ارشيف من :أخبار عالمية

ريف حماة: بعض اهالي اشتبرق يتنفسون الحرية

ريف حماة: بعض اهالي اشتبرق يتنفسون الحرية
صبا منصور

لم يكن صباح الخامس والعشرين من نيسان/ابريل يوما عاديا على أهالي أشتبرق  في ريف حماة الشرقي، فقد ابت "جبهة النصرة – فرع تنظيم القاعدة في سوريا" إلا ان تضع لمساتها عليه، مضيفة إلى سجلها الدموي مجزرة مروعة، أكثر من 300 قذيفة صاروخية أطلقها المسلحون خلال أربعة أيام قبل دخولهم القرية.

هجوم الجبهة على القرية وضع أهلها امام خيار واحد لا بديل عنه وهو الهروب بعد أن تقدمت الجماعات المسلحة وأصبحت على أبوابها.
 قسم من الأهالي توجه نحو البساتين فيما أخذ القسم الآخر ما اتيح له من وسائل نقل(سيارات بيك آب وجرارات زراعية امتلأت بالنساء والأطفال) يقصد أقرب قرية وهي جورين. لكن وسائل النقل هذه تحولت الى وسائط للموت بعد ان انهال المسلحون عليهم بالرصاص والقذائف الصاروخية من كل حدب وصوب. لقد ادى الهجوم الى تدمير عدد كبير من السيارات ما دفع الأهالي إلى الخروج منها في محاولة منهم  لمتابعة السير باتجاه المناطق الآمنة. لكن هذه الرحلة لم يكتب لها النجاح وكان مصير من بقي منهم على قيد الحياة الوقوع بالاسر بيد هذه الجماعات.

منذ الخامس والعشرين من نيسان، تاريخ وقوع الحادثة، والمفاوضات على قدم وساق الى ان اثمرت منذ ايام. نجحت المفاوضات بتحرير ستة وعشرين مختطفا معظمهم من النساء والأطفال من أهالي قرية اشتبرق، فيما لا يزال مصير العشرات مجهولا بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات التالية.

النقيب علي سليمان، ضابط في الدفاع الوطني بحماة والمسؤول عن ملف الأسرى، تحدث لموقع "العهد الاخباري" عن المفاوضات التي استغرقت شهرين، والتي كان الدفاع الوطني بريف حماة هو المبادر إليها عن طريق المجتمع المحلي، حيث تم تشكيل لجنة للتفاوض كانت مهمتها تنسيق سير عملية التبادل.
كان المختطفون بسجن حارم في ادلب. وقد كانت "أمل يونس"، المحررة التي خرجت منذ الايام الاولى، هي رأس الخيط التي ساهمت ببعض المعلومات التي اعتمدنا عليها في عملية التفاوض بحسب قول النقيب سليمان.

من الاسر الى الحرية

مصادر خاصة لـ"العهد" تحدثت عن سير العملية. وأكدت أنه في صباح الثامن من تموز جرت عملية تبادل الأسرى في بلدة السعن شرقي حماة حيث اختار الجيش السوري هذه النقطة بالتحديد بسبب طبيعة تمركز الجيش السوري واماكن تواجد المسلحين. ادت العملية الى تحرير ستة وعشرين مخطوفا كلهم من الأطفال والنساء باستثناء رجلين فقط أحدهما مسن من قرية اشتبرق، مقابل الإفراج عن سبعة عشر موقوفا من عائلات المسلحين معظمهم من النساء.

منى عطوني وهي أحدى المحررات، تحدثت للعهد عن أسرها مع بناتها الثلاث  من قبل جبهة النصرة. تقول منى: أُخذنا تحت تهديد السلاح إلى قرية (الكفير) في جنح الظلام سيرا على الأقدام بعدها تم نقلنا إلى مشفى دركوش، وهناك تلقى الاطفال المصابون فقط بعض الإسعافات الاولية . لكن هذه الاسعافات لم تُجدِ نفعا عند اصحاب الإصابات البليغة، وتتابع منى سردها فتقول: بعدها تم نقلنا إلى منطقة تدعى الزنبقية على حدود تركيا بريف ادلب.

