ارشيف من :أخبار لبنانية
هل تفضي المفاوضات النووية في فيينا إلى اتفاق شامل؟
علي منتظري ـ "الاخبار"
إن أفضل حالة بين إيران والغرب في المفاوضات النووية الجارية في فيينا حالياً هي كالتالي:
1- مراعاة كل من إيران والغرب لإطار التوافق الحاصل في لوزان.
2- احتفاظ إيران بنشاط حوالى سبعة آلاف جهاز طرد مركزي نشط في إيران.
3- عدم توقف أي برنامج نووي إيراني واستمرار نشاط المواقع النووية في أصفهان، نطنز، طهران، فردو وغيرها من المراكز الرسمية.
4- إلغاء العقوبات المفروضة كافة بسبب البرنامج النووي الإيراني سواء تلك المفروضة من قِبل مجلس الأمن أو تلك الأحادية الجانب من قِبل الولايات المتحدة او الاتحاد الأوروبي، وذلك تزامناً مع بدء تنفيذ الاتفاق النهائي.
5- إمكانية احتفاظ إيران بحق استمرار بالبحوث النووية.
6- أن لا يتم تهديد الأمن الإيراني في قالب جولات تفتيش المراكز العسكرية واستجواب العلماء النوويين الإيرانيين. وبعبارة أخرى أن يغض الغرب النظر عن مطالبته باستجواب هؤلاء العلماء النوويين الإيرانيين وإجراء جولات تفتيش في المراكز العسكرية الإيرانية.
7- عودة الملف النووي الإيراني من مجلس الأمن إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتعامل معه كملف عادي.
8- أن لا تزيد مدة الاتفاق النووي مع إيران عن ثماني سنوات وأن لا تتقيد إيران بعد ثماني سنوات بأي من البنود التي فرضها الاتفاق النهائي.
9- أن تقبل إيران بالبروتوكول الإلحاقي من خلال قرار يصادق عليه مجلس الشورى الإسلامي.
10- أن تقبل إيران بجولات التفتيش العادية والمفاجئة على مراكزها النووية من قِبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
11- أن تجيب إيران على أسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية كافة حول سير البرنامج النووي الإيراني لغاية ما قبل 2003. وبعبارة أخرى أن تجيب إيران على أسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول الأبعاد العسكرية المحتملة لبرنامجها النووي.
12- أن تقبل إيران بتغيير برنامج مفاعل أراك النووي الذي يعمل بالماء الثقيل وأن تحدّ من سقف إنتاج البلوتونيوم من 12 كيلوغراماً إلى كيلوغرام واحد فقط.
13- أن تُطلع إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية على كل برامج بناء المراكز النووية وبرامج البحث والتطوير النووية بالكامل.
14- أن تمنح إيران الوكالة حق القيام بإجراءات تأكيد الوقائع من داخل مراكزها النووية وإثبات سلمية برامجها النووية.
15- أن تلتزم إيران حق تخصيب اليورانيوم بنسبة 5 في المئة أو التخصيب النووي الصناعي، وأن تمتنع بالكامل عن زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم بنسبة عشرين في المئة.
كل هذه البنود ممكنة وقابلة للتطبيق بالنسبة إلى إيران والغرب (مجموعة 5+1)، إذن ما الذي يجعل المفاوضات النووية تبدو معقدة بهذا الشكل؟ لماذا لا يتوافق الجانبان على هذه الأمور الممكنة والقابلة للتطبيق؟ لماذا يتم الإعلان دوماً أن 90 في المئة من النص النهائي قد تم التوافق عليه ولكن ظاهر المفاوضات أن 10 في المئة من القضايا ما زالت عالقة؟
إن سير المفاوضات النووية ما بين إيران والغرب وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية يظهر أن الأميركيين ومنذ بدء المفاوضات قد استهدفوا أصل البرنامج النووي الإيراني. وكان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي قد صرح قبل أيام من بدء المفاوضات النووية الأخيرة بالقول: إن التأمل ودراسة سير المطالب الأميركية يُظهران أنها تهدف لاجتثاث الصناعة النووية من جذورها، وإزالة الماهية النووية للبلد وتحويله إلى كاريكاتور وشعار من دون محتوى.
