ارشيف من :أخبار عالمية
البيان الأخير... لآخر توزيع عادل للبعثات
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية
في 22 يوليو/ تموز 2010 صدر البيان الأخير لوزارة التربية والتعليم بشأن نتائج الترشيحات للبعثات والمنح المالية للعام 2010-2011 والتي كانت تعتمد فقط على معيار التحصيل العلمي الذي كان مطبقاً منذ 32 عاماً، والتوزيع الآلي (الالكتروني) دون أي تدخل بشري، مع شفافية نشر الأسماء والأرقام الشخصية والنسب، على الرأي العام في البحرين.
يعد بيان 22 يوليو 2010 الأخير في مسار توزيع البعثات بشكل عادل على جميع طلبة البحرين، إذ أعقبه في العام 2011 بيان «سياسة التمييز» في توزيع البعثات وذلك بعد أحداث فبراير/ شباط 2011 وما تبعها من فرض حالة السلامة الوطنية، واعتقال أطباء ومهندسين ومحامين ومدرسين، وعدد كبير من الطلبة، وسحب بعثات طلابية، وتضييق الخناق على جميع التخصصات التي شغل أكثرها متعلمون مؤهلون علمياً من أبناء طائفة معينة، كان من المفروض أيضاً خلق استراتيجية جديدة لتوزيع البعثات، مع ضمان السرية، لا الشفافية والعلنية.
في البيان الأخير الذي اعتمده وزير التربية والتعليم ماجد النعيمي ركّز على نقاط مهمة ومفصلية في نزاهة نظام توزيع البعثات قبل العام 2011، إذ أكّد على أن خطة ذلك العام «لم تميّز بين البنين والبنات في أغلب التخصصات استمراراً للنهج الذي بدأته الوزارة في الأعوام السابقة»، وأن «التنافس على البعثات مفتوح بين الطلبة بحسب المعدلات، باستثناء تخصّص الطب الذي راعى التوازن بين البنين والبنات، وكذلك بعض التخصصات التعليمية الأخرى التي حددت للبنين بوجه خاص نتيجة لوجود نقص في تلك الفئات».
في البيان الأخير أكّد الوزير أيضاً أن الوزارة في ذلك العام استمرت في منح أوائل الطلبة في كل مسار من مسارات المرحلة الثانوية بالمدارس الحكومية والخاصة، بما يمنحهم أفضل الفرص لاختيار الدراسة التي تتناسب مع ميولهم، وفي إطار المعايير والشروط المعتمدة بالوزارة»، مشيراً إلى أن الاستمرار في هذا التوجّه يأتي باعتباره مكافأةً لأوائل الطلبة وفتح المجال أمامهم للتحصيل العلمي، بحيث يستفيد الطلبة الثلاثة الأوائل عن كل مسار باختيار التخصصات التي ينوون مواصلة الدراسة فيها، تقديراً لتفوقهم من ناحية، وتشجيعاً لهم على مواصلة التفوّق في مراحل الدراسة الجامعية من ناحية أخرى.
الوزارة أعلنت في البيان الأخير أن كشف النتائج الذي أعلنته يتضمن كل التفاصيل الخاصة بتوزيع البعثات على الطلبة، بما في ذلك اسم الطالب ورقمه الشخصي ومعدله التراكمي والبعثة التي حصل عليها والجامعة التي وجه إليها، بالإضافة إلى نشر هذه القوائم متضمنةً جميع البيانات بموقع الوزارة على الإنترنت.
ذلك البيان كان توثيقاً لمرحلة التوزيع العادل للبعثات (دون التطرق للبعثات غير المعلنة التي كانت تخصصها جهات رسمية وغيرها)، فعلى أقل تقدير كان التنافس على البعثات الدراسية بين الطلبة المتفوقين «شريفاً» واضحاً وشفافاً يمكن الطعن فيه في حال وجد طالب أنه ظُلم.
في التوزيع الحالي و«السياسي»، لا يمكن لأي طالب أن يطعن في التوزيع، إذ وضع الأمر بين يدي بشر «يمكن التشكيك في نزاهتهم وحياديتهم» إذا ما عرفنا أن تغيير آليات توزيع البعثات في 2011 جاء بخلفيات سياسية أثبتناها من قبل.
ربما طوابير المتظلمين على خطة توزيع البعثات الذين شهدناهم في الأيام الماضية وطوال السنوات الأربع الماضية أيضاً، تعتبر دليلاً صارخاً على عدم نجاح تلك الآليات التي حرمت الكثير من الطلبة من حقهم في المنافسة العادلة والشريفة على البعثات الدراسية.
في العام 2008 أقرت وزارة التربية مكافأة الطلبة المتفوقين وإعطاء الثلاثة الأوائل من كل مسار اختيار التخصص والجامعة، وذلك بحسب قولها حرفياً: «في إطار تنفيذ توجيهات القيادة لتعزيز الاهتمام بالمتفوقين دراسياً، وتشجيعاً لهذه الفئة من الأبناء من خريجي المرحلة الثانوية، قرّرت منح حق اختيار التخصص الذي يرغبون فيه والجامعة كذلك، بما يمنحهم أفضل الفرص لاختيار الدراسة التي تتناسب وميولهم واحتياجاتهم، وفقاً لمعايير وشروط الوزارة».
بعد ثلاث سنوات فقط، وبقرار «سياسي» قرّرت وزارة التربية تغيير سياستها ومنهجيتها التربوية والتعليمية، والابتعاد عن النزاهة والشفافية في توزيع البعثات، وألغت كل تلك القرارات التي وضعتها من أجل تشجيع الطلبة المتفوقين، فأدخلت يدها في توجيه البعثات والتحكم في التخصصات وإبعاد متفوقين وتقريب آخرين، حتى وإن كانوا من الثلاثة الأوائل في أي من التخصصات.
لا يمكن لأي منصف وعاقل أن يصف تلك السياسة بـ «التقدم» الحضاري المبني على الشفافية والعدالة، ولا يمكن وصفه إلا بـ «التراجع» الذي بني على سياسة مقصودة أساسها التمييز بين الطلبة المتفوقين وضع مستقبلهم بيدي من هم مشكوكٌ في أمرهم، حتى وجدنا «منافقين» يطالبون بأكثر من ذلك على أساس مذهبي ولتصفية حسابات «سياسية» استغلالاً لسلطات النفوذ التي أصبحت في يد حزبيين ممن ينتمون لتكويناتهم الدينية والسياسية.
سيبقى ذلك البيان الأخير، شاهداً على مرحلة واضحة من مراحل التمييز في هذا البلد، وشاهداً على سياسة عدم الإنصاف والعدالة، وحقيقةً ناصعةً على ضرورة الإصلاح الحقيقي والشامل الذي يغيّر منظومة التمييز القائمة حالياً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018