ارشيف من :أخبار عالمية

ســــــوريا...كل شيء تغير الا شهر رمضان

ســــــوريا...كل شيء تغير الا شهر رمضان
صبا منصور- سوريا

رمت الأحداث التي تشهدها سوريا بحملها الثقيل للعام الخامس على التوالي على المواطن السوري. رمضان هذا العام لم يختلف عما سبقه، اذ يفتقر السوريون نكهة هذا الشهر نتيجة الحرب التي أتت على كل شيء. فمائدة الإفطار لطالما بقيت أصنافها المتنوعة عنوانا للخير بتلوُّن أطباقها التي تعكس شيئاً من عادات الشعب السوري، لكن الأزمة الخانقة التي انعكست اقتصاديا ونفسيا على المواطنين نسفت كل شيء.

غلاء الأسعار وضعف القوة الشرائية وأزيز الرصاص وأنين الأمهات اللواتي فقدن الأحبة، أمور رمت بثقلها على المواطن السوري وغيرت كثيرا مما كان يعيشه، ما ساهم إلى حد كبير في التقليص من الحاجات الضرورية اللازمة.

طقوس رمضان وعاداته

ومع ذلك لا زالت الطقوس الرمضانية الرئيسة موجودة ومستمرة رغم الأزمة وإن غابت عنها بعض العادات الهامة، لا سيما اجتماع الأُسر على مائدة الإفطار.

لا تختلف كثيرا طقوس السوريين عن سائر الدول الإسلامية في شهر رمضان فقد حافظ السوريون على العادات الموروثة حيث تتجول عربات "العرقسوس" في الشوارع السورية، المشروب الذي يتناوله السوريون في هذا الشهر مع الخبز الرمضاني المشهور والتمر والبلح.

يبدأ اليوم الأول من الشهر المبارك بصلاة "التراويح" قبل السحور، يترافق ذلك مع صوت المسحراتي الذي لا زالت بعض المناطق في سوريا تحافظ عليه لا سيما في أزقة وحارات دمشق القديمة رغم تطورات العصر.

ساعات العمل في سوريا تُخفض في المؤسسات العامة والمدارس والجامعات. افساحا في المجال ليمارس الصائم طقوسه.اضافة الى ضرورة ارتياد الأسواق من اجل شراء الخضار والفاكهة والمواد الأساسية لإعداد مائدة الطعام.

أما مائدة الإفطار التي اعتاد السوريون على تنوعها، فقد ألقت الازمة بظلالها عليها بسبب الأوضاع الاقتصادية والمعيشة الصعبة.
ويرتبط مدفع الإفطار التقليدي بالشهر الكريم، لكنه بدأ يضيع صوته بين أصوات القذائف التي تحولت طقسا يوميا يستيقظ عليه السوريون.
أم جمال نازحة من الرقة فتجلس في غرفة مسبقة الصنع هي وأولادها الثلاثة من غير زوجها الذي بقي مصيره مجهولاً في الرقة لا تعلم عنه شيئا.

تعدُّ أم جمال طاولة الإفطار والتي تتكون من طبق من الأرز يرافقه صحن الخضار وشوربة مع خبزة رمضان محشوة بالتمر. تتحدثت للعهد وعيناها تدمعان تتذكر منزلها البسيط الذي تراه قصراً فاخراً تجاه ما تعانيه الآن، عائدة بالذاكرة الى مدينة الرقة وأيام رمضان فيها والتي حولها تنظيم "داعش" الى ليالٍ ظلماء.

تتحدث أم جمال عن العادات الرمضانية في المنطقة الشمالية الشرقية حيث كانت تقام الخيام الرمضانية، ووجبات الإفطار فيها عبارة عن المنسف (الأرز مع اللحم والسمن العربي واللبن الرائب . وتعلق قائلة "هذه موائد السكان الذين يتناولون طعام الإفطار في المضافات العربية الواسعة التي كانت تقيهما" مشايخ العشائر إضافة لطبقهم الشهير (الثريد) وهو عبارة عن خبز عربي يضاف إليه البامياء المطبوخة باللحم المسلوق. تشكو أم جمال حالها اليوم وانها تعتاش على المساعدات، فإن وُجدت افطرت وان لم توجد يمر يوم من الجوع في هذا الشهر الفضيل.

المظاهر الرمضانية موجودة أيضا في مدينة اللاذقية والتي تشتهر بوجبات السمك مع الأرز والمتعارف عليها باسم (الصيادية) كما قال لنا أبو المجد صاحب مطعم اسماك هناك. ويتابع ابو المجد بأن اللاذقية هي قبلة السياحة الداخلية والمتنفس الوحيد بالنسبة للسوريين الآن حيث تشهد أسواقها حركة مقبولة في الأسواق غير باقي المدن السوري.


ســــــوريا...كل شيء تغير الا شهر رمضان
الطقوس الرمضانية في سوريا مستمرة

أيمن، تاجر من اللاذقية برر للعهد سبب الغلاء ومعاناة المواطنين بسبب الحصار الذي تتعرض له سورية وارتفاع سعر صرف الدولار مع عدم استقراره و انخفاض قيمة الليرة والتضخم الذي أصاب السوق. هذه العوامل لا تتناسب ودخل المواطن في سوريا، يقول ايمن . أيضا ارتفاع أسعار المحروقات وتكلفة النقل أثرت سلباً في تجارتهم وكل ذلك تسبب بارتفاع أسعار الكثير من المواد، بحسب ما يقول ايمن.

