ارشيف من :أخبار لبنانية

ميركل وتسيبراس في الحفرة: نخرج معاً أو نسقط معاً!

ميركل وتسيبراس في الحفرة: نخرج معاً أو نسقط معاً!
وسيم ابراهيم ـ "السفير"

لأنه ليس فيلماً هوليوودياً، لم ينفخ رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس على مسدسه، متأمّلا كيف أردى آخر فلول الخصوم. كما لم تمشِ المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل متبخترة، بعدما ألقت عود ثقاب خلفها ليلتهم بيت حكومة الإغريق.
لسوء حظ محبي ذلك التشويق، تظهر شاشة الواقع أن الجميع بات في الحفرة، بعدما صار احتداد أزمة اليونان مسرحاً لسياسة من العيار الثقيل.
حكومة اليونان قدّمت خطة تقشف شاملة، مقابل الحصول على حزمة إنقاذ مالي جديدة. حكومة ميركل عليها قبول الخطة، فبرلين أكبر المساهمين في الإنقاذ. الخطة التقشفية وصفت بالمؤلمة والعبثية لكون اليونانيين رفضوا ما هو أقلّ منها تقشفاً. الخطة ليست متقشفة كما يجب، كما أن رصيد ثقة الحكومة الألمانية بحكام اليونان تحت الصفر.
هناك بالطبع ما هو صحيح في كل ذلك، ولهذا بالضبط الجميع في مأزق. هكذا سيكون ممكناً تقديم مفاجآت، لمن يريدون عناوين مشوقة: تم الكشف عن أن تسيبراس كان نبيّاً مزيفاً، أما الحديد الذي قيل إن ميركل مجبولة منه فظهر أنه مغشوش.
من هو الغارق أكثر، ميركل أم تسيبراس، مسألة قابلة للنقاش. سخرية هذا الواقع، جعلت الخصمين يواجهان الآن، نسبياً، السيناريو نفسه: كل منهما يستعين بمن هم خارج حزبه ليتغلب على المعارضة في بيته السياسي. أسهم الاتفاق باتت مرتفعة بوضوح، رغم أن مشاكل البيت الداخلي لا تزال ترسل شكوكاً. من غير المقبول أميركياً عدم الخروج باتفاق، لذلك لا تزال الضغوط ترتفع بعبارات تزن أطناناً، خصوصاً على برلين. أشد المتضايقين في حكومة ميركل صاروا يهزأون بواشنطن، ويقولون صراحة: إن كان قلبكم على اليونان، فيا ليتكم تأخذونهم إلى «منطقة الدولار».
على كل حال، حالما أرسلت أثينا خطة تقشفها، المفصلة في 13 صفحة، بدأت الأعراس في معسكر خصومها. حملة شديدة من دون أي رحمة. معظم وسائل الإعلام الغربية خرجت بهذه الخلاصة الأولى: فريق تسيبراس يرسل تعهدات بتقشّف يتجاوز ما رفضه الشعب، حينما دعا الزعيم اليوناني بذاته مواطنيه لقول «لا» صارخة.
لكن هذا ليس كل «الحقيقة»، ولا حتى نصفها. هناك ما لم تُرد الأصوات المعارضة، لليسار اليوناني الحاكم، الاعتراف به، ولا إتاحة المجال لإبرازه على قدم المساواة مع الشتائم. الخطة أكثر تقشفاً، هذا صحيح. لكن لعبة تسيبراس السياسية ليست قليلة أبداً: بدل أن يشتري بقرة بتلك الفاتورة، يريد الآن أن يشتري بها، نفسها تقريباً، قطيعاً من الأبقار. لكن على من يمشي ذلك؟ على ميركل؟ وسط مأزقها الداخلي، يمكن بأريحية تخيّلها تقول: اتفاق كهذا سيمرّ فقط على جثتي، بالمعنى المجازي والسياسي حرفياً ربما.
خريطة مناورة تسيبراس باتت معالمها الأولى واضحة. حينما رفض اليونانيون، في الاستفتاء، حزمة التقشف التي عرضها الدائنون، كانت تلك الحزمة معروضة لقاء الحصول على 7.2 مليارات يورو. تلك كانت الشريحة الأخيرة من خطة الإنقاذ الثانية، لكن رفض حكومة أثينا جعل صلاحيتها تنتهي في نهاية حزيران الماضي. أما الآن فالأثمان مختلفة تماماً. خطة التقشف، التي يتعهد تسيبراس بها، أُرسلت مقابل الحصول على خطة إنقاذ مالية جديدة، حجمها حوالي 53 مليار يورو.
