ارشيف من :أخبار عالمية

رفقاً بهذه الأوطان

رفقاً بهذه الأوطان
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية

حسناًً فعلت الصحف المحلية حين أجمعت على إبراز خبر الصلاة الموحّدة التي دعت إليها إحدى المؤسسات البحرينية الأهلية، في جامع عالي الكبير.

عناوين الصحف جاءت متقاربة أيضاً: «بحرينيون سنة وشيعة يرسمون مشهداً وطنياً بجامع عالي»، «البحرينيون صف واحد أمام الله والوطن»، «البحرين عصية على الإرهاب»، «جمعة تضامن ضد التطرف». كما جاءت العناوين الفرعية متشابهة أيضاً: أداء أبناء الطائفتين صلاةً موحّدةً تعكس روح الإسلام السمحة، ومتطوعون شيعة وقفوا لحماية جوامع السنة والعكس. وهو ليس بعيداً ولا جديداً على أخلاق شعب البحرين المسلم الكريم، وهذا هو الأصل الذي يجمعنا.

«الشرق الأوسط» السعودية، أبرزت الخبر على صفحتها الأولى أيضاً، ووضعته في إطار خليجي أكبر: «جمعة موحدة للسنة والشيعة في الكويت والبحرين». ولاشك أن مثل هذه النزعة الجديدة نحو تأكيد الوحدة وتجاوز الشقاق الأهلي هي موضع ترحيب من أغلبية شعوب المنطقة التي تريد أن تعيش كما كانت في وئام وسلام، بعيداً عن مشاريع الفتن والنزاعات الطائفية التي لا تنتهي.

هذا الاحتفاء الكبير بهذه الخطوة الرمزية المهمة، يجب ألا ينسينا واقعنا وما نرسف به من أغلال. فنحن بحاجةٍ إلى التأكيد على أن خلافنا ليس في «العبادات» وإنما في «المعاملات». فكلنا نصلّي ونصوم، ونحج ونعتمر، وخلافنا في قضايا الإدارة والسياسة، ومشاركة الشعوب في القرارات التي تمسّ حاضرها، وتحدّد مستقبل أبنائها.

إنها مسلماتٌ يتفق عليها الجميع، فالخليج بحيرةٌ إسلاميةٌ خالصةٌ، يعيش على ضفافها السنة والشيعة منذ القرن الهجري الأول، وهي من المناطق التي نادراً ما شهد تاريخها وقوع مجازر أو مذابح كبرى عبر القرون. هذه الروح النزّاعة للسلم، هي التي نراهن على استمرارها، مهما طغت الخلافات السياسية بيننا، مع ضرورة حصرها في نطاقها السياسي، وعدم إقحام الخلافات الفقهية والمذهبية القديمة في حياتنا، لحرف البوصلة وتضييع حقوق الشعوب في حياة حرة كريمة عادلة.

إن خلافنا اليوم ليس حول الصلاة ونواقض الوضوء ومبطلات الصيام، وأيهما أحق وأصح، فلكل مذهب إسلامي فقهه وعلماؤه وأتباعه، ولا يحقّ لأحدٍ أن يكفّر الآخر، أو يطالب بقتله واستباحة دمه وانتهاك حقوقه فقط لاختلافه في المعتقد، وهذه يجب أن تكون من الثوابت والمسلمات.

من الغريب أن نذكّر بمثل هذه البديهية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بعد مرور سبعة عقود على اعتراف أكبر هيئة إسلامية في العالم، الأزهر الشريف، في عصره الذهبي، بوجود سبعة مذاهب إسلامية على باب المساواة؛ وبعد مرور عقدٍ من اعتماد ذلك رسمياً في منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم أكثر من خمسة وخمسين بلداً مسلماً.

إن العاصفة اليوم تضرب الجميع، وعرّاب الفتنة «داعش» ينشر الفوضى ويعبث بمصائر الشعوب والدول، من الخليج والعراق والشام، إلى مصر وليبيا وتونس. وأغلبها دولٌ ذات أغلبية كاسحة من أهل السنة والجماعة، وضحاياه منهم يفوق ضحاياه من بقية المذاهب والأقليات.

في افتتاحية صحيفته الالكترونية الجمعة، قال عبدالباري عطوان إن الصلاة المشتركة لا تكفي لاستئصال أمراض الفتنة الطائفية العميقة، «ولنكن صرحاء ونعترف بأن الحكومات الخليجية، أو معظمها، صمتت على أعمال التحريض والشحن الطائفي طوال السنوات الماضية»، وغضت النظر عن جمع الأموال لدعم جماعات متطرفة على أمل التسريع بإسقاط النظام السوري، كما موّلت قنوات تلفزيونية يتربع على منابرها دعاةٌ تفنّنوا في تعبئة الرأي العام السني ضد كل ما هي شيعي، ولم نشاهد مطلقاً القنوات الرسمية الخليجية تشجّع على التعايش بين الطوائف، والتسامح مع الآخر. وأضاف: «لقد سمعنا عن تشريعات تحكم بالسجن عشر سنوات لصاحب تغريدة على «تويتر» تطالب بإصلاح سياسي، ولكننا لم نقرأ عن قانون واحد يجرم الفتنة الطائفية».

إن الوضع يتطلب إصلاحاً عميقاً بعمق الخلل والانحرافات في أوضاعنا السياسية والإعلامية، وإصلاح مناهج التعليم التي تكفّر الآخر، ومعاملة المواطنين وفق قيم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، واحترام حقوق الإنسان ومنع التمييز.

إننا في مواجهة العاصفة التي ستجتاح الجميع، مخيّرون –كما قال مارتن لوثر- بين «أن نحيا متعايشين كعقلاء، أو نفنى كأغبياء».
2015-07-05