ارشيف من :أخبار لبنانية

بالدولة القوية.. نعتبر من الحرب

بالدولة القوية.. نعتبر من الحرب

غالب أبو زينب - صحيفة "السفير"

في اللحظة التي كنت أمرّ فيها مع أهلي على خط صيدا القديم الفاصل بين الشياح وعين الرمانة في بيروت، عائداً مما اصطلح عليها بعد ذلك «المنطقة الشرقية»، لاحظت انتشار الجيش اللبناني على مفترقات الطرق، لتتحول بعدها الحياة إلى شيء آخر. ما زال صوت أزيز رصاص القناص مصطدماً بإسفلت شارع أسعد الأسعد (حيث كنت أسكن) تارة أو بجسد المارة تارة أخرى، حاضراً بدويّه وبأصوات استغاثة لا تهدأ، أو بصمت النهاية.

كل تلك الآلام وكل تلك المعارك والقذائف، بقدر ما أرعبتنا، إلا أنها لم تخرجنا مرة من حيّنا. كان هناك ألم محتبس يشي بفظاعات الحرب التي تحولت إلى حروب سرقت جمالات الهدوء والعيش السويّ والبحث عن مستقبل. تحوّلنا نحن الذين كنا نراقب ونتحمس مع الوقت، إلى أداة لدوامة عنف لم نكن نفقه حقيقتها الواضحة كما نراها اليوم، بعيداً عن الجدل أو تحميل المسؤوليات أو التشاطر الحذق لإظهار مظلومية أو الدفاع عن حق أو باطل. هذه الحرب بمعاييرها آثمة كلها، لا تقبل تبريراً لمستقبل، ولا تصلح مرتكزاً لحياة. فضلها الأوحد هي في دروسها وعبرها لحماية الأجيال المقبلة من خطر الانزلاق مجدداً نحو هذا النوع من العنف والقتال ولتبريد بعض الرؤوس الحامية، التي ما زالت إلى اللحظة تظنّ أنها تستطيع استعادة أمجادها الآثمة على حساب دماء شباب لبنان.

إنّ الخلاصات الأساسية التي نريد التشديد عليها هي الآتية:

أولاً، إن الظروف والمعطيات في لبنان، تغيّرت جذرياً بين العام 1975 والعام 2015، فلبنان وبرغم المخاض المؤلم، انتقل من مرحلة الضعف والهوان إلى مرحلة القوة تجاه العدو الإسرائيلي الذي كان يشكل القوة الدافعة والمستفيدة من تدمير لبنان، وشكلت المقاومة في لبنان مقاربة جديدة ساهمت في استقرار كيانية الوطن التي كانت مهدّدة على الدوام من قبل العدو، حيث انتقل لبنان من مقولة قوة لبنان في ضعفه كمكوّن استراتيجي لوجوده إلى قوة لبنان في حضوره الدفاعي عن أرضه وشعبه، وشكل إخراج المحتلّ تكريساً لهذه المعادلة وبناءً لاستراتيجية لبنان القويّ في مقاومته اللبنانية التي غيّرت مفاهيم الضعف والوهن إلى الأبد.

نقول ذلك لنبني عليه تأسيساً سائداً لكننا نحتاج إلى تظهيره في هذه المناسبة، لتصبح المعادلة وفق الآتي أن لبنان القويّ بفضل الجهود والتضحيات الكبيرة للمقاومة والجيش والشعب في وجه العدو الصهيوني، نقل لبنان إلى حالة استقرار وثبات تجلّت في هذه اللحظة بوضوح حاد، ذلك لولا أن لبنان لا يمتلك القوة لردع العدو وللوقوف في وجه الهجمات التكفيرية أو لجمها، لكان لبنان دخل في أتون الدمار الهائل الذي يلفّ معظم دول المنطقة.

إن نعمة الاستقرار التي ولّدتها قوة لبنان في ظل الوضع المتفجر سمحت بأن تدعم الدول ذات التأثير هذا الاتجاه بقوة في لبنان، ونحن مدعوون إلى المحافظة عليه والاستفادة من المناخات القائمة ولمكافحة إرهاب التكفير من أن يدخل بيتنا. صحيح أنه لا يوجد وضع مثالي، لكن الحد الأدنى في لحظة المنطقة المحترقة، هو إنجاز بحدّ ذاته.

ثانياً، بناء عليه، فإن ديمومة الاستقرار تؤمن المدى المطلوب لتحصين لبنان والولوج إلى إجراءات نحتاجها لترسيخ السلم الاجتماعي اللبناني والدفع باتجاه عملنا مع بعضنا البعض لحاضر ومستقبل يحتضنان اللبنانيين في الوطن، ومن المسائل الملحّة في هذا الإطار والتي لا تحتمل التأجيل هو الآتي:

أ ـ إننا في لحظة اهتزاز الدول ومنظوماتها في حاجة ماسّة إلى التحلّق حول مفهوم الدولة والتّمسك بمؤسساتها ورص بنيانها وهيكلها وإخراجها من التنافس السلبي إلى التعاون الإيجابي، ذلك أن انهيار أجهزة الدولة وتحويلها إلى دولة فاشلة يعني إلحاق الأذى بأصل وجود لبنان وسقوط الجميع أمام فرادة هذا البلد وغناه وسقوط آخر معقل ديموقراطي بمعناه التعددي وعيشه المشترك وكل الحريات الأخرى التي صاغت لبنان في وجوده الحضاري، وهذه مسؤولية الجميع.

ب ـ إن الحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها وتقويتها، لا ينفصل مطلقاً عن الحاجة الملحة، إلى ما يمكن أن نصطلح عليه بالأمن الاقتصادي ـ الاجتماعي اللبناني، ذلك أن إبقاء الأمور على ما هي عليه كارثية بالمعايير كلها في ظل الاختناقات الداخلية والإقليمية، فالطريقة المبهَمة الحالية، يمكن أن تشكّل عاملاً سلبياً في إطار البناء الاجتماعي واللحمة الداخلية تزعزع إيمان اللبنانيين وتسمح بالتسرب لخلق توترات مختلفة. لذا فالمسؤولية كبيرة على الجميع في كشف هذا الخراب الاقتصادي والانكشاف الاجتماعي والعمل معاً بعيداً عن المزايدات والشعارات التي تم استهلاكها إعلامياً من دون أي مصاديق عملية.

ج ـ الاستقرار الأمني الداخلي، الذي في حركته الفاعلة والمتواصلة يوفر في هذه الفترة الحساسة غطاء محكماً يمنع إدخال لبنان في متاهات الرعب التفكيرية، وما يجري في الفترة الأخيرة من تفاعل إيجابي، هو ارتقاء بالمسؤولية ينبغي ألا يكون ظرفياً أو إكراهياً فرضته الوقائع الراهنة، لتعود بعدها الاصطفافات المختلفة في الأمن فتفقده دوره الحقيقي والمؤتمن عليه.

إننا في الوقت الذي نحدّد مسائل بعينها نعتقد أنها تشكل عوامل أساسية في الاستفادة من دروس الحروب الداخلية وعبرها وتلافي الناس أسبابها، ندرك أن هناك الكثير من التفاعلات والقضايا التي يخضع لبنان لتجاذباتها وعلى رأسها موقعه في الجغرافيا السياسية سواء على حدود فلسطين المحتلة أم سوريا الملتهبة وما بينهما من تداخلات إقليمية ودولية، لكن هذا ما نعتقده الحد الأدنى الذي يمكن البناء عليه من أجل المستقبل.
2015-04-24