ارشيف من :أخبار لبنانية

امتحان جديد لباراك أوباما

امتحان جديد لباراك أوباما

"الخليج" - جميل مطر
 

بلد لا يعرف موقعه على خريطة العالم إلا الجغرافيون وبعض الدبلوماسيين وموظفون في الأمم المتحدة، ومع ذلك احتل موقع الصدارة بين عناوين الصحف العالمية وقليل من صحف في العالم النامي لا تنأى بنفسها عن العالم الخارجي. إنها هندوراس، إحدى أفقر خمس دول محشورة في لسان يربط أمريكا الشمالية بالجنوبية، وإحدى أفقر دول العالم قاطبة حيث يعيش تحت خط الفقر فيها أكثر من 70% من السكان البالغ عددهم حوالي سبعة ملايين، وهي أيضا إحدى الدول التي تحرص الولايات المتحدة منذ عقود عديدة على الاحتفاظ بقاعدة عسكرية فيها، وحرصت في السابق، وحتى عهد قريب، على وضع اقتصادها أمانة في عنق عدد من العائلات المحلية والشركات الأجنبية تنهب بحرية مطلقة. وأسست جيشاً يتولى حماية الدولة وممتلكات النخبة المتميزة من عواقب غضب الفقراء والمنهوبين، ويقوده ضباط دربتهم مدرسة “الأمريكان” في الولايات المتحدة على محاربة اليساريين ومكافحة ما يسمى بالإرهاب وتهريب المخدرات وفلول المعارضة السياسية إذا احتاج الأمر.


كل هذا لا يبرر أن تتصدر أنباء هندوراس عناوين الصحف واهتمامات وزارات الخارجية، فكل ما جاء في السطور السابقة وأكثر منه ينطبق بدرجة أو بأخرى على دول كثيرة في أمريكا اللاتينية وفي قارات أخرى وبخاصة في الشرق العربي. ففي معظم أنحاء القارة اللاتينية الفقر مدقع وراسخ وتجري تقوية مظاهره ليبقى الفقراء داخل مدن الصفيح لا يخرجون منها إلى المدن وقد أحاطت بعششهم الأسوار وكلاب الحراسة، وليبقى عمال المناجم على حد الكفاف والانكسار لا يطالبون بزيادات في الأجور، ويبقى السكان الأصليون المنحدرون من أصول هندية نقية أو مخلوطة بدماء إسبانية وبرتغالية وإفريقية، يبقون في قراهم التاريخية فوق التلال والجبال محرومين من حقوق التحضر والتعليم والمشاركة.


الجديد الوحيد الذي حدث وجعل هندوراس محط اهتمام إقليمي ثم عالمي هو أن جيشاً من جيوش أمريكا الجنوبية عاد يتدخل في السياسة بعد سنوات كاد العالم يصدق أن مسيرة تولي العسكريين الحكم قد توقفت وصارت تاريخاً. جاء وقت طويل كانت فيه الحكومات العسكرية السمة الغالبة في أمريكا الوسطى والجنوبية. كان العسكر الثابت الوحيد في السياسة وكان الحكام من أصول مدنية هم الاستثناء إلى أن نشبت “ثورة الانتقال إلى الديمقراطية”. نشبت هادئة وسلمية ومن دون تدخل من العسكر وليست ضد العسكر ولكن ضد تدخلهم في السياسة. وبفضل هذه الثورة تغيرت قواعد السياسة والحكم وتغيرت معها عقائد الاقتصاد والمجتمع، إذ تمردت الطبقة الوسطى والنخب المثقفة والطبقات المقهورة وبخاصة السكان الأصليون على ما يسمى بإجماع واشنطن وهو بالمناسبة لا يزال عقيدة العديد من الطبقات الحاكمة في العالم العربي. هناك في أمريكا الجنوبية قررت الطبقات المنهوبة استعادة كرامة المواطن عن طريق التحول المتدرج ومن دون استخدام أي درجة من درجات العنف إلى اقتصاد يقيد فرص الفساد والاحتكار ونهب الثروات التي كانت تمارس تحت عناوين فتح الباب أمام الاستثمارات والمغامرين الأجانب وبيع أصول الدولة وممتلكاتها بل وأبسط واجباتها مثل الرعاية الاجتماعية والصحية للمسنين وأصحاب المعاشات.


ومنذ سنوات قليلة وصل إلى الحكم في هندوراس زعيم سياسي تدعمه النقابات وجموع الفلاحين والسكان الأصليين، وأعلن انضمامه إلى تحالف البديل البوليفاري الذي يقوده هوجو شافيز رئيس جمهورية فنزويلا ويضم في عضويته إيفو موراليس رئيس بوليفيا وقوريا رئيس الإكوادور ومانويل أورتيجا رئيس نيكاراجوا وآخرين متعاطفين مثل كريستينا رئيسة الأرجنتين ولولا دي سيلفا رئيس البرازيل وباتشليث رئيسة شيلي. هؤلاء جمعتهم الرغبة في تخليص بلادهم من سياسات ميلتون فريدمان في الاقتصاد وكراهيتهم لجورج بوش وسياساته الخارجية.