ليس ذلك فقط. بات معروفاً أن هذا الانفراج الأخير، ما كان ليحدث لولا وجود تفاهم على مقايضة، تحت ضغوط أميركا وبعض دول اليورو الكبرى. شدد فريق تسيبراس على أنهم ما كانوا ليقبلوا بالتقشف، لولا إقرار المُقرضين بأن هناك حاجة لشطب قسم معتبر من الديون اليونانية. تم التوافق على ذلك، تحت عنوان الاعتراف بأن «الديون اليونانية غير مستدامة»، بمعنى أن الدولة غير قادرة على دفعها على المدى الطويل. إقرار بضرورة الشطب من الديون، بطريقة أو بأخرى، كان تنازلاً كبيراً من برلين التي رفضت سابقاً ذلك بصرامة.
ليس معروفاً حتى الآن، لا كيفية شطب الدين، ولا حجمه. مجمل ديون اليونان، للمقرضين الدوليين، يصل إلى 320 مليار يورو (هناك ديون أخرى، نحو 20 مليار يورو، لمستثمرين من القطاع الخاص). الشطب المباشر لا تقبل به حكومة ميركل، لكن هناك إمكانية لشطب «مقنّع»، عبر تمديد آجال استحقاق القروض وتخفيض نسبة الفائدة عليها. لكن ثمن خطة التقشف اليونانية لا ينتهي هنا. ثمة أيضا ترقّب لضخ خطة استثمارية في البلد، حجمها نحو 35 مليار يورو، على أن تكون جزءاً من الصفقة.
هكذا وجد وزير المال اليوناني الجديد إقليدس تساكولاتوس ما يدافع به عن «التنازل» أمام البرلمان اليوناني. خاطب تحديداً المشككين، مؤكداً لهم أن خطة الإنقاذ لن تسير إلا على أربع أرجل: تمويل الاقتصاد، الإصلاح (التقشف)، حزمة لدفع النمو، وتخفيف عبء الديون.
الهدف كان الحصول على تأييد البرلمان. رغم أن حزب «سيريزا» الحاكم لديه 149 مقعداً، من أصل 300، لكن طبعاً لم يمكن إقناع الجميع. مع ذلك، لم يعلن معارضته لمساندة خطة الحكومة سوى بضعة نواب من أقصى اليسار في الحزب.
لم تكن تلك النقاشات الصاخبة أسعد أيام رئيس الحزب والحكومة تسيبراس. لكنه وضع الجميع أمام الواقع السياسي، قائلاً لهم بكلمات لا تحتمل التأويل: «لقد حصلنا على تفويض شعبي لإنجاز صفقة أفضل من (عرض) الإنذار الذي أعطتنا إياه منطقة اليورو، لكن بالتأكيد لم نُمنح تفويضاً لأخذ اليونان خارج اليورو». بكلمات أكثر شحذاً، أخبرهم أنهم يواجهون «قرارات حاسمة»، قبل إضافة طابع القدر الجماعي: «إما سنستمر معاً، وإلا فإننا سنسقط معا».
موافقة البرلمان اليوناني مسألة ملحّة، بعدما أعلن زعماء اليورو انهيار الثقة مع حكومة تسيبراس. في الوقت ذاته، كانت مجموعة اليورو تقيّم مدى «مصداقية وجدية» عرض التقشف، لرؤية إن كانت تكفي لإطلاق مفاوضات جديدة حول خطة الإنقاذ الثالثة. اليوم يجتمع وزراء اليورو لنقاش أخير، قبل أن يرسلوا تقييمهم النهائي إلى قمة زعماء الاتحاد الأوروبي ليحسموا الأمر غداً. المهم أن يعطوا إشارة الاتفاق السياسي.