إن تصريحات قائد إيران لم تكن بلا مبرر. فكالين كوهل، مستشار الأمن القومي لمساعد الرئيس الأميركي، وفي إجابته على أسئلة بعض نواب الكونغرس في ما يخص إزالة البرنامج النووي الإيراني قال: "إنني أعتبر أن مشروع اجتثاث البرنامج النووي الإيراني بالكامل يكمن في توافق نادر وخارق للعادة، لأنه جميل جداً ولكنه في النهاية ليس إلا خرافة، لا يوجد أمامنا أي طريق للوصول إلى هذه النتيجة".
تتحدث إيران منذ سنوات عن قرار سياسي حول المفاوضات النووية ويعتقد البعض أن هذا القرار السياسي يعود إلى صفقة سياسية في الشرق الأوسط وكانوا يتصورون أن أي طريق لحل القضية النووية الإيرانية منوط بحل المشاكل بين إيران والغرب والولايات المتحدة بشكل خاص، ولكن هذا التصور خاطئ. إن القرار السياسي من وجهة نظر إيران يعني أن الغرب والولايات المتحدة يجب أن يصلوا إلى قرار سياسي حول أمور تتعلق بالمفاوضات النووية كثوابت:
1- يحق لإيران امتلاك برنامج نووي إيراني ودورة الوقود النووية كاملة سلمية الأغراض.
2- يحق لإيران التخصيب النووي على أساس الماء الخفيف داخل أراضيها.
3- يحق لإيران التخصيب على أساس الماء الثقيل.
4- يحق لإيران البحث والتطوير النووي.
5- إيران باتت عضواً في النادي النووي العالمي.
6- إيران تسعى إلى تحقيق أغراض سلمية في برنامجها النووي ولا أبعاد عسكرية في هذا البرنامج.
7- إن العقوبات الاقتصادية على إيران بحجة البرنامج النووي ظالمة ولم تمنع التطور النووي.
8- العقوبات المفروضة على إيران بحجة البرنامج النووي من قِبل مجلس الأمن وتلك الغربية الأحادية الجانب يجب أن ترفع.
منذ تسلم الدكتور جواد ظريف وزير الخارجية الإيرانية إدارة ملف المفاوضات النووية، أكد دوماً ضرورة اتخاذ قرارات سياسية شجاعة من قِبل الولايات المتحدة، وهذه البنود الثمانية هي أمثلة بارزة على هذه القرارات السياسية أو الإرادة السياسية.
إن الإدارة الأميركية ومنذ عهد جورج بوش ولغاية باراك أوباما قد اتبعت سياسات مختلفة تجاه إيران والبرنامج النووي، علماً بأن زوال النظام السياسي الإيراني هو أحد الأهداف الرئيسية لأميركا طوال العقدين الماضيين. لقد تمثلت السياسات الأميركية حول البرنامج النووي خلال هذه السنوات في ما يلي:
1- زوال واجتثاث البرنامج النووي حتى لو تطلب ذلك تحركاً عسكرياً.
2- في حال عدم تحقق ذلك إيقاف البرنامج النووي عند النقطة التي وصل إليه.
3- منح إيران الحد الأدنى من الامتيازات في كل جولة من جولات المفاوضات والتوافق المحتمل بين إيران و5+1.
والآن تطوي الولايات المتحدة المرحلة الثالثة من المراحل المشار إليها مع إيران في فيينا. من ناحية أخرى يقال إن باراك أوباما محتاج وبشدة إلى إبرام اتفاق نووي مع إيران، لأنه لم يحقق إنجازاً مهماً طوال فترة إدارته. وأنا أعتقد أن هذه نظرة خاطئة بل وعلى العكس أعتقد أن أميركا حققت كبرى المكتسبات الاستراتيجية الممكنة لها في الشرق الأوسط في عهد أوباما. إن الفوضى في الشرق الأوسط، والنزاعات والحروب الداخلية بين الشعوب والأنظمة في هذه المنطقة ضمن نظرية الحفاظ على المصالح الاقتصادية الأميركية وحفظ أمن إسرائيل، هي منجزات كبرى ومهمة لأوباما وإلا فإن هذه هي سياسة ثابتة من قِبل أميركا طوال العقود الخمسة الأخيرة، إذن لماذا الادعاء بأن إدارة أوباما لم تحقق أي مكتسبات؟
بل إن الأميركيين يرغبون وبشدة بأن يتم إبرام اتفاق نووي مع إيران في هذه المرحلة بالذات، مرحلة الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط لأنهم يرون أنفسهم في موقع أفضل ويعتقدون أن إيران مشغولة جداً بملفات لبنان وسوريا والعراق واليمن وموضوع مواجهة الإرهاب والفكر التكفيري وتنظيم داعش.
