ارشيف من :أخبار لبنانية

بعبدا: آن الأوان لتحديد معنى «الرئيس التوافقي»

بعبدا: آن الأوان لتحديد معنى «الرئيس التوافقي»

نبيل هيثم  - السفير

في أجواء بعبدا اسئلة كثيرة حول حجم دور رئيس الجمهورية في الزمن الحكومي المقبل، وموقعه في حركة المشاورات الداخلية والخارجية الجارية لتشكيل حكومة سعد الحريري، وايّ صيغة حكومية تريدها الرئاسة الاولى، ونظرتها الى الصيغ المتداولة، وهل تعتقد ان «14 اذار» وقوى المعارضة تعتبر ان الرئاسة الاولى «ضمانة الطرفين» بما يرسـِّخ قاعدة «لا اكثرية متحكمة ولا اقلية معطلة». وفي السياق ذاته، هل وصل الفريقان الى قناعة بان رئيس الجمهورية لا يشكل تلك الضمانة، او بالاحرى هل يرى الفريقان انهما لم يعودا في حاجة لان يكون رئيس الجمهورية هو الضمانة؟

«المرآة الرئاسية» تشي بالكثير، وتعكس ملاحظات ومآخذ في شتى الاتجاهات، انما هي تفيد في مكان ما عن تواصل طبيعي «من حين الى آخر» على خط الرئاسات والمراجع السياسية المعنية بتأليف الحكومة، اكان بين بعبدا وعين التينة، او بين بعبدا وقريطم، لكنها لا تعكس وقوفا فعليا على ابسط تفاصيل حركة المشاورات السورية السعودية، ما خلا ما جرى استقاؤه من الجرائد ووسائل الاعلام لا اكثر.

تظهر «المرآة الرئاسية» رفضا قاطعا لتحوّل موقع الرئاسة الى مجرّد «موقع رمزي» او «ديكور» او «ساعي بريد»، والمثير في هذا الرفض، اقترانه بما هو «أبعد من استياء رئاسي» متولـّد عن «التراجع الواضح عن عهود ووعود قطعت في زمن الدوحة وقبل الانتخابات النيابية». تشي المرآة بخيبة امل رئاسية وبأكثر من استنكار نظرة هذا الفريق او ذاك، والتي توحي بأن رئيس الجمهورية لا يشكل الضمانة.

ثمة من يقول في هذا المجال ان الخيبة مردها الى تراجع «14 اذار» عن تأييدها منح رئيس الجمهورية حصة وزارية مهمة تصل الى الثلث الضامن، ويتردد في بعض الاوساط المتابعة للشأن الحكومي بأن ما تطرحه «14 اذار» بالنسبة الى الحصة الوزارية لرئيس الجمهورية قد لا يرقى الى ما يريده، واكثر من ذلك، قد يأخذ منه وزارات اساسية كالداخلية مثلا، علما انه يصر على الوزير زياد بارود كتجربة ناجحة بشهادة الجميع.

ومرد الخيبة من جهة ثانية هو رفض قوى المعارضة اعتبار الرئيس ضمانة على خلفية الانتخابات النيابية، لا سيما في جبيل ، والاهم ان المعارضة لا تريد ان تكرر تجربة وزراء اميل لحود الذين تم جذبهم بالوعود والترغيب الى كنف «14 اذار».
«المرآة الرئاسية» تبرز الاستنكار: «كيف يجوز ان يصل التفكير ببعضهم الى هذا الحد في تجاوز موقع الرئاسة، هل يجوز ان يفكر احد بأن الرئاسة ليست «الضمانة»، ثم ان الظروف تبدلت عن ظروف رئاسة اميل لحود، فكيف لفريق ان يرفض ضمانة رئيس الجمهورية، بينما يرى هذا الفريق الضمانة في «وزير واحد» والمقصود هنا: الوزير الزائد عن الثلث؟».

