ارشيف من :أخبار عالمية

إدعاء «المظلومية»... ومفهوم «الأنانية»

إدعاء «المظلومية»... ومفهوم «الأنانية»
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية

منذ فبراير/ شباط 2011 وحتى يومنا هذا، نجد أقلاماً وكتاباً كثيرين يتهمون طيفاً كبيراً في هذا البلد، بـ «ادعاء المظلومية»، وذلك عندما تحرك ذلك الطيف للمطالبة بحقوقه المسلّم بها والطبيعية، والتي لا يمكن لأحد أن يجادل بشأنها، ولذلك يبرر الكثيرون منهم التعدّي على حقوق ذلك المكوّن الكبير، بحجج شتى، أهمها «الحفاظ على مكتسبات طائفة بعينها»!

هل صحيح أن المطالب التي طرحها طيف واسع من الشعب في فبراير 2011 كانت نتاج فلسفة «المظلومية» أم كانت حقيقة أزمة سياسية؟ بعيداً عن التنظير دون دليل، وبعيداً عن «الفبركة الإعلامية»، ومحاولات الشحن الطائفية التي أثبتنا من قبل مَن اصطنعها وأوجدها، وحرّك أدواتها.

هل التوزيع العادل والمتساوي بين المواطنين في الدوائر الانتخابية نتاج فلسفة «المظلومية» غير الحقيقية؟ أم هو أمرٌ إنساني لا يمكن أن يرفضه إلا «أناني» يرى في نفسه أعلى وأفضل من الآخرين، ويفرّق بين البشر ويميّز بينهم بسبب انتمائهم أو دينهم أو لونهم أو فكرهم الديني أو السياسي.

هل المطالبة بالتوظيف في بعض القطاعات الخاصة نتاج ذلك أيضاً؟ وهل المطالبة بالتوزيع العادل للثروة هو نتاج مظلومية أيضاً؟ وهل هدم المساجد التي ذكرها بسيوني في تقريره نتاج خرافة المظلومية؟ وهل تعرض بعض السجناء للتعذيب داخل السجون الذي وثّقة تقرير تقصي الحقائق «الرسمي»، كان نتاج تعاطف من السيد محمود شريف بسيوني و«دعاء المظلومية مثلاً؟

في قبال ذلك الإدعاء واتهام مكوّن كبير بـ «ادعاء المظلومية»، برز جانب آخر يمكن وصفه أيضاً بـ «مفهوم الأنانية»، اتخذته قيادات «سياسية» و«إعلامية» و«ثقافية» لمكوّن آخر، يقوم على أساس «حفظ المكتسبات الطائفية» التي ضمنتها السلطة لهم مقابل مواقفهم، و«فزعتهم» ضد المكوّن الآخر، في واقع يجسد الطائفية العمياء التي نعيشها.

أعلم بأنه سيخرج البعض ليتهمني بـ «الافتراء» كالعادة، ولكن وكما يقال «من فمك أدينك»، فاعترافات تلك القيادات والتكوينات السياسية موثّقةٌ، لا تحتاج للكثير من التأمل لتفسيرها، وكذلك رفضهم للإصلاح والمساواة والعدالة خوفاً من الطائفية، ففضلوا القمع والسلب وكل الانتهاكات، للحفاظ على «أفضليتهم» و«امتيازاتهم» التي اكتسبوها على أعناق إخوةٍ لهم في الوطن قبل الدين.

من أولئك من ذهب إلى التهديد باستخدام تنظيم «القاعدة وأخواتها» في حال ضغطت القوى العالمية على السلطات لفرض الديمقراطية! فتحدّثوا علانيةً بأن «التطرف السني الذي بدأ ينشط مؤخراً سيتسيّد هو الموقف لا في مواجهة الشيعة فحسب بل حتى في مواجهة المصالح الأميركية، ولن يكون وقتها مجال لاعتدال أو لتنافس قوى سياسية أو نعيم الديمقراطية الذي ترمي به الولايات المتحدة الأميركية طعماً للحالمين».

بل ذهبوا لأكثر من ذلك، عندما تحدّثوا علناً في الصحف المحلية عن «وضع الشيعة في مواجهة السنّة لا في البحرين فحسب بل في دول الخليج»، وعن إعادة «إحياء القاعدة»، و«دفع السنة إلى خيارات محدودة تجاه الشيعة»! كل ذلك فقط من أجل عدم إعطاء مكوّن حقوقه السياسية كاملة غير منقوصة، وعدم المساواة بين المواطنين!

مفهوم الأنانية يأتي أيضاً فيما وثّقه التقرير السياسي لـ «تجمع الوحدة» (2011/2012)، والذي كشف عن قبول ذلك المكوّن أن «يُستخدم» كورقة مناهضة ورافضة لمطالب المكوّن الآخر، إذ أن الرفض كان في ظاهره لصالح مكوّنهم في حفظ كيانهم وحقوقهم (وليس حفظ كيان الشعب وحقوقه)، وتحت عنوان كبير جداً وهو «التحصين من طغيان الطائفة إلى الصبر على طغيان القبيلة»!

مفهوم «الأنانية»، يقوم على أساس رفض كل أولئك الذين يتهمون الآخرين بـ «المظلومية»، لفرض المساواة والعدالة السياسية والاجتماعية، فهم يرفضون أبسط الأمور وأوضحها وهي العدالة البشرية بين الناس، ويتمسكون بل يقاتلون من أجل أن يكونوا مميّزين عن الآخرين، وأن لا يتساووا مع كافة أبناء الشعب، فلذلك كانوا يرفضون بشدة التوزيع العادل للدوائر الانتخابية، حتى يحافظوا على مكاسبهم السياسية ليكونوا أغلبيةً مفروضة خلافاً للحقيقة والواقع!

مفهوم «الأنانية»، هي تلك الجماعة التي ترى في تحقيق العدالة بين الناس «محاصصة طائفية»، تقسّم المجتمع البحريني المتماسك جداً! وفي وجهة نظرهم أن تلك المطالب العادلة هي نتاج فلسفة «المظلومية»!.

ولأنهم طائفيون حتى النخاع، فإن مفهوم «المظلومية» فقط لدى الشعب البحريني المحسوب على فئة معينة، ولكن في سورية مثلاً لن تجد ذلك المفهوم، ولن تجده في العراق حتى لو لجأ ذلك المفهوم لـ»داعش»، فهناك يصبحون أصحاب حق ومطالب عادلة وشعب مظلوم ومسلوب حقه، ولكن في البحرين المعادلة مختلفة، لأنهم طائفيون لا يؤمنون أبداً بمفاهيم العدالة الإنسانية والمساواة بين البشر، مهما اختلفت انتماءاتهم وتوجهاتهم واعتقاداتهم.
2015-03-30