ارشيف من :أخبار عالمية
«مجزرة البعثات» نتيجة التمييز بعد فبراير 2011
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية
بعد أحداث فبراير/ شباط 2011 وما تبعها من فرض حالة السلامة الوطنية، واعتقال أطباء ومهندسين ومحامين ومدرسين، وعدد كبير من الطلبة، وسحب بعثات طلابية، وتضييق الخناق على جميع التخصصات التي شغل أغلبها أبناء طائفة معينة، كان من المفروض أيضاً خلق استراتيجية جديدة لتوزيع البعثات، مع ضمان السرية.
خطة توزيع البعثات على المتفوقين تقوم على أساس أخذ 60 في المئة من المعدّل، وتخصيص نسبة 40 في المئة لمقابلة شخصية تقوم بها لجنة معينة، أعلن عنها في 14 يونيو/ حزيران 2011، أي بعد 14 يوماً فقط من إنهاء حالة السلامة، بلا معايير ولا ضوابط، فيما نصنفها ضمن خانة ردة الفعل السياسية في تلك الفترة واستهدفت فئة كبيرة من الشعب.
ربما الوزارة تنفي اتهامها بتسييس توزيع البعثات، وعدم الشفافية، والتلاعب بالنتائج من خلال لجنة مقابلات تطرح أسئلة غريبة وعجيبة، ليس لقياس قدرات الطلبة وميولهم التعليمية كما تدّعي، بل لمعرفة «ميولهم السياسية»، والتي تم الحديث عنها طوال السنوات الماضية، حتى وجهنا أسئلة هنا قبل عامين لوزير التربية عنها وطلبنا الإجابة عليها فالتزم الصمت.
وزارة التربية تعتبر الحملات المدافعة عن حقوق الطلبة في توزيع عادل للبعثات بشفافية ونزاهة «ابتزازاً سياسياً» ترفض الخضوع له، على حد تعبيرها، بل تطالب من منتقديها استنكار استهداف المدارس بالحرق والتخريب، دون أن تكشف لنا الرابط بين سياسة توزيع البعثات وما تراه من تعرض الحركة التعليمية في البحرين للتخريب، إلا إذا كانت الوزارة تبرّر «سياستها في توزيع البعثات» دون شفافية ومعايير بما تراه من ذلك، فالخطأ والجريمة، لا تعالج بخطأ وجريمة أخرى، وإلا كان ذلك عقاباً جماعياً غير مبرّر وغير عقلاني.
منذ الإعلان عن سياسية توزيع البعثات التي تقوم على أساس عدم الإعلان عن البعثة ونسبة المتفوق في الصحف، كما كان الحال طوال 32 عاماً، ومن ثم ابتكار طريقةٍ لتوزيع البعثات تقوم على عملية غير علمية ولا مهنية وغير عادلة، باتت أهداف المشروع واضحة للجميع، وهي أهداف «سياسية».
منذ ذلك اليوم، وقعت أمور خفية عند توزيع البعثات لأربع سنوات، ولحق ظلمٌ بكثيرين من الخريجين المتفوقين يقوم على أساس تعامل مجحف، وبعيد تماماً عن العدل والإنصاف والمساواة. ومهما تذرّعت الوزارة وبرّرت، فإن ذلك لن يزيل الشكوك الضخمة في إجراءاتها، التي تخلو من أي معيار من معايير الشفافية والعدالة والإنصاف.
في 2011، العام الأول لتطبيق النظام، حصلت طالبة بمعدل 99.3 في المئة والخامسة على البحرين على رغبتها العاشرة، وحصل طالبٌ بمعدل 98.6 في المئة والرابع على الذكور في البحرين على منحة مالية. وكان السؤال وقتها: إذا كان هؤلاء لا يستحقون، فمن الذي استحق بعثات الطب والهندسة وغيرها؟ وإلى من ذهبت البعثات؟ وكم كانت نسبهم؟
هذا العام، لم تتغير القصص والشكاوى، فهناك طالبة حاصلة على 99.1 في المئة حصلت على رغبتها السادسة، وأخرى بمعدل 95 في المئة تحصل على بعثة تمريض! فيما قالت طالبة حاصلة على نسبة 96 في المئة أنها أعطيت رغبتها التاسعة، رغم أن رغبتها الأولى صيدلة.
عندما تحدّثنا من قبل عن ربط سياسة توزيع البعثات بالأوضاع السياسية، وبما شهدته من تمييز «فاضح»، طالبتنا الوزارة بإثبات ذلك، وأثبتنا ذلك بما استعرضناه من جملة أسئلة كانت تطرح على الطلبة منها «ما رأيك في الأزمة التي شهدتها البحرين وأحداث 2011؟ ما رأيك في تصرف الحكومة وطريقة حلّها للأزمة؟ هل ذهبت لسباق «الفورمولا ون»؟ لماذا تريد دراسة الطب وعائلتك بها الكثير من الأطباء؟ وغيرها من أسئلة مسيّسة وغريبة وغير منطقية.
نعم، سياسة توزيع البعثات وما تقوم بها وزارة التربية خطأ فادح بحق هذا الوطن وأجياله، من خلال انتهاجها أساليب بعيدة عن الشفافية والعدالة والإنصاف، وهي تعمّق جراح الوطن وتمدّه لأجيال وأجيال عندما يطال الظلم حتى الطلبة ومستحقي البعثات عن جدارة وتفوق واستحقاق.
في يونيو/ حزيران 2013، اتهمتنا الوزارة بـ«التحريض» عندما طالبنا جميع أولياء الأمور، بالتحرك للمطالبة بحقوق أبنائهم، متناسيةً أن المطالبة بالحق أمرٌ مكفولٌ في كل الشرائع والقوانين، وهو حقٌ أصيلٌ لكل إنسان لا يمكن أن يُسلب منه، حتى ذهبت الوزارة لاعتبار «المطالبة بالحقوق «جريمة» لا تغتفر، متغافلين عن أصل جريمة التلاعب بتوزيع البعثات، ومتناسين أن دستور البلاد كفل «حق التقاضي» في المادة (20) الفقرة (و)، وكلمة «حق التقاضي» تشمل المطالبة بما يرونه حقاً لهم.
توصيف سياسة توزيع البعثات في البحرين بـ«المجزرة» توصيفٌ دقيق، فهناك جزارون يقطعون ويوزّعون البعثات الدراسية على أهوائهم بلا معايير أو شفافية أو عدالة وإنصاف، ضاربين بعرض الحائط حق المواطن في التعليم الذي يستحقه، حتى ذهب الكثيرون إلى تأكيد أن تلك السياسة تقوم على أساس التمييز بين أبناء الشعب بعد أحداث 2011.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018