كان واضحاً على امتداد السنوات العشرين الأخيرة أن التيار الساعي إلى الانتقال من الاستبداد والإقطاع المالي إلى الديمقراطية الاجتماعية في القارة الجنوبية متصاعد ويكتسب زخماً ودعماً شعبياً، ثم ظهر واضحاً أن وصول باراك أوباما إلى منصب الرئاسة في الولايات المتحدة يؤشر إلى مستقبل أفضل للعلاقات بين الولايات المتحدة ودول أمريكا الجنوبية، إذ حظي أوباما منذ اللحظة الأولى بترحيب قوي في الأوساط الشعبية في أنحاء القارة، ولم تصدر عبارات ناقدة لشخصه أو توجهاته إلا من جانب بعض التيارات اليمينية المتطرفة والقطاعات في النخبة الممثلة للاحتكارات الخارجية والمصالح المرتبطة بها في الداخل. كان الأمل، وما زال، أن خطى أمريكا الجنوبية نحو التحرر واستعادة الحقوق والمكانة ستزداد وتتسارع، وجاء الدليل كاشفاً عندما استطاعت القارة الجنوبية إعادة كوبا لمقعدها في منظمة الوحدة الأمريكية بعد خمسين عاماً من المقاطعة والحصار. وجاء دليل آخر لم يكن أقل أهمية عندما تبادل أوباما وشافيز الإعراب عن الرغبة في فتح صفحة جديدة في العلاقات بين حكومة الولايات المتحدة وحكومة فنزويلا التي تعتبر نفسها الممثل للثورة الاجتماعية الجديدة في أمريكا اللاتينية.


وفجأة يقع انقلاب هندوراس ضد رئيس جمهورية منتخب ديمقراطياً يحظى بتأييد قطاعات واسعة من الشعب. وفور ذيوع الخبر حل الارتباك في كل مكان، ليس فقط في واشنطن بل وفى عواصم أوروبية ولاتينية عديدة وتناثرت الأسئلة. كيف يمكن أن يتحرك جيش ويدخل عاصمة ويصل إلى غرفة نوم رئيس الدولة ويختطفه وهو بملابس النوم ويضعه في طائرة ترحل به إلى كوستاريكا؟ كيف يمكن أن يحدث هذا كله وعلى حدود العاصمة يقف خمسمائة جندي أمريكي على أهبة الاستعداد لحماية استقرار حكومات أمريكا الوسطى ضد أي طارئ؟ وفي هذه الحالة تحديداً كان خبر الإعداد للانقلاب قد وصل قبل أيام إلى واشنطن التي، بحسب تصريحات رسمية، طلبت التريث والتروي. هل حقا أوباما غاضب من تصرفات جيش هندوراس؟ أم أن هذا الحادث يؤكد ما يتردد من أن القوات المسلحة الأمريكية لا تزال تتصرف في مواقع كثيرة خارج الولايات بإرادة تبدو مستقلة عن الإرادة السياسية في البيت الأبيض، وأن هناك ما يشبه الاتفاق الضمني على أن يمنح أوباما للمؤسسة العسكرية الأمريكية وقتاً تنهي فيه متعلقاتها “الامبراطورية”؟


ولآخرين قرأت أن انشغال واشنطن وعواصم أوروبا بالتطورات في إيران ربما أوحى لليمين المتطرف وبعض قادة العسكر في أمريكا الجنوبية بالتسلل، حسب تعبير حكام ولاعبي كرة القدم وعشاقها، لتسجيل هدف طال انتظارهم له، قيل كذلك إن الأزمة المالية بدأت تتصدر أبواب الدول الفقيرة والدول متوسطة الحال، ومع وصولها أو قرب وصولها تحركت أو تستعد للتحرك قوى اليمين لدرء احتمالات من بينها احتمال أن تلجأ الحكومات القائمة في كافة أنحاء أمريكا الجنوبية إلى زيادة تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية واحتمال انفجار ثورات شعبية ضد الاحتكارات وقوى الاستبداد أو التسلط.


هل نتماشى مع المتشائمين من مستقبل الديمقراطية فنقول معهم إن أحداث هندوراس، وبخاصة عودة عسكر أمريكا اللاتينية إلى ممارسة هوايتهم المفضلة بالاستيلاء على الحكم، تعني نهاية حقبة ازدهرت خلالها عمليات الانتقال إلى الديمقراطية وخطط التنوير والتشريعات الاجتماعية وسياسات تقييد دور الدين في السياسة وكبح جماح قوى الأمن الداخلي؟ هل نقول معهم إن الديمقراطية عادت مرة أخرى حلماً صعب التحقيق، وإن التاريخ يعود إلى الوراء، يعود إلى الاستبداد وسوء توزيع الثروة لتتوحش السلطة وتتوحش الثروة وبتوحشهما يتوحش الفقر؟
 



2009-07-09