ارشيف من :أخبار لبنانية
رصد للحرب اليمنية «المفتوحة».. والتدخل السعودي
صحيفة "السفير" - نبيل هيثم
من ميزات لبنان، أنه واحدة من اكثر الدول تفاعلا مع الأحداث الخارجية، قريبة كانت ام بعيدة، سياسية كانت ام أمنية، او عسكرية، او اقتصادية.. وحتى نووية، وبالتالي اسقاطها على الواقع الداخلي، ومن ثم الانقسام حولها وتبادل القصف السياسي ربطا بها، والمحطات لا تحصى في هذا المجال، وآخرها الحرب السعودية على اليمن. التي ما كادت تشتعل شرارتها، حتى اصطف اللبنانيون بين مؤيد ورافض لها.
من هذه الحقيقة، تنطلق قراءة وسطية في مقاربة تلك الحرب، ومحاولة البحث عن ابعادها وتداعياتها اللبنانية وعلى مستوى المنطقة. وثمة تساؤلات تطرح على مسرح الحرب اليمنية: لماذا سارعت السعودية الى الدخول مباشرة في الحرب العسكرية؟ لماذا تم توقيت الحرب عشية قمة شرم الشيخ ولم يتم توقيتها بعد القمة؟ هل ثمة تقدير حقيقي للواقع اليمني؟ هل هناك تقدير حقيقي لنتائج هذه الحرب؟ هل تعتقد السعودية ان في مقدورها حسم الحرب من الجو؟ ماذا لو جاء من يقنعها بخوض الحرب البرية، فهل تستطيع ذلك؟ وماذا لو لم تنتصر في هذه الحرب فهل تستطيع ان تحتوي التداعيات؟ ايهما اجدى للسعودية في هذه الحرب: الحرب العسكرية المباشرة المفتوحة على نتائج مختلفة الأوجه، ام الحرب الأمنية المخابراتية التي كان يمكن ان تلجأ اليها في اليمن وقد تحقق من خلالها ما قد تعجز على تحقيقه الحرب العسكرية المباشرة، علما انها تملك التمويل اللازم للحرب الأمنية؟.

صحيفة السفير اللبنانية
كل تلك الاسئلة، لا تملك القراءة الوسطية اجوبة عليها، خاصة أن الحرب اختتمت اسبوعها الاول بكثير من الضحايا اليمنيين وبدمار هائل في البنية العسكرية والتحتية والمدنية اليمنية، ولكن من دون ان تحقق النتائج التي تريدها السعودية، اي الحاق الهزيمة بالحوثيين. من هنا يبدو اصلح عنوان لتلك الحرب هو «حرب عرض العضلات» لا اكثر!
قيل لصاحب القراءة «إن ثمة من اعتبر الحرب السعودية بلا افق، واستمرارها الى مدى بعيد سيؤثر حكما على دور المملكة في المنطقة، إذ مهما بلغت طلعاتها الجوية وحملاتها الاعلامية والدعائية، فلن تستطيع ان تحارب على عدة جبهات في آن واحد، فهذه الحرب قد تجعلها تنكفئ عن العراق، وأيضا عن سوريا للتفرّغ للحرب على حدودها».. الا أن صاحب القراءة اكتفى بالقول: إنها حرب مفتوحة!
على ان اللافت للانتباه في تلك القراءة انها تلتقي في مكان ما مع القائلين بأن هناك مستنقع سقطت فيه السعودية، لا بل انها غرقت في الوحل اليمني، وثمة من قال على مسمع صاحب تلك القراءة ان امتداد النار والتوترات من السعودية الى اليمن والبحرين والعراق وسوريا ومصر والاردن وليبيا وصولا الى لبنان لن يكون لها سبيل الى الحل والهدوء الا باعادة توزيع المنطقة، بحيث تتولى مصر ليبيا، والسعودية تتولى اليمن والبحرين والخليج، وايران تتولى العراق وسوريا واما لبنان فتوجد له صيغة لامركزية موسعة تراعي كل المكونات.
واذا كانت القراءة تسجل بشيء من الحزن أن لبنان في قعر الأولويات والاهتمامات الدولية والإقليمية، فإنها تتوقف امام استعجال الاطراف الداخلية في الانقسام حول الحرب في اليمن، الذي قد لا يعدو كونه فرضاً واجباً على كليهما وليس اكثر، إذ ليس من هؤلاء المستعجلين، وعلى ضفتي الانقسام الداخلي، من هو قادر على قراءة كف الحرب وما قد تؤول اليه من نتائج وتداعيات.