ولكن بالنسبة إلى الأميركيين هذه ليست نهاية القصة وهناك إشارات ودلائل على أنه من الممكن الخروج من مفاوضات فيينا بصيغة اتفاق نهائي، ولكن في الوقت نفسه قد لا يتم التوقيع عليه من قِبل أي من الأطراف المشاركة في المفاوضات، وهي صيغة قد تؤدي إلى إيجاد مواجهة بين النظام والشعب في إيران.
وطبقاً لهذه الصيغة تتم تهيئة مسودة الاتفاق النهائي. بعض المصادر الإيرانية أعلنت أيضاً أن هذه الصيغة موجودة ومتفق عليها منذ مدة، ولكن موضوع ما بين الأقواس قد تم وضعه لكسب مزيد من الوقت من قِبل الأميركيين. وعليه فإن نص الاتفاق النهائي قد يعلن وينشر في الإعلام في حين أن أياً من الأطراف لم توقع عليه. وهو نص يعلن للرأي العام العالمي، تعترف فيه الدول الأعضاء في مجموعة 5+1 رسمياً ببرنامج نووي إيراني موجه لأغراض سلمية، وحتى يعلن فيه أن الغرب أبدى استعداداً لرفع العقوبات الاقتصادية لكن إيران رفضت الموافقة على هذا الاتفاق الجيد.
وهذا ما تشير إليه إيران وتصفه بالقرار السياسي في المفاوضات، أي أنه لغاية أن يصل الأميركيون إلى قرار حول أصل الموضوع وأن يوقفوا السعي لتدمير الطرف المقابل لهم في المفاوضات فإن المفاوضات لن تصل إلى نتيجة. وترى إيران أن الأميركيين يسعون في حال عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل في المفاوضات الجارية في فيينا إلى إظهار أن إيران هي المسؤولة عن ذلك، ومن ثم توضع الحكومة الإيرانية أمام الشعب في الداخل والذي يعاني من مشاكل اقتصادية بحجة أن الحكومة قد أضاعت الفرصة من خلال رفضها صيغة الحل النهائي.
مواقف وزير الخارجية الفرنسية وتعيين شروط ثلاثة: حق الوصول إلى كل المواقع النووية وفي حال لزم الأمر تفتيش المواقع العسكرية، توقف كامل للبحث والتطوير النووي لمدة طويلة وإمكانية العودة تلقائياً لفترة العقوبات المفروضة من قبل مجلس الأمن في حال تم إبرام أي نوع من الاتفاق مع إيران، تظهر أنه مرة أخرى تم توزيع الأدوار بين فرنسا والولايات المتحدة وفرض شروط تعجيزية على ميدان المفاوضات. وهو الشيء ذاته الذي حصل في مفاوضات نوفمبر 2014 وأدى إلى فشل المفاوضات حينها.
وحتى حضور يوكيا أمانو، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لساعات عدة في مفاوضات فيينا ولقائه جون كيري وأرنست مونيز وزير الطاقة النووية الأميركية وفابيوس وزير الخارجية الفرنسية (في ظل غياب مثير للتساؤل لعلي أكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة النووية الإيرانية) كل تلك تعتبر إشارات غير مبشرة. ورغم أنه كان قد قال إن الحل والفصل في موضوع الأنشطة النووية الإيرانية السابقة والتي من المحتمل أنها حملت أبعاداً عسكرية لا تعتبر شروطاً للتوصل إلى اتفاق نهائي، ولكنه أثناء مفاوضاته مع وزراء خارجية أميركا وفرنسا أضاف موضوعين زادا من تعقيد سير المفاوضات النووية وهما: تعيين حدود وثغور دقيقة في جولات التفتيش المفاجئة وآلية حل وفصل البحوث العسكرية المزعومة.
