ارشيف من :أخبار عالمية

«داعش» تدق الأبواب... فماذا أنتم فاعلون؟

«داعش» تدق الأبواب... فماذا أنتم فاعلون؟
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية

 
لقد ذهبت السكرة وجاءت الفكرة في الخليج. ولم يعد الأمر سراً، وما كان ممنوعاً تداوله أو انتقاده من سياساتنا قبل أشهر، أصبح مادةً دسمةً يتداولها الإعلام العالمي، يلوكها ليل نهار.

يتحدّثون عن القوى التي احتضناها لسنوات وعقود، وأغدقنا عليهم الأموال والحنان، وأقمنا لهم المراكز والمعسكرات، حتى كسر الوحش الشاشة وخرج عن لوحة التحكم، على طريقة الوحش الذي صنعه فرانكنشتاين.

كان فرانكنشتاين عامل مختبر، أنشأ مخلوقاً ضخماً قبيحاً جامحاً، وبدأ أول ما بدأ بقتل أخيه، وقتل الخادمة، ثم يطلب هذا المسخ من صانعه أن يخلق له امرأةً لأنه يشعر بالوحدة، ولكنه يتردد في ذلك خشية أن تكون شريرةً مثله، فيحاول المسخ قتله فيهرب منه. وفي ليلة زواج فرانكنشتاين يقوم الوحش بقتل عروسه، فيتتبعه حتى المنطقة القطبية ليقتله، ولكنه يموت هناك قبل أن يحقق ذلك، ويعثر عليه الوحش فيلقي بنفسه في النار.

قصة خيالية كتبتها البريطانية ماري شيلي قبل مئتي عام، لكن أحداثها تترجم ما يجري أمامنا من عبث واستهتار بمصير المنطقة وشعوبها والتلاعب بحاضرها ومستقبلها. فبعد سنوات من الاحتضان والدعم وتربية الأفاعي في حواضن الأحقاد وصناعة الكراهية، كشّرت الأفاعي عن أنيابها لتطرق أبواب الخليج بعنف، حيث اختار هذا الوحش النقاط الأكثر سهولةً ورخاوةً ليضرب ضرباته المسمومة: مساجد آمنة، غير محصّنة أمنياً، يرتادها المصلون الآمنون. إنها أهدافٌ ليس في استهدافها أي إنجار أو بطولة، بل هي قمة النذالة والخسة، بأن يُقدم شخصٌ على جماعةٍ من العزل الآمنين وهم في حالة غفلة وفي غير وضعية الدفاع عن النفس، لقتلهم بهذه الصورة الإجرامية الدامية. إنها أخلاق الغدر التي كان يُترَفَعُ عنها حتى أيام الجاهلية في حروبهم وغزواتهم، إذ كانوا يعتبرونها خسّةً لا تليق بالأحرار.

هذه الجماعات التي لبست الإسلام مقلوباً، تزداد مع الأيام ابتعاداً عن الإنسانية، وتزداد توحشّاً وولوغاً في الدماء، في ساحة جغرافية تمتد من شرق الخليج إلى غرب أفريقيا. والمأساة أن الدروس نفسها تتكرّر دون أن يستيقظ نائمٌ أو يتنبه غافل.

بداياتها كانت مع دعم «المجاهدين الأفغان»، الذي انتهى بخروج السوفيات من أفغانستان وعودة آلاف المقاتلين العرب إلى بلدانهم، لتبدأ المواجهات. ومن هذا الرحم الفكري المضطرب وُلدت «القاعدة». وبعد غزو أفغانستان والعراق، تم استدراج هذه الجماعات من جبالهم إلى هذه الساحة السهلية المفتوحة، لتتحوّل العراق إلى «ثقب أسود»، كما كان يصرّح علناً أقطاب الإدارة الأميركية من المحافظين الجديد في 2003.

سيناريوهات انقلاب الوحوش على رعاتها تتكرر، من أفغانستان إلى العراق، حيث وُلدت «داعش» تحت رعاية دولية وإقليمية كريمة، معلنة ومستترة. كأننا أمةٌ لا تعتبر حتى وإن تكرّر معها الدرس الواحد عشرات المرات. لم يوقظنا من غيبوبتنا إلا إرسال «داعش» بعض مقاتليه إلى حدود بعض دولنا وتهديد زعمائها بالقتل. حتى تلك اللحظة لم نكن نصدّق بأنه سينقلب علينا، ويهدّدنا بالاجتياح، وبضم الكويت إلى أراضيه، وإلحاقها هذه المرة بأمارة نجد.

هذه الوحوش التي ربيناها في حواضننا، لم نفكّر بأنها ستنقلب علينا يوماً، واحتجنا إلى هزات عنيفة لإيقاظنا - سالت فيها دماء مئات المواطنين الأبرياء، في أطهر البقاع، بين راكع وساجد- رغم أنها جماعاتٌ متطرفة مكشوفة، لا تعترف بحاكم ولا محكوم، ولا بحدود ولا قانون. ومع ذلك ماتزال بعض الأنظمة تموّلها وتدعمها وتسهّل تنقل عناصرها وتغطّي غزواتها سياسياً وإعلامياً، نكايةً بالآخرين. ومع ذلك تجد من يصفّق لها ويفرح بجرائمها، متناسياً أن من يستهدف المساجد اليوم، لن يتردد غداً في استهداف المجمعات والقصور.

اليوم وقد بدأت «داعش» تطلق تهديداتها المباشرة، دون مواربة أو تكتم، ماذا أنتم فاعلون؟
2015-06-30