ارشيف من :أخبار عالمية
البحرين: الردود الانفعالية لا تستر سوأة التمييز
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية
الدرس الذي يجب أن تدركه وزارة التربية والتعليم، مع هذه الغضبة الجماهيرية على سياستها الخاطئة في توزيع البعثات، أن الردود الانفعالية الغاضبة، لا يمكن أن تستر سوأة التمييز، بل تزيدها انكشافاً.
موضوع التمييز في توزيع البعثات الذي كنا نطرحه في مقالاتنا خلال السنوات الماضية، بات مطروحاً بقوة كقضية رأي عام، بعدما عمّ الضرر وانتشر، فأصبح ضحايا هذه السياسة بالمئات، طلاباً وعوائل. واستمرار هذه السياسة يهدّد آلافاً آخرين في السنوات المقبلة، وهو ما يفسّر هذا الغضب الجماهيري الواسع خوفاً على مستقبل الأبناء، كما يهدّد مستقبل البلد بحرمانه من خيرة عقوله وطاقاته الطامحة لمواصلة التعليم.
وزارة التربية التي كانت تنتقد جمعية المعلمين البحرينية بالتسييس، واستغلت ذلك ببشاعةٍ، في حلّ الجمعية ومحاكمة كوادرها، باتت هي اليوم اللاعب الأكبر بعملية تسييس التعليم وإدخاله في معترك السياسة، بفضل سياساتها التي بدأت بالفصل والاقتطاع من الرواتب ووقف الترقيات، ولم تنتهِ بحرمان المتفوقين المستحقين من البعثات.
إن اتباع الطرق الملتوية إنما يقوض الثقة، أو ما تبقى منها، بمن يتولون حالياً دفة إدارة هذه الوزارة. والردود والتصريحات الصادرة عن مسئولي الوزارة، لا تدفع عنهم التهم، بل تزيدها رسوخاً، وتثير المزيد من الشكوك حول هذه السياسات المثيرة للجدل والاستنكار. ولا أعتقد بأن وزارة التربية طوال تاريخها الممتد لأكثر من سبعين عاماً، قد تعرضت لمثل هذه الانتقادات الصارخة. فليس منطقياً أن تأتي ببدعة الـ(40/60) لتحرم طلاباً متفوقين من حقّهم بالدراسة الجامعية، فقط لأنهم من مكوّن اجتماعي أو مذهبي معين. هذه القصة مخجلة جداً، ونشعر بمزيد من الخجل كلما كتبنا عنها، فكيف بمن يمارسونها؟
هذه المشكلة المتفجرة لم تتفاقم إلا في السنوات الأخيرة، ففي السنوات الأولى التي تلت الاستقلال كان باب البعثات مفتوحاً للجميع، وكان لكل متفوق نصيب، حيث يحصل على البعثة أو المنحة بناءً على تحصيله ومعدل النسبة المئوية. وجرت الأمور هكذا دون شكوى أو تمييز، في عهود الوزراء أحمد العمران وعبدالعزيز آل خليفة وعلي فخرو. ولم تظهر أية دعاوى بوجود تمييز إلا بأثرٍ رجعي، حين بدأت دعوات التمييز ضد فئات معينة، منذ عشرة أعوام. وكانت تلك كذبةً كبرى صدّقها البعض ممن لم يعيشوا تلك الأيام ولا يعرفون حقائقها.
وللتذكير ببعض أجزاء التاريخ، كانت العلاقة بين الطلبة والوزارة متوترةً، في الستينيات والسبعينيات، بسبب الانتماءات السياسية أساساً. وكانت الوزارة تتخذ إجراءات للحد من النشاط الطلابي، خصوصاً في الخارج، الذي كان يهيمن عليه اليسار والقوميون، قبل بروز الإسلاميين بداية الثمانينيات، من بينها سحب الجوازات والمنع من السفر، بل والحبس أيضاً.
ومن الحقائق التي يجب معرفتها، أنه تم اللجوء أيضاً إلى إصدار جوازاتٍ للطلبة لسنة واحدة فقط، بدل خمس سنوات، لقطع الطريق على زيارة الطلبة بالخارج لبعض الدول الاشتراكية أثناء الإجازة الصيفية، فيضطرون للعودة إلى البحرين لتجديدها. وكانت تلك الإجراءات تهدف في مجموعها للتحكم في الحراك الطلابي الذي تغلب عليه المعارضة. وعليه فمن يفترض وجود تمييز سابق في البعثات على فئة أخرى لم تكن تمتلك سلطة فعليةً ولا نفوذاً، لتبرير التمييز الحالي، إنّما يروّج لأكذوبةٍ كبرى، ويستغفل جزءًا من الرأي العام الذي تنقصه الحقائق والمعرفة، لجرجرته نحو تأييد سياسات التمييز الحالية.
في السبعينيات، كانت الصحيفة الوحيدة تنشر أسماء الخريجين ونسبهم المئوية حين اعتماد النتائج، ولاحقاً تنشر أسماء الحاصلين على البعثات، ولم يكن أحدٌ يشكو من تمييز، لا سني ولا شيعي ولا بوذي! أما اليوم، فتمتنع الوزارة عن نشر الأسماء والنسب، وتصر على استمرار سياساتها الخاطئة، والعمل في الظلام، وحين يطالبها الرأي العام بالشفافية ترد عليه بطريقةٍ انفعاليةٍ لا تليق بالرجال.
إن نشر الأسماء والنسب ليس بدعةً، وإنما كان عرفاً سليماً التزمه وزراء التربية الكبار السابقون. والالتزام بالشفافية ليس عيباً، بل العيب في الإصرار على التمسك بسياسات التمييز التي تمزّق الوطن. ولتعلموا أخيراً... بأن الردود الانفعالية المتهافتة لا تستر عورة التمييز، وإنما تكشف ضعف الحجة وركاكةً في البيان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018