ريف حماة: بعض اهالي اشتبرق يتنفسون الحرية

وفي مكان كان إسطبلا للخيول تم تفريق النسوة والاطفال عن الرجال، تقول منى. "كانت الرائحة كريهة جدا" وقد مكثوا هناك لثلاثة أيام لم يتناولوا فيها سوى بعض الخبز والبندورة. وبعدها وبواسطة سيارات تم نقلهم إلى سجن حارم بريف أدلب.

وهناك، تتابع منى حديثها، تم فرزهم في عدة زنزانات. لم تتماسك منى دموعها فقالت بغصة:" لم يكن يهمني نفسي، كان كل تفكيري منصبا على فتياتي الثلاث اللواتي أصبن بشظايا أثناء الهرب. لقد كانت ثيابهن ملطخة بالدماء، فيما احدى بناتي وهي بعمر 16 عشر تعاني مرض السكري ما جعلني أتمسك بالحياة أكثر وأكون صلبة  لحمايتهن".

نور، احدى بنات منى، حضنت أمها وبكت، وقالت مخاطبة أمها: "لقد كان إيماننا بك وبالله عز وجل كبيرا ولولاك لما كنا هنا اليوم".
ريم فتاة في السابعة عشر من عمرها وهي الابنة الثانية لـ منى عطوني  أشارت في حديثها للعهد بان كل ما أخافها هو أشكالهم المرعبة، كانوا أصحاب لحى وشعر طويل. البعض منهم ملثمون لا نرى من وجوههم الا عيونهم المكحلة. وتعلق ريم أن اخفاء الوجوه كان من قبل اشخاص سوريين "يخشون ان نرى وجوههم ونتعرف إليهم فيما الاجنبي لم يكن ملثما".

ريف حماة: بعض اهالي اشتبرق يتنفسون الحرية

من منى عطوني الى زينب ديبو حمود قصة اخرى عن أم لخمسة أولاد أطلق  سراحها هي وأربعه منهم، فيما بقي ابنها البكر ذو الثامنة عشر عاما  في الاعتقال.  "لم تكتمل الفرحة اذ لا يزال عقلي وقلبي مع ابني الأكبر"، هكذا قالت زينب. وتضيف: "لم أعرف طعم النوم وابني لا يفصل بيني وبينه الا حائط. كانوا  يعذبون الرجال ويتعمدون ان يسمعونا أصواتهم تحت التعذيب، ومع كل صرخة لشاب كنت اعتقد انه ابني".
ليث، احد ابناء زينب، وهو في الرابعة عشر من عمره قام بالتحايل على المسلحين وقال لهم ان عمره إحدى عشرة سنة كي يبقى الى جانب أمه وأخته. ان مشاهد الجثث المتناثرة على الأرض من الجيش والاهالي لا تفارق خيالي ، يقول ليث.

وللعجوز عزيز سليمان المصري روايته الخاصة مع بناته. فهو المخطوف الأكبر سناً بينهم اذ يبلغ من العمر ثلاثة وتسعين عاماً ورغم كبر سنه  لم يرأف المسلحون به ولم يسلم من ظلمهم.  

ريف حماة: بعض اهالي اشتبرق يتنفسون الحرية

فمنذ وصول عزيز إلى منزل ابنه في اللاذقية، ولم يتوقف عن البكاء، لا يغيب عن ذاكرته كيف كانوا يعذبون الشباب بالضرب، وكانوا يسخِّرونهم لخدمة "الأمراء" بالطبخ والتنظيف مع معاملتهم بالذل والشتم. لم يستطع الرجل العجوز التكلم أكثر، فما زال في سجون النصرة خمسة وعشرون مخطوفا من عائلته .

هناء المصري، ابنة عزيز، والتي كانت تقطن معه في المنزل، رفضت اطلاق سراحها منفردة واصرت على البقاء معه او اطلاق سراحه معها، فحصلت على ما ارادت.

أما صباح المصري، ابنة السابعة والاربعين فقد تحدثت للعهد عن الكثير من شبان العائلة وأطفالهم ونسائهم ممن لا يزالون في السجون. هي سعيدة بعودتها لكنها تتمنى عودة باقي المخطوفين.

تكلم بعض المحررين، إلا أن البعض الآخر فضل الصمت . وبين تصريح وتلميح، وبوح وصمت، علم "العهد" أن المفاوضات لا تزال مستمرة في محاولة للإفراج عن دفعة جديدة من اهالي اشتبرق.
2015-07-10