ويمكن القول وبكل جرأة إن كل من تابع البرنامج النووي الإيراني سلمي الأغراض والمفاوضات مع 5+1 خلال السنوات العشر الأخيرة قد فهم كثيراً من زوايا هذا البرنامج النووي، ويمكنه الحكم بأن مشكلة البرنامج ليست مشكلة فنية ولا شكوكاً مطروحة حوله، لأن البرنامج النووي الإيراني بات برنامجاً شفافاً أكثر من أي وقت مضى.
هؤلاء الخبراء يعلمون الآن تمام العلم وفي إطار البنود الـ 15 المذكورة أعلاه أن من الممكن حصول توافق ولكن بشرط وجود - كما تتحدث عنه إيران - قرار وإرادة سياسية جادة من قِبل الغرب. وفي ظل هذه القراءة يمكن التفاؤل بسير المفاوضات الجارية في فيينا، والقول بأن التوافق النهائي ممكن، وفي الوقت ذاته يمكن أيضاً التشاؤم وعدم عقد الآمال الكبيرة والقول بأن مفاوضات الاتفاق النهائي الشامل تفضي إلى نتيجة.
عودة الوزير ظريف من فيينا الى طهران يمكن ان تحوي بعض الإشارات الإيجابية المطمئنة والعكس صحيح. يمكن قول هذا استناداً الى التجارب السابقة. الاميركيون ربما غيّروا تكتيك وطريقة الحل النهائي الذي اتبعوه في لوزان، ما جعل الوزير ظريف يراجع القيادات العليا في النظام.
وبحسب بعض وسائل الاعلام الايرانية، نقلاً عن وزير خارجية ألمانيا، إن من الأفضل لإيران ان تتوافق على مشروع الاتفاقية النهائية الشاملة نظراً إلى الأوضاع الراهنة على حدودها (الاوضاع في الشرق الاوسط).
ما هو معلوم أن المحادثات ستنتهي بالنهاية الى توافق بين الاطراف، فيما لو التزمت اميركا بالقواعد التي رسمت سابقاً وحافظ الطرفان على الخطوط الحمر ولم تأت اميركا بشروط جديدة تعجيزية ممكن ان تؤدي بالمحادثات الجارية في فيننا الى الفشل.
إن أفضل حالة بين إيران والغرب في المفاوضات النووية الجارية في فيينا حالياً هي كالتالي:
1- مراعاة كل من إيران والغرب لإطار التوافق الحاصل في لوزان.
2- احتفاظ إيران بنشاط حوالى سبعة آلاف جهاز طرد مركزي نشط في إيران.
3- عدم توقف أي برنامج نووي إيراني واستمرار نشاط المواقع النووية في أصفهان، نطنز، طهران، فردو وغيرها من المراكز الرسمية.
4- إلغاء العقوبات المفروضة كافة بسبب البرنامج النووي الإيراني سواء تلك المفروضة من قِبل مجلس الأمن أو تلك الأحادية الجانب من قِبل الولايات المتحدة او الاتحاد الأوروبي، وذلك تزامناً مع بدء تنفيذ الاتفاق النهائي.
5- إمكانية احتفاظ إيران بحق استمرار بالبحوث النووية.
6- أن لا يتم تهديد الأمن الإيراني في قالب جولات تفتيش المراكز العسكرية واستجواب العلماء النوويين الإيرانيين. وبعبارة أخرى أن يغض الغرب النظر عن مطالبته باستجواب هؤلاء العلماء النوويين الإيرانيين وإجراء جولات تفتيش في المراكز العسكرية الإيرانية.
7- عودة الملف النووي الإيراني من مجلس الأمن إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتعامل معه كملف عادي.
8- أن لا تزيد مدة الاتفاق النووي مع إيران عن ثماني سنوات وأن لا تتقيد إيران بعد ثماني سنوات بأي من البنود التي فرضها الاتفاق النهائي.
9- أن تقبل إيران بالبروتوكول الإلحاقي من خلال قرار يصادق عليه مجلس الشورى الإسلامي.
10- أن تقبل إيران بجولات التفتيش العادية والمفاجئة على مراكزها النووية من قِبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
11- أن تجيب إيران على أسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية كافة حول سير البرنامج النووي الإيراني لغاية ما قبل 2003. وبعبارة أخرى أن تجيب إيران على أسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول الأبعاد العسكرية المحتملة لبرنامجها النووي.