وبصرف النظر عما تقدم، فإن اهم ما تبرزه «المرآة الرئاسية» هو قرار رئيس الجمهورية باستخدام حقه الدستوري بوضع «فيتو» على اية تشكيلة حكومية لا تراعي الوفاق الوطني، او تشكيلة من لون واحد. الا ان الاهم في هذا السياق، هو ما تفيد به تلك المرآة عن ان الرئيس متمسك بحصة دسمة في الحكومة، واكثر من ذلك، كما يقول مطلعون على الموقف الرئاسي، فإن الرئيس يريد حصة من 7 وزراء، ولا يمانع في الحصول على ستة وزراء.

الا ان الشهية الرئاسية مفتوحة الى ما ابعد من ذلك وصولا الى الثلث «الذي يشكل من خلاله مرتكز العملية التوافقية في لبنان»، ومفتاح الشهية «قناعة» باتت راسخة هنا بأن اعطاء الثلث الضامن للمعارضة صار امرا صعبا جدا، وبالتالي قد تنحو الامور في اتجاه «الثلث الرئاسي» الذي قد يسمى ايضا «الثلث الضامن»، او «الثلث الفارض للوفاق»، او «الثلث الراعي للوفاق»، او «الثلث الحامي للوفاق» او «الثلث المانع انهيار الوفاق».

على ان اهم ما تسلـّط «المرآة الرئاسية» الضوء عليه، هو ان رئيس الجمهورية، وبعدما انطوت فكرة «الكتلة النيابية الوسطية» التي سعى اليها قبل الانتخابات، دخل عمليا في مرحلة السعي لامتلاك «كتلة وسطية وزارية» في حكومة سعد الحريري. وهو مصرّ على احداث نقلة نوعية في موقع ودور رئاسة الجمهورية ، تبدأ معها رحلة رئيس الجمهورية كرئيس حاكم خلافا لفترة الدوحة التي انتهت والتي قضاها كرئيس غير حاكم. واما الوقود الحقيقي لاقلاع هذه الرحلة الرئاسية فلا يستمد من تعزيز «صلاحيات الرئيس»، وهو امر يبدو متعذرا وصعبا، بل من خلال الاستعاضة عنها بتحديد «مسؤوليات للرئيس»، التي تشكل الحكومة احدى محطات تفعيلها وترجمتها الى حصة وزارية رئاسية وازنة وفاعلة وواسعة.

ويستند هذا التوجه الرئاسي الى مندرجات اتفاق الدوحة نفسه، والذي نعاه نهائيا رئيس الحكومة القطري الشيح حمد بن جاسم بقوله ان هذا الاتفاق قد ادى قسطه. الا ان نظرة بعبدا الى هذا الاتفاق ترى فيه بندا ما يزال ينبض، بفعل حاجة الجسم اللبناني اليه، ويتصل بالعملية التوافقية في لبنان ارتكازا على دور رئيس الجمهورية. ومن هنا فإن الموقف الرئاسي يرى ان الوقت حان لتحديد معنى «الرئيس التوافقي» واخراجه من الغموض الذي اكتنفه خلال فترة اتفاق الدوحة وربما لاسباب لها صلة بتمرير الانتخابات الرئاسية آنذاك. الآن اختلفت الظروف، وثمة ضرورة حقيقية لتظهير معنى ومفهوم الرئيس التوافقي، فهل هو كائن سياسي، ام هو كائن غير سياسي، او هو وجهة نظر وطنية تقوم على اساس ترشيد العملية السياسية الوطنية، ويصح ان تتعارض احيانا او تلتقي احيانا مع هذا الفريق او ذاك.
في صدارة المرآة الرئاسية يبرز ايضا قرار رئاسي: في كل الاحوال وحده رئيس الجمهورية يختار حصته الوزارية، واما بالنسبة الى الوزراء الآخرين، فأية معادلة وزارية يتم تثبيتها اكانت 15/10/5 او غيرها فإن الوزير الملك الذي يكمل الثلث الضامن، او الذي يكمل الاكثرية، فإن الرئيس هو الذي يسميه ويوافق عليه الآخرون وليس العكس. ويتسلح الرئيس هنا بحسن اختياره للوزير زياد بارود.


2009-07-09