ارشيف من :أخبار لبنانية
من جبال القلمون!
حبيب فياض - صحيفة "السفير"
الطريق إلى الجرود في سلسلة جبال لبنان الشرقية شاقٌّ وصعب. الوصول اليها عبر طريق متعرّجة ووعرة يختصر المسافة بين الوطن وبقائه. لا شيء يوحي بالحياة على امتداد الدرب سوى ما يحمله رجال المقاومة من زخم. يحملون عتادهم ويمضون وهم يعبرون الجسر من حياة مرتهَنة لخطر وشيك، إلى حياة طيبة لا إرهاب فيها. هنالك كل شيء مسكون بالصمت ما عدا عيون المجاهدين والرايات الصفراء التي تحاكي الريح على رؤوس التلال.
في تلكم الجرود ثمة ما يتجاوز الحرب والسياسة. ثمة الأرض والإنسان والقلوب الطيّبة. وثمّة أيضاً ما يتخطى المصلحة الوطنية ومقتضيات المعركة إلى ضرورات البقاء والوجود. الرؤية من مرتفعات القلمون مختلفة. من الأعلى يبدو كل شيء صغيراً، فتختفي التفاصيل أمام امتداد المشهد. المعادلة الحاكمة هناك، لا يختصرها مقاتل يدافع عن شعب ووطن، بل إنسان يدفع شر القتل عن الإنسانية بكل قيمها.
وكأن تلة «مطلّ الهوا» في جرود نحلة تطلّ على العالمين. هي أرض الله الواسعة في لبنان. أينما ولّيت وجهك من حولها فثمة وجه الوطن. الريح في قممها تأوي الى كهوفها، والشمس عن ربوعها لا تغيب. لا شيء يعلوها سوى هامات المجاهدين. هي أرض غير ذي زرع ولكنها تنبت بالمقاومين. فيها من الحنين والشهادة ما يضمن للبنان بقاءه ولسوريا قدرتها على الصمود.
تطلّ منها شرقاً على مواقع الهاربين من مقاتلي «النصرة». ومنها تشرف على ما تبقى من معركة تلة الثلاجة، آخر حصن للمسلحين. ومن ذراها تستشرف نصراً قريباً على مقاتلي «داعش» على امتداد جرود القاع ورأس بعلبك وصولاً الى داخل الأراضي السورية عند مشارف بادية حمص. التلة التي لا يفصلها، من جهة الشمال، عن بساتين عرسال سوى مئات الأمتار، فيها رجال لا يثنيهم شيء عن تحرير جرود البلدة، لتشكل مع جرود يونين من جهة الغرب فكّي كماشة تطبق على الإرهابيين.
في «مطلّ الهوا» جهد لا ينضب. استعدادات المقاومين لا تنتهي. التحضير للمعركة لا يغفل عن أدقّ التفاصيل من الألف الى الياء. التنسيق والتخطيط والإعداد لكل صغيرة وكبيرة، الى جانب التحصينات والتجهيزات والعتاد والرصد والذخيرة والطعام والإسعاف، فضلاً عن وفرة العديد والأفراد. فالمقاومون يقومون بواجباتهم كأنهم يصلّون، ويؤدون جهادهم على نحو الزكاة. مسؤول المقاومة في المنطقة رجل عالي الهمة، شديد التواضع، وواسع الإطلاع. بحرفية عالية، يشرح على الخريطة، كيف تقدّم رجال «حزب الله» وانهزم المسلحون. يؤكد بأن المعركة متواصلة حتى تحرير كامل القلمون وسائر الجرود اللبنانية، ويُلفت إلى نجاح المقاومين، خلال المعارك الأخيرة، في تحرير ما يزيد عن 600 كم من الأراضي السورية واللبنانية، ويشدّد على أن المعركة لن تتوقف قبل دحر المسلحين عن 380 كم مما تبقى من الأراضي التي يحتلونها.
هزيمة التكفيريين قدر محتوم لا مفر منه، يقول أحد المقاومين ردا على سؤال حول أفق المعركة. وماذا عن التعب؟ أجاب بأن الجسد المنهك يستمد قوة من طمأنينة الروح. أما إنجازاته فهي «القضاء على العديد من الإرهابيين». هو لم يقتلهم على خلفية كرهه لهم بل «لأن المعادلة هي إن لم نقتلهم، قتلونا». وعن حبه للأرض التي يقاتل من أجلها، يقول: «الصلاة فيها أكثر قربا إلى الله.. وفيها عروج السماء الى الأرض».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018