12- أن تقبل إيران بتغيير برنامج مفاعل أراك النووي الذي يعمل بالماء الثقيل وأن تحدّ من سقف إنتاج البلوتونيوم من 12 كيلوغراماً إلى كيلوغرام واحد فقط.
13- أن تُطلع إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية على كل برامج بناء المراكز النووية وبرامج البحث والتطوير النووية بالكامل.
14- أن تمنح إيران الوكالة حق القيام بإجراءات تأكيد الوقائع من داخل مراكزها النووية وإثبات سلمية برامجها النووية.
15- أن تلتزم إيران حق تخصيب اليورانيوم بنسبة 5 في المئة أو التخصيب النووي الصناعي، وأن تمتنع بالكامل عن زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم بنسبة عشرين في المئة.
كل هذه البنود ممكنة وقابلة للتطبيق بالنسبة إلى إيران والغرب (مجموعة 5+1)، إذن ما الذي يجعل المفاوضات النووية تبدو معقدة بهذا الشكل؟ لماذا لا يتوافق الجانبان على هذه الأمور الممكنة والقابلة للتطبيق؟ لماذا يتم الإعلان دوماً أن 90 في المئة من النص النهائي قد تم التوافق عليه ولكن ظاهر المفاوضات أن 10 في المئة من القضايا ما زالت عالقة؟
إن سير المفاوضات النووية ما بين إيران والغرب وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية يظهر أن الأميركيين ومنذ بدء المفاوضات قد استهدفوا أصل البرنامج النووي الإيراني. وكان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي قد صرح قبل أيام من بدء المفاوضات النووية الأخيرة بالقول: إن التأمل ودراسة سير المطالب الأميركية يُظهران أنها تهدف لاجتثاث الصناعة النووية من جذورها، وإزالة الماهية النووية للبلد وتحويله إلى كاريكاتور وشعار من دون محتوى.
إن تصريحات قائد إيران لم تكن بلا مبرر. فكالين كوهل، مستشار الأمن القومي لمساعد الرئيس الأميركي، وفي إجابته على أسئلة بعض نواب الكونغرس في ما يخص إزالة البرنامج النووي الإيراني قال: "إنني أعتبر أن مشروع اجتثاث البرنامج النووي الإيراني بالكامل يكمن في توافق نادر وخارق للعادة، لأنه جميل جداً ولكنه في النهاية ليس إلا خرافة، لا يوجد أمامنا أي طريق للوصول إلى هذه النتيجة".
تتحدث إيران منذ سنوات عن قرار سياسي حول المفاوضات النووية ويعتقد البعض أن هذا القرار السياسي يعود إلى صفقة سياسية في الشرق الأوسط وكانوا يتصورون أن أي طريق لحل القضية النووية الإيرانية منوط بحل المشاكل بين إيران والغرب والولايات المتحدة بشكل خاص، ولكن هذا التصور خاطئ. إن القرار السياسي من وجهة نظر إيران يعني أن الغرب والولايات المتحدة يجب أن يصلوا إلى قرار سياسي حول أمور تتعلق بالمفاوضات النووية كثوابت:
1- يحق لإيران امتلاك برنامج نووي إيراني ودورة الوقود النووية كاملة سلمية الأغراض.
2- يحق لإيران التخصيب النووي على أساس الماء الخفيف داخل أراضيها.
3- يحق لإيران التخصيب على أساس الماء الثقيل.
4- يحق لإيران البحث والتطوير النووي.
5- إيران باتت عضواً في النادي النووي العالمي.
6- إيران تسعى إلى تحقيق أغراض سلمية في برنامجها النووي ولا أبعاد عسكرية في هذا البرنامج.
7- إن العقوبات الاقتصادية على إيران بحجة البرنامج النووي ظالمة ولم تمنع التطور النووي.
8- العقوبات المفروضة على إيران بحجة البرنامج النووي من قِبل مجلس الأمن وتلك الغربية الأحادية الجانب يجب أن ترفع.
