ارشيف من :أخبار لبنانية

طرابلس و«مجلس الإنماء»: «كل عضّة بغصّة»

طرابلس و«مجلس الإنماء»: «كل عضّة بغصّة»

غسان ريفي - صحيفة "السفير"

لم تأتِ «ثورة» طرابلس على مرأب التل من فراغ، فالحراك المدني والشعبي الرافض لهذا المشروع الذي ينفذه مجلس الإنماء والإعمار بكلفة 24 مليون دولار من مبلغ المئة مليون الذي أقرّته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي باقتراح من وزير المال محمد الصفدي، لا يقتصر فقط على أن المشروع ليس له جدوى إنمائية ولا يشكل أولوية، بل لأن التجارب السابقة في مشاريع مماثلة كانت غير ناجحة، وقد ساهم بعضها في تشويه مناطق أثرية بكاملها.

وقد أدى هذا الأمر إلى حرمان طرابلس من مئات ملايين الدولارات من حصتها في الإنماء، وهي ذهبت أدراج الرياح بفعل مشاريع ارتجالية ونفعية بعضها لم يستخدم وتحوّل إلى خردة، وبعضها الآخر لم ينفذ بحسب دفتر الشروط بسبب غياب الرقابة، أو أنه لا يزال ينتظر أن يبصر النور، رغم مرور سنوات طويلة على وضع الحجر الأساس له.

يتعاطى أبناء طرابلس مع مشاريع «مجلس الإنماء والإعمار»، وفي مقدمتها مرأب التل، على قاعدة: «ننفخ على اللبن لأن الحليب كوانا»، خصوصاً أن أكثرية المشاريع التي أقرتها الحكومة منذ العام ألفين، لم تسهم في إحداث أي تغيير إيجابي في المدينة لا على صعيد الإنماء، ولا على صعيد تحسين صورتها، ولا على صعيد تحريك العجلات الاقتصادية والتجارية والسياحية فيها، بل على العكس فإن بعضها كان وبالاً على المدينة وأساء الى صورتها.

ثمة العديد من علامات الاستفهام تطرح في طرابلس اليوم لجهة: لماذا يتم التعاطي مع المدينة بهذا الاستخفاف وبهذه الفوقية من قبل مجلس الإنماء والإعمار؟ ولماذا لم يصل أي مشروع منذ سنوات في الفيحاء إلى خاتمته السعيدة؟ ولماذا لا يصار إلى تأمين الصيانة للمشاريع التي تنفذ بما يؤدي إلى تصدعها على غرار ملعب طرابلس الأولمبي الذي كلّف أكثر من 22 مليون دولار، وأدّى غياب الصيانة الى تلف عشبه وانهيار مقصورته وتصدّع أقسامه قبل أن يفقد وظيفته ويتحول الى ثكنة عسكرية؟ ولماذا تنتهي المشاريع على اختلافها في المدن والمناطق اللبنانية الأخرى بحسب المدة المتفق عليها في دفاتر الشروط وتنفذ كلها بحسب المواصفات، بينما في طرابلس تنتظر سنوات طويلة ومن دون الالتزام بالمواصفات؟ ولماذا تشرف الأجهزة الرقابية على المناقصات في المناطق الأخرى، وتغضّ النظر عن الالتزامات بالتراضي في طرابلس، كما حصل في دراسة المرأب وتنفيذه التي لزمت الى شركات محظية سياسياً؟ أين قيادات طرابلس من كل ما يحصل؟ وأين البلدية؟ أم أن التبعية السياسية هي التي تفرض نفسها على طرابلس فتشركها بالغرم عندما تدعو الحاجة وتحرمها من كل غنم؟

تطول اللائحة لدى أبناء طرابلس وهم يعددون المشاريع التي نفذها مجلس الإنماء والإعمار من دون جدوى، بدءاً بالملعب الأولمبي، مروراً بمحطة التكرير التي أنشئت عند رأس برج النهر، ودشنها الرئيس فؤاد السنيورة عشية انتخابات العام 2009 من دون أن تصل المياه الآسنة إليها وهي لا تزال تنتظر حتى اليوم، وقد تحوّلت الى خردة بفعل عوامل الطبيعة لكونها قائمة عند شاطئ البحر، إضافة الى الأوتوستراد الذي يربط عاصمة الشمال بالبداوي الذي جاءت دراسته الأولية لتقطع التواصل بين طرابلس والميناء بقطع شارعي عزمي والمئتين، قبل أن يُصار الى تعديلها.

لكن المشروع لا يزال في علم الغيب، رغم قيام السنيورة بوضع الحجر الأساس له في العام 2009 عندما كان رئيساً للحكومة، فضلاً عن مشروع الإرث الثقافي الذي كان من المفترَض أن يبصر النور منذ سنوات ويساهم في إحياء المدينة القديمة وكورنيش النهر، وفي تحويلها الى حدائق تمتد من التكية المولوية الى جامع البرطاسي، لكن التنفيذ جاء عكس كل الدراسات وضرب تلك المنطقة التاريخية برمّتها، ومما زاد الطين بلة سقف نهر أبو علي الذي تحوّل مجراه الى مكبّ للنفايات في ما تحوّل سطحه سوقاً عشوائياً لبيع الأحذية القديمة يُضاف الى سائر العشوائيات المنتشرة في المدينة، وصولاً الى مرأب التل الذي تفوح منه روائح السمسرات والصفقات والذي تكاد المدينة تقف صفاً واحداً ضدّ كل المتحمّسين له، وضد تنفيذه لما سيكون له من انعكاسات سلبية على وسط طرابلس الذي يشكل الملاذ الأخير لأية عملية إنماء.

يقول بعض المتابعين في طرابلس: إن ما يتم التداول به من مشاريع غير ناجحة هو غيض من فيض، لافتين الانتباه الى أنه رغم أن رئيس مجلس الإنماء والإعمار المهندس نبيل الجسر هو ابن طرابلس، لكن العلاقة مع المجلس منذ سنوات طويلة ينطبق عليها المثل الشائع: «شو بدّي أتذكر منك يا سفرجلة كل عضة بغصّة».
2015-03-24