لذلك، وأمام انعدام الرؤية، يحاذر الطرفان، وبرغم النبرة العالية المستخدمة في التبادل الخطابي والاعلامي، الذهاب بعيدا في التحدي السياسي، ويتجنبان افتعال اية خضة او ردة فعل يمكن ان تترتب عليها انعكاسات ونتائج خطيرة، فكلا الطرفين يدركان ان لا مصلحة لهما في سلوك هذا المنحى، فمؤيدو الحرب، وعلى رأسهم «تيار المستقبل»، ليسوا قادرين في الاصل على خوض مواجهة في الداخل والربح فيها. واما رافضو تلك الحرب وفي مقدمتهم «حزب الله»، وبالرغم من انه الاقوى في الداخل، لا يريد ان يخلق امامه جبهة اضافية في لبنان. ولذلك هما متفقان، ولو على مضض، على ابقاء الداخل هادئا نسبيا، ومن هنا كان تشديدهما على استمرار الحوار.
ولكن رغم ذلك، فلا تستطيع تلك القراءة ان تشعر باطمئنان كلي على الوضع، او تجزم بعدم انزلاقه الى امكنة غير محسوبة، فهي تخشى مما تسميها «التعبئة الخاطئة» المتزايدة على كل المستويات، سياسيا واعلاميا ومذهبيا وطائفيا، من ان تتفاقم الى حد تصل فيه الامور الى مرحلة، قد لا يكون في مقدور من اعتمد سياسة ضبط النفس على مدى السنوات الماضية، ان يبقى ضابطا نفسه امام هذا التصعيد وتطوره، وبالتالي الدخول في مشكل مكلف.
ماذا عن التداعيات؟ تسأل القراءة الوسطية، ثم تجيب «لم تظهر بعد، لكنها ستظهر حتما، خاصة ان هذه الحرب مفتوحة وستستمر بالحد الادنى لسنوات».
لكن ماذا عن السعودية ولبنان؟ تلفت القراءة الوسطية الى انه من الخطأ الاعتقاد او التفكير بانكفاء للدور السعودي في لبنان. لكن ما يمكن الجزم به حاليا هو ان لبنان في هذه الفترة لا يشكل أولوية في الأجندة السعودية، ويقرأ ذلك في ارتباك حلفائها، وفي عدم حماستها الى إنجاز الاستحقاق الرئاسي، وفي توقيف المال عن الجمعيات التي لها صلة تاريخية بالسعودية.
من ميزات لبنان، أنه واحدة من اكثر الدول تفاعلا مع الأحداث الخارجية، قريبة كانت ام بعيدة، سياسية كانت ام أمنية، او عسكرية، او اقتصادية.. وحتى نووية، وبالتالي اسقاطها على الواقع الداخلي، ومن ثم الانقسام حولها وتبادل القصف السياسي ربطا بها، والمحطات لا تحصى في هذا المجال، وآخرها الحرب السعودية على اليمن. التي ما كادت تشتعل شرارتها، حتى اصطف اللبنانيون بين مؤيد ورافض لها.
من هذه الحقيقة، تنطلق قراءة وسطية في مقاربة تلك الحرب، ومحاولة البحث عن ابعادها وتداعياتها اللبنانية وعلى مستوى المنطقة. وثمة تساؤلات تطرح على مسرح الحرب اليمنية: لماذا سارعت السعودية الى الدخول مباشرة في الحرب العسكرية؟ لماذا تم توقيت الحرب عشية قمة شرم الشيخ ولم يتم توقيتها بعد القمة؟ هل ثمة تقدير حقيقي للواقع اليمني؟ هل هناك تقدير حقيقي لنتائج هذه الحرب؟ هل تعتقد السعودية ان في مقدورها حسم الحرب من الجو؟ ماذا لو جاء من يقنعها بخوض الحرب البرية، فهل تستطيع ذلك؟ وماذا لو لم تنتصر في هذه الحرب فهل تستطيع ان تحتوي التداعيات؟ ايهما اجدى للسعودية في هذه الحرب: الحرب العسكرية المباشرة المفتوحة على نتائج مختلفة الأوجه، ام الحرب الأمنية المخابراتية التي كان يمكن ان تلجأ اليها في اليمن وقد تحقق من خلالها ما قد تعجز على تحقيقه الحرب العسكرية المباشرة، علما انها تملك التمويل اللازم للحرب الأمنية؟.