منذ تسلم الدكتور جواد ظريف وزير الخارجية الإيرانية إدارة ملف المفاوضات النووية، أكد دوماً ضرورة اتخاذ قرارات سياسية شجاعة من قِبل الولايات المتحدة، وهذه البنود الثمانية هي أمثلة بارزة على هذه القرارات السياسية أو الإرادة السياسية.
إن الإدارة الأميركية ومنذ عهد جورج بوش ولغاية باراك أوباما قد اتبعت سياسات مختلفة تجاه إيران والبرنامج النووي، علماً بأن زوال النظام السياسي الإيراني هو أحد الأهداف الرئيسية لأميركا طوال العقدين الماضيين. لقد تمثلت السياسات الأميركية حول البرنامج النووي خلال هذه السنوات في ما يلي:
1- زوال واجتثاث البرنامج النووي حتى لو تطلب ذلك تحركاً عسكرياً.
2- في حال عدم تحقق ذلك إيقاف البرنامج النووي عند النقطة التي وصل إليه.
3- منح إيران الحد الأدنى من الامتيازات في كل جولة من جولات المفاوضات والتوافق المحتمل بين إيران و5+1.
والآن تطوي الولايات المتحدة المرحلة الثالثة من المراحل المشار إليها مع إيران في فيينا. من ناحية أخرى يقال إن باراك أوباما محتاج وبشدة إلى إبرام اتفاق نووي مع إيران، لأنه لم يحقق إنجازاً مهماً طوال فترة إدارته. وأنا أعتقد أن هذه نظرة خاطئة بل وعلى العكس أعتقد أن أميركا حققت كبرى المكتسبات الاستراتيجية الممكنة لها في الشرق الأوسط في عهد أوباما. إن الفوضى في الشرق الأوسط، والنزاعات والحروب الداخلية بين الشعوب والأنظمة في هذه المنطقة ضمن نظرية الحفاظ على المصالح الاقتصادية الأميركية وحفظ أمن إسرائيل، هي منجزات كبرى ومهمة لأوباما وإلا فإن هذه هي سياسة ثابتة من قِبل أميركا طوال العقود الخمسة الأخيرة، إذن لماذا الادعاء بأن إدارة أوباما لم تحقق أي مكتسبات؟
بل إن الأميركيين يرغبون وبشدة بأن يتم إبرام اتفاق نووي مع إيران في هذه المرحلة بالذات، مرحلة الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط لأنهم يرون أنفسهم في موقع أفضل ويعتقدون أن إيران مشغولة جداً بملفات لبنان وسوريا والعراق واليمن وموضوع مواجهة الإرهاب والفكر التكفيري وتنظيم داعش.
ولكن بالنسبة إلى الأميركيين هذه ليست نهاية القصة وهناك إشارات ودلائل على أنه من الممكن الخروج من مفاوضات فيينا بصيغة اتفاق نهائي، ولكن في الوقت نفسه قد لا يتم التوقيع عليه من قِبل أي من الأطراف المشاركة في المفاوضات، وهي صيغة قد تؤدي إلى إيجاد مواجهة بين النظام والشعب في إيران.
وطبقاً لهذه الصيغة تتم تهيئة مسودة الاتفاق النهائي. بعض المصادر الإيرانية أعلنت أيضاً أن هذه الصيغة موجودة ومتفق عليها منذ مدة، ولكن موضوع ما بين الأقواس قد تم وضعه لكسب مزيد من الوقت من قِبل الأميركيين. وعليه فإن نص الاتفاق النهائي قد يعلن وينشر في الإعلام في حين أن أياً من الأطراف لم توقع عليه. وهو نص يعلن للرأي العام العالمي، تعترف فيه الدول الأعضاء في مجموعة 5+1 رسمياً ببرنامج نووي إيراني موجه لأغراض سلمية، وحتى يعلن فيه أن الغرب أبدى استعداداً لرفع العقوبات الاقتصادية لكن إيران رفضت الموافقة على هذا الاتفاق الجيد.
وهذا ما تشير إليه إيران وتصفه بالقرار السياسي في المفاوضات، أي أنه لغاية أن يصل الأميركيون إلى قرار حول أصل الموضوع وأن يوقفوا السعي لتدمير الطرف المقابل لهم في المفاوضات فإن المفاوضات لن تصل إلى نتيجة. وترى إيران أن الأميركيين يسعون في حال عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل في المفاوضات الجارية في فيينا إلى إظهار أن إيران هي المسؤولة عن ذلك، ومن ثم توضع الحكومة الإيرانية أمام الشعب في الداخل والذي يعاني من مشاكل اقتصادية بحجة أن الحكومة قد أضاعت الفرصة من خلال رفضها صيغة الحل النهائي.
مواقف وزير الخارجية الفرنسية وتعيين شروط ثلاثة: حق الوصول إلى كل المواقع النووية وفي حال لزم الأمر تفتيش المواقع العسكرية، توقف كامل للبحث والتطوير النووي لمدة طويلة وإمكانية العودة تلقائياً لفترة العقوبات المفروضة من قبل مجلس الأمن في حال تم إبرام أي نوع من الاتفاق مع إيران، تظهر أنه مرة أخرى تم توزيع الأدوار بين فرنسا والولايات المتحدة وفرض شروط تعجيزية على ميدان المفاوضات. وهو الشيء ذاته الذي حصل في مفاوضات نوفمبر 2014 وأدى إلى فشل المفاوضات حينها.
وحتى حضور يوكيا أمانو، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لساعات عدة في مفاوضات فيينا ولقائه جون كيري وأرنست مونيز وزير الطاقة النووية الأميركية وفابيوس وزير الخارجية الفرنسية (في ظل غياب مثير للتساؤل لعلي أكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة النووية الإيرانية) كل تلك تعتبر إشارات غير مبشرة. ورغم أنه كان قد قال إن الحل والفصل في موضوع الأنشطة النووية الإيرانية السابقة والتي من المحتمل أنها حملت أبعاداً عسكرية لا تعتبر شروطاً للتوصل إلى اتفاق نهائي، ولكنه أثناء مفاوضاته مع وزراء خارجية أميركا وفرنسا أضاف موضوعين زادا من تعقيد سير المفاوضات النووية وهما: تعيين حدود وثغور دقيقة في جولات التفتيش المفاجئة وآلية حل وفصل البحوث العسكرية المزعومة.
ويمكن القول وبكل جرأة إن كل من تابع البرنامج النووي الإيراني سلمي الأغراض والمفاوضات مع 5+1 خلال السنوات العشر الأخيرة قد فهم كثيراً من زوايا هذا البرنامج النووي، ويمكنه الحكم بأن مشكلة البرنامج ليست مشكلة فنية ولا شكوكاً مطروحة حوله، لأن البرنامج النووي الإيراني بات برنامجاً شفافاً أكثر من أي وقت مضى.
هؤلاء الخبراء يعلمون الآن تمام العلم وفي إطار البنود الـ 15 المذكورة أعلاه أن من الممكن حصول توافق ولكن بشرط وجود - كما تتحدث عنه إيران - قرار وإرادة سياسية جادة من قِبل الغرب. وفي ظل هذه القراءة يمكن التفاؤل بسير المفاوضات الجارية في فيينا، والقول بأن التوافق النهائي ممكن، وفي الوقت ذاته يمكن أيضاً التشاؤم وعدم عقد الآمال الكبيرة والقول بأن مفاوضات الاتفاق النهائي الشامل تفضي إلى نتيجة.
عودة الوزير ظريف من فيينا الى طهران يمكن ان تحوي بعض الإشارات الإيجابية المطمئنة والعكس صحيح. يمكن قول هذا استناداً الى التجارب السابقة. الاميركيون ربما غيّروا تكتيك وطريقة الحل النهائي الذي اتبعوه في لوزان، ما جعل الوزير ظريف يراجع القيادات العليا في النظام.
وبحسب بعض وسائل الاعلام الايرانية، نقلاً عن وزير خارجية ألمانيا، إن من الأفضل لإيران ان تتوافق على مشروع الاتفاقية النهائية الشاملة نظراً إلى الأوضاع الراهنة على حدودها (الاوضاع في الشرق الاوسط).
ما هو معلوم أن المحادثات ستنتهي بالنهاية الى توافق بين الاطراف، فيما لو التزمت اميركا بالقواعد التي رسمت سابقاً وحافظ الطرفان على الخطوط الحمر ولم تأت اميركا بشروط جديدة تعجيزية ممكن ان تؤدي بالمحادثات الجارية في فيننا الى الفشل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018