 قبل الأزمة كانت تكلفة نقل أي محصول من أرض إنتاجه إلى السوق أو المعمل لا تتجاوز 10 آلاف ليرة سورية، أما اليوم فتكلفة نقل المحصول ذاته والمسافة نفسها تتجاوز المئة ألف ليرة سورية، الأمر الذي دفع بكثير من الصناع والتجار إلى إقفال معاملهم. ويختم ايمن بالقول: هذا ولم نتحدث بعد عن الضرر الكبير الذي عمَّ المزارعين والتجار بسبب تعديات عناصر الإرهاب على منشآتهم.

أما العم خضر الذي أبدا استياءه من الفوضى التي تعم السوق وتحديدا من التجار فله رأي آخر حيث اعتبر انه من المتعارف عن شهر رمضان أنه شهر الرحمة لكنه عند التجار شهر الاحتيال والاستغلال للقمة المواطن السوري، فما بالك في بلد أصبح تاجر يحكمه (بكفي خافوا الله ، يقول العم خضر.

أما أم سعيد من محافظة حماة فتعتبر أن غلاء السلع وقلة العمل، والظروف القاسية والأعباء المعيشية "جعلتنا نعتمد في رمضان على المؤونة المنزلية والمؤسسات الاستهلاكية الحكومية فشهر الرحمة لا يسعنا سوى أن نحييه".

حصار خانق وإرادة الحياة

لم يكن شهر رمضان في بعض البلدات امرا سهلا، فبعض القرى مثل نبل والزهراء وغيرها من المدن السورية المحاصرة تغيرت حياة السكان فيها. ورغم اجواء الحصار الا ان عادات اهل هذه القرى في الشهر المبارك لم تتغير رغم الواقع المرير وقلة المواد الأساسية والأدوية ونقص المحروقات عدا القذائف التي تتساقط عليهم بشكل مكثف. واللافت ان المجموعات الارهابية تختار وقتي الافطار والسحور لرمي قذائف حقدها على الصائمين. ومع ذلك يحاول السكان العيش مع أولادهم وأقاربهم وجيرانهم وإحياء شهر رمضان.

طارق، وهو مالك أحد محلات بيع الخضار، يقول ان معظم الخضار والفاكهة الموجدة في محله هي من أنتاج بساتين العائلة ومزارعها التي تؤمن لهم بعض من حاجيتهم  من الخضار والفاكهة للاستمرار في الحياة .

فيما قال آخر للعهد بان معظم الأهالي يتوجهون إلى عفرين لإحضار مواد غذائية وتأمين بعض متطلبات الأهالي هناك .

أما أبو محمد وأسرته الحلبية فقد هُجرت قسرا من منزلها بعد قدوم الجماعات المسلحة وإرغامها على الخروج . يتذكر أبو محمد شهر رمضان بحرقة وحسرة حيث لم يعد قادرا على تأمين المستلزمات لأسرته فتحول منزله الجميل في حي خان العسل الى خيمة لا تقيه بردا أو حرا وليس فيها من مقوِّمات الحياة إلا الأشياء البسيطة. ولكنه ورغم صيامه يبقى أبو محمد يعمل لساعة متأخرة قبل الإفطار من أجل تأمين وجبة لأسرته غاب عنها اللحم. ورغم الحرمان فان روح الامل بادية على وجهه. سيعود كل شيء كما كان، هكذا قال ابو محمد.

ويكمل أبو محمد للعهد بان جبهة النصرة وأتباعها من باقي الفصائل مما يدعون الإسلام لا يعرفون معناها وقد قاموا بتشويهه ونحن المسلمون الحقيقيون وسنبقى صامدين محافظين على أسلامنا وعاداتنا الرمضانية، وان نقصت قليلا لكن بفضل إيماننا وثقتنا بالجيش السوري فاننا على يقين بأن المائدة الحلبية ستقام كما كانت في حلب عما قريب وسيعود كل نازح إلى داره لأننا نحن الحق.

ورغم الحرب يبقى لرمضان نكهة خاصة وتحديداً عند أهالي الشام، حيث كانت فوانيس رمضان تزين حارات دمشق القديمة احتفالاً بهذا الشهر الفضيل ، لكن هذه الفوانيس باتت لا تنطفئ فهي تنير حارت دمشق المظلمة ليلاً بسبب الانقطاع  المتكرر للتيار الكهربائي عن أحياء المدن السورية.

إذا هو خامس موسم لشهر رمضان يقضيه السوريون في ظل الحرب الدائرة في البلاد، مناسبة جديدة تعيد الأوضاع الاقتصادية المزرية إلى الواجهة.

صوت الحياة يعلو صوت الرصاص

رغم الالم، ثمة بسمة تعلو الوجوه، فبعد تناول طعام الإفطار يبدأ بعض الناس بالتنزه والجلوس في المقاهي والمنتديات ويتبادلون الأحاديث وكأن الأمور تجري على طبيعيتها دون حرب أو قتال.  وهذا مايؤكده الكثير من الشبان والشابات الذين يرتادون هذه الأماكن. فصوت الحياة أعلى من صوت الرصاص والقنابل كما قال رافع ابن السابعة وعشرين عاما.

رافع الذي تحدث للعهد أثناء شربه القهوة في أحد المقاهي قال بان الحياة باقية ومستمرة.

تختلف رؤية الناس حول أوضاع البلاد في شهر رمضان، كل واحد منهم ينظر من زاويته الخاصة، من منظار همومه وشجونه ما يفرحه أو يحزنه، لكنهم رغم اختلاف نظرتهم يُجمعون أن البلاد لا بد لها أن تنبذ العنف والتفرقة، ولا بد من احتضان الدولة ومؤسساتها لا سيما جيشها، لانه هو الضمانة الوحيدة للاحتفاظ بالتنوع الذي كان يميز سوريا عن غيرها، وان غير ذلك لن يكون إلا بمثابة الانتحار وانتهاء لسوريا التي كنا وكان الناس يعرفها جيدا.
2015-07-07