السجن، شملت المطالبة بالاطمئنان على أحوال هؤلاء النزلاء، والاستفسار عن الخدمات المقدّمة لهم مثل الزيارات والاتصالات. إذ نعلم جميعاً أن تلك الطلبات الكثيرة متعلقة بالأحداث التي شهدها سجن جو.
ليس مستبعداً أبداً، بل متوقع أن تتم محاكمة موقوفين بتهمة «التمرد» في سجن «جو»، بينما لن يتم الحديث أبداً عن ما تعرض له الموقوفون داخل السجن من انتهاكات، فالمشهد قد يعيد نفسه، حتى لو وثقت التقارير «الرسمية» ما وصفته بـ «العقاب الجماعي» والتعذيب والإهانات الطائفية وسوء المعاملة وغيرها، وما يندرج تحت وصف سياسة «الإفلات من العقاب»، التي لن تغلق الباب أبداً بل تتركه مفتوحاً على مصراعيه في ظلّ أن مثل هذه القضايا لا تسقط بالتقادم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018