صحيفة السفير اللبنانية
كل تلك الاسئلة، لا تملك القراءة الوسطية اجوبة عليها، خاصة أن الحرب اختتمت اسبوعها الاول بكثير من الضحايا اليمنيين وبدمار هائل في البنية العسكرية والتحتية والمدنية اليمنية، ولكن من دون ان تحقق النتائج التي تريدها السعودية، اي الحاق الهزيمة بالحوثيين. من هنا يبدو اصلح عنوان لتلك الحرب هو «حرب عرض العضلات» لا اكثر!
قيل لصاحب القراءة «إن ثمة من اعتبر الحرب السعودية بلا افق، واستمرارها الى مدى بعيد سيؤثر حكما على دور المملكة في المنطقة، إذ مهما بلغت طلعاتها الجوية وحملاتها الاعلامية والدعائية، فلن تستطيع ان تحارب على عدة جبهات في آن واحد، فهذه الحرب قد تجعلها تنكفئ عن العراق، وأيضا عن سوريا للتفرّغ للحرب على حدودها».. الا أن صاحب القراءة اكتفى بالقول: إنها حرب مفتوحة!
على ان اللافت للانتباه في تلك القراءة انها تلتقي في مكان ما مع القائلين بأن هناك مستنقع سقطت فيه السعودية، لا بل انها غرقت في الوحل اليمني، وثمة من قال على مسمع صاحب تلك القراءة ان امتداد النار والتوترات من السعودية الى اليمن والبحرين والعراق وسوريا ومصر والاردن وليبيا وصولا الى لبنان لن يكون لها سبيل الى الحل والهدوء الا باعادة توزيع المنطقة، بحيث تتولى مصر ليبيا، والسعودية تتولى اليمن والبحرين والخليج، وايران تتولى العراق وسوريا واما لبنان فتوجد له صيغة لامركزية موسعة تراعي كل المكونات.
واذا كانت القراءة تسجل بشيء من الحزن أن لبنان في قعر الأولويات والاهتمامات الدولية والإقليمية، فإنها تتوقف امام استعجال الاطراف الداخلية في الانقسام حول الحرب في اليمن، الذي قد لا يعدو كونه فرضاً واجباً على كليهما وليس اكثر، إذ ليس من هؤلاء المستعجلين، وعلى ضفتي الانقسام الداخلي، من هو قادر على قراءة كف الحرب وما قد تؤول اليه من نتائج وتداعيات.
لذلك، وأمام انعدام الرؤية، يحاذر الطرفان، وبرغم النبرة العالية المستخدمة في التبادل الخطابي والاعلامي، الذهاب بعيدا في التحدي السياسي، ويتجنبان افتعال اية خضة او ردة فعل يمكن ان تترتب عليها انعكاسات ونتائج خطيرة، فكلا الطرفين يدركان ان لا مصلحة لهما في سلوك هذا المنحى، فمؤيدو الحرب، وعلى رأسهم «تيار المستقبل»، ليسوا قادرين في الاصل على خوض مواجهة في الداخل والربح فيها. واما رافضو تلك الحرب وفي مقدمتهم «حزب الله»، وبالرغم من انه الاقوى في الداخل، لا يريد ان يخلق امامه جبهة اضافية في لبنان. ولذلك هما متفقان، ولو على مضض، على ابقاء الداخل هادئا نسبيا، ومن هنا كان تشديدهما على استمرار الحوار.
ولكن رغم ذلك، فلا تستطيع تلك القراءة ان تشعر باطمئنان كلي على الوضع، او تجزم بعدم انزلاقه الى امكنة غير محسوبة، فهي تخشى مما تسميها «التعبئة الخاطئة» المتزايدة على كل المستويات، سياسيا واعلاميا ومذهبيا وطائفيا، من ان تتفاقم الى حد تصل فيه الامور الى مرحلة، قد لا يكون في مقدور من اعتمد سياسة ضبط النفس على مدى السنوات الماضية، ان يبقى ضابطا نفسه امام هذا التصعيد وتطوره، وبالتالي الدخول في مشكل مكلف.
ماذا عن التداعيات؟ تسأل القراءة الوسطية، ثم تجيب «لم تظهر بعد، لكنها ستظهر حتما، خاصة ان هذه الحرب مفتوحة وستستمر بالحد الادنى لسنوات».
لكن ماذا عن السعودية ولبنان؟ تلفت القراءة الوسطية الى انه من الخطأ الاعتقاد او التفكير بانكفاء للدور السعودي في لبنان. لكن ما يمكن الجزم به حاليا هو ان لبنان في هذه الفترة لا يشكل أولوية في الأجندة السعودية، ويقرأ ذلك في ارتباك حلفائها، وفي عدم حماستها الى إنجاز الاستحقاق الرئاسي، وفي توقيف المال عن الجمعيات التي لها صلة تاريخية بالسعودية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018