لكن الأجواء في معسكر خصوم فريق تسيبراس ليست احتفالية. يعرفون أن التقشف الذي يعرضه، على تراجعه، له أثمان مضاعفة. قبولهم سيكون مجرد بداية، فمن المنتظر عملية تفاوض شاقة سيطلبون فيها تنازلات أكبر. مجرد القبول المبدئي يحتاج مصادقة برلمانات عدة دول في اليورو. ألمانيا على رأسها. هناك تواجه ميركل مهمة صعبة للغاية. أكبر المعارضين قادمون من حزبها «المسيحيين الديموقراطيين»، وعلى رأسهم وزير ماليتها فولفغانغ شوبل. حينما ظهرت الضغوط الأميركية للعلن، أسرّ شوبل بأنه انتقد وزير الخزانة الأميركية جاك لو: «قلت له يمكننا أخذ بورتو ريكو (إحدى جزر الأنتيل المحاذية للقارة الأميركية) إلى اليورو، إذا كانت أميركا راغبة في أخذ اليونان إلى منطقة الدولار. ظنّ أني أمزح، لكن السياسة يمكنها ابتكار حلول خلّاقة».
هكذا ستواجه ميركل وضعاً شبيهاً بما حصل مع تسيبراس. الأخير حصل على دعم نواب المعارضة، تحسّباً لخسارته الغالبية جراء معارضة بعض نواب حزبه. ميركل تضمن دعم شركائها في الائتلاف الحاكم، حزب «الاشتراكيين الديموقراطيين»، لكنها لا تستطيع ضمان دعم حزبها.
طبعا، هناك حساسية سياسية شديدة لهذه القضية لدى ألمانيا، لكونها تتحمل المساهمة الأكبر في ديون اليونان. حسابات البيت السياسي الألماني، وانعكاساتها، هي شغل آرتو فيشر، مدير بورصة برلين. قال أمس إن ميركل تواجه «أصعب أوقات» حكمها الطويل، مؤكداً أن غالبية حزبها تقف ضد تقديم مزيد من الأموال لليونان.
جبهة أشد معارضة تشمل أيضا فنلندا وليتوانيا وسلوفاكيا. وزير مالية الأخيرة بيتر كاسيمر قال، معلقاً على ما يجري، إن «الانفصال الودّي مع اليونان ليس أسوأ قدر لمنطقة اليورو». لكن لا مهرب من ضغوط واشنطن. وزير خزانتها واصل مباركة «التقدّم» الحاصل، بعد أيام من الانغلاق التام. فرنسا تضع ثقلها خلف إنجاز الصفقة، ورئيسها فرانسوا هولاند قال إن عرض تسيبراس «جدي وموثوق». لا مفاجأة، فباريس أرسلت وفداً تقنياً لمساعدة اليونانيين في صياغة عرض «الإصلاحات».
روسيا بدورها لا تزال تمارس تأثيراً لمصلحة أثينا. رئيسها فلاديمير بوتين قال إنه من الأفضل حل القضية بالتوافق الأوروبي. صحيح أنه نفى أن يكون نظيره تسيبراس قد طلب منه مساعدة مالية، لكنه دعمه بالتأكيد أن روسيا «تملك الموارد لمساعدة شركائها».
ما يحدث ليس فيلماً هوليوودياً، لكنه تراجيديا معاصرة لشعب اليونان. تسيبراس ليس نبياً لمن كان ينتظر منه حلولاً سحرية. رغم معارضته السابقة، قبل الرجل الإلغاء التدريجي للمعونة المقدمة لمن هم أفقر المتقاعدين، مع رفع ضريبة القيمة المضافة التي تزيد التكلفة على المستهلكين. التقشف الذي قدمه يصل إلى 13 مليار يورو، ما يعني تقشفاً أكثر بـ30 في المئة، ما دعا اليونانيين لرفضه قبل أيام. برر فريقه الخطوة بأنهم يسعون لأفضل الممكن، ضامنين «بالتأكيد» شطباً للدين، مع تفادي اقتطاع مباشر لرواتب المتقاعدين.
على كل حال، مهما كانت تبريراته، لكن مشهد المأزق كان واضحاً. كل هذا لا يغير في أن نخبة كبيرة من الاقتصاديين يقولون إن طريق التقشف لم يقدم أي علاج، بل زاد المريض سوءا. تسيبراس ردد ذلك بنفسه سابقاً. يمكنه أن يكون أحد أبطال هذه التراجيديا، مع دوره المعقّد بالصراع. لكن من قالوا «لا» للتقشف، مؤيدين له قبل أيام، ساروا أمس في شوارع أثينا لقول «لا» في وجه التقشف الذي يقبله الآن.
2015-07-11