ارشيف من :أخبار لبنانية

سليمان فرنجيّة... الدور المستعاد

سليمان فرنجيّة... الدور المستعاد
ابراهيم الأمين، الاخبار

لم يغب سليمان فرنجية عن المشهد قط. في السنوات السابقة، كان الرجل في قلب الحدث، لكن واقعه السياسي تأثر بأمور كثيرة. خسر الانتخابات النيابية. كرّس العماد ميشال عون زعيماً للمسيحيين. عاد سمير جعجع إلى العمل ضده في الشمال وفي منطقته تحديداً. تولت الولايات المتحدة الأميركية والسعودية تغطية منافسيه المحليين وتمويلهم، ولا سيما آل معوّض، بينما تولى البطريرك الماروني نصر الله صفير تغطية منافسيه داخل العائلة ودعمهم، ولا سيما سمير فرنجية. أما تيار «المستقبل»، فقد واصل حملة تحريض طائفية عليه بقصد محو تأثيره السياسي في طرابلس ومناطق شمالية، وخصوصاً عند السنّة، فيما كان الفريق الحليف له في لبنان أو في سوريا في موقع دفاعي.

لكن فرنجية لم يتصرف للحظة واحدة على قاعدة أنه انهزم. لم يجد ما يبرر أي تبديل في موقفه السياسي أو حتى في تحالفاته. وعندما صار قريباً وحليفاً للعماد عون، لم يفعل ذلك على طريقة «بقايا» غازي كنعان، كما هي حال المتن الشمالي. صارت علاقته أوثق بحزب الله وقامت صداقة بينه وبين السيد حسن نصر الله. لم يتوقف عن نقده اللاذع لمن يرى ضرورة لذلك، ولم يعمد إلى استغلال وصول العماد ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية، بل قد يكون هو الوحيد الذي قال له كلاماً واضحاً وقاسياً في أثناء التفاوض السابق لانتخابه، وهو الوحيد الذي حافظ على ودّ معه حتى في ظل الانتخابات الأخيرة.
في 7 حزيران الماضي، كان فرنجية وأنصاره على موعد مع معركة استرداد الموقع التمثيلي. قانون القضاء أنصف فرنجية، ولو أنه أضر بالآخرين، والحشد الاستثنائي الذي وقف بوجهه مع كمية الأموال الهائلة لم يحُل دون رفع فرنجية قوته التجييرية في القضاء بما نسبته 15 إلى 20 في المئة، عمّا كانت عليه في عام 2005. ومع ذلك، أخذ في الاعتبار ـــــ ربما أكثر من غيره ـــــ هذه النتائج، ووجد فيها ما يوجب العمل بطريقة مختلفة، وعلى صعد مختلفة.
المراجعة التي يقوم بها فرنجية، أتاحت له أن يتحدث بصراحة عما يعتقد أنه خطأ في التكتيك والممارسة وخلافه. قال هذا الكلام في جلسات عدة جمعته إلى العماد عون، وفي لقاء تقويم مع السيد نصر الله، وفي لقاء مراجعة شاملة عقده أخيراً مع الرئيس السوري بشار الأسد.

يعود فرنجية اليوم أقوى من السابق. صحيح أنه كان في قلب دائرة القرار في تجمّع قوى المعارضة، لكنه لم يكن ينزع في اتجاه أدوار يعتقد أنها ليست له، فظل على الدوام في موقع من يقدم استشارة أو نصيحة أو أكثر من ذلك، لكنه اليوم في قلب دائرة القرار، ولديه موقفه المؤثر في الآخرين من الشركاء والحلفاء. وبقيت ثوابته هي هي: العماد عون الرمز السياسي الأول لدى المسيحيين، وعنده شخصياً. والمغريات التي تقدم إلى فرنجية مباشرة أو مواربة من فريق الأكثرية ورعاته الإقليميين لا تفيد في زحزحته قيد أنملة عن موقعه اللصيق بعون، وهو لن يقدم على أي خطوة تجاه ملف الحكومة أو مؤسسات السلطة إلا بالاتفاق مع عون، وهو أصلاً يجمّد صلات كان يمكن القيام بها لإشعار الجميع بأن من يفكّر بفك ارتباطه مع العماد عون إنما هو واهم.

وفرنجية الذي يقوم الآن بمراجعة، ويدعو إلى التفاعل مع التطورات الجارية من خلال توسيع دائرة التواصل والحوار مع الجميع، لا يقوم بذلك رغبة في انتزاع مساحة إضافية، وحواره القائم مع سامي الجميّل له حدوده في السياسة. والودّ مع الرئيس سليمان لا يجعله يقبل بأي تنازل من حصة المعارضة لمصلحة الرئيس في تركيبة الحكومة الجديدة. والتواصل غير المباشر القائم مع سعد الحريري من خلال مساعده قبلان يمّين لا ينشط كفاية، وفرنجية ليس حزيناً على ذلك، وهو الآن من الصقور في المعارضة، ولا يجد ما يفرض التنازل عن الثلث الضامن تحت أي اعتبار، وهو يعرف سوريا ولم يكن يحتاج إلى أن يسمع من الأسد: لن نقدم على شيء دون موافقتكم.

في الفترة المقبلة، سيقدم فرنجية على خطوات إضافية لتعزيز مواقعه ومواقفه. وهو في الشكل سيكون حاضراً دائماً، مع ما يفرض ذلك من خطوات، بما فيها استعداده للانتقال قريباً للإقامة في منزل جديد في بيروت أو ضواحيها. وسيكون في قلب النشاط السياسي لكتلة التغيير والإصلاح، وعلى تشاور مفتوح ومباشر مع قيادتي حزب الله وحركة أمل، وسيدرس جيداً طريقة مشاركته في الحكومة المقبلة، ولا سيما أنه ما زال مصرّاً حتى اللحظة على عدم حضوره شخصياً، بل يريد حقيبة فعالة.

يدخل سليمان فرنجية الآن مرحلة ممارسة الدور المستعاد، مع خبرة أكبر وقدرة على المواكبة ستجعل إقامته في بيروت عنواناً سياسياً إضافياً.
2009-07-09