ارشيف من :أخبار لبنانية
العميد شامل روكز: ما وراء الاسم 2
روزانا رمّال - صحيفة البناء
لا تقتصر الحسابات بالعلاقات بين الدول ومساحات الاهتمام السياسي في منطقة الشرق الاوسط على مصالح آنية او خطوات تكتيكية، بل تنسحب لتصبح حسابات بعيدة الأمد تهدف إلى رسم مشهد سياسي صالح لخدمة حقبة سياسية لفترة محددة تكون غالباً مرتبطة بتوجه الإدارات بالدول الغربية كلّ حسب برامجها ورؤاها في المنطقة، كالإدارة الاميركية على سبيل المثال. لطالما سعى البيت الابيض نسبة الى دراسات وبحوث صدرت عن وزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» وبعض المؤسسات البحثية والمعاهد الى التعمّق في شخصيات القادة وقدرتها على التأثير في صناعة الرأي العام وترك انطباع لفترة غير قليلة من الزمن وفي بعض الأحيان لجأت الإدارة الاميركية الى خلق او صناعة تلك الشخصية المفترض انها قادرة على تأدية دور ما لخدمة مشروع ترى فيه الولايات المتحدة أولوية تحقق هدفها وتخدمه بشكل دقيق. إحدى هذه الشخصيات أسامة بن لادن الذي برز كرمز للإرهاب في هذا العالم، علماً أنه صناعة ناجحة لاستخبارات محترفة استطاعت نشر صورة بن لادن حينها وغيره اليوم فتمدّد هذا الفكر واستقرّ.
تدرك الولايات المتحدة جيداً مستوى تأثير صناعة تلك الشخصيات على الرأي العام الدولي او الداخلي ضمن دولة او اقليم محدّد، لذلك تتدخل بشكل مباشر في انتقاء الشخصيات التي يمكنها تبوؤ مراكز السلطة في المنطقة عموماً والدول العربية خصوصاً، ويلعب بعض حلفائها العرب هذا الدور بإشرافها غالباً، ويشرح هذا اكثر أمثلة متعددة لصناعات الزعامات كان للبنان حصة أساسية فيها لعدة مرات، سعد الدين رفيق الحريري أحد امثلة تاريخه الحديث والذي ربما ظهر وريثاً لزعامة بداية من دون ان يكون شخصية قيادية واعدة، فخضع الحريري لتدريب وتأهيل إعلامي كبير ساهم كثيراً في تحسين صورته وقدرته على التأثير في قاعدته الشعبية قبل كلّ شيء.
العقبة الرئيسية التي يعاني منها العميد شامل روكز ويجابه لأجلها برفض تعيينه قائداً للجيش تتعدّى الحساب الآني لملئ فراغ في مركز قيادي مسيحي، لتنسحب الى ما وراء التعيين، فالعميد روكز يشكل أحد أبرز القياديين المسيحيين وتعيينه قائداً للجيش هو فتح باب عريض لزعامة وحيدة قادرة على ان تخلف العماد ميشال عون وربما الوحيدة التي استطاعت السير على خطاه، فشعبية روكز واضحة تعززت كقائد مغاوير ارتأى في معارك عديدة لمكافحة الإرهاب عدم انتظار المنطق السياسي الخاضع لحسابات لا يتحمّل وزرها الوطن، كانت معركة عبرا صيدا ابرزها، لهذا السبب تشير المعلومات الى انّ الحسابات الإقليمية حول هذا الاسم تحديداً تتجه نحو قلق من عدم تعيينه حيناً وتأمين مخرج مناسب لا يحوّل لبنان ساحة صراعات ونحو القلق من تعيينه وتكريس زعيم قوي يشكل عبئاً اساسياً لجهة ارتفاع المؤشرات التي ترتبط بتعاون وثيق وضمانة مستقبل العلاقة مع المقاومة الغير خاضعة للتسييس او المساومة، والتي من الممكن ان تشكل عاملا رئيسيا في مكافحة الارهاب، قد يبعث ايضاً على مزيد من التنسيق مع الجيش السوري للغاية نفسها من دون العودة لأي حساب سياسي او فئوي.
المعلومات تشير ايضاً الى مقترح خليجي يهدف الى قطع الطريق على العميد روكز بطرح تعيينه وزيراً للدفاع عوضاً عن قائد للجيش، ففي واقع الامر لا تشكل الوزارة سوى إغلاق الباب أمام اول خطواته نحو الزعامة المسيحية التي تسهّلها تاريخياً قيادة الجيش في لبنان أكثر من غيرها، مقابل ان يتسلّم العماد عون الرئاسة.
مصدر ديبلوماسي غربي يؤكد عدم دقة الطروحات التي عمّت الساحة اللبنانية بينها «تراجع عون عن الرئاسة مقابل تعيين شامل روكز قائداً للجيش، لأنّ العكس هو الصحيح فقبول عون رئيساً أسهل بالنسبة إلى المعنيين دولياً بهذا الملف مقابل التنازل عن روكز قائداً للجيش، ويضيف:» المهم ان لا ينتبه العماد عون ويلعبها معنا ويقول قبلت التخلي عن الرئاسة مقابل وصول روكز لقيادة الجيش لأنه سيحرج الجميع ويصل روكز، وفي النهاية عندما يحين وقت الرئاسة اذا كان خياراً سيقبلونه مهما كان اسم قائد الجيش!
ضابط متقاعد رافق العماد إميل لحود في مسيرته العسكرية يقول في هذا الإطار: تذكروا اغتيال اللواء فرانسوا الحاج صديق المقاومة الأقرب الذي أدّى اغتياله لإخلاء الساحة من أمثاله في ظلّ موازين كانت تجعل الاعتراض عليه مع وصول الوسطي ميشال سليمان رئيساً للجمهورية فصار الطريق سالكاً لوسطي آخر هو جان قهوجي لقيادة الجيش، ومثل الأمر نفسه حدث يوم تولى العماد إميل لحود رئاسة الجمهورية وكيفية منعه من تسمية قائد للجيش يشبهه، وفرض المعادلة التي تقول تكفي الرئاسة فليكن قائد الجيش وسطياً، والمعادلة هي ببساطة فليصل من يشبه إميل لحود إلى الرئاسة لأنّ المهم الا يصل مثل إميل لحود إلى قيادة الجيش!
العميد شامل روكز: ما وراء الاسم اكثر من قائد للجيش وأزمة حصص وكيدية سياسية داخلية، فتعيين قادة الجيوش ليست على الإطلاق مهمة داخلية في ايّ دولة من دول المنطقة العربية، وحسابات اجهزة الاستخبارات الدولية تخطت التكتيكات لتصل الى استراتيجيات يعمل بجدّ لعدم صبّها في خانة تهديد المشروع «الاسرائيلي» ـ الاميركي للمنطقة. لهذا فإنّ تعرّض العميد شامل روكز رغم الاجماع على مناقبيته من كافة الافرقاء اللبنانيين من دون استثناء، لمحاولات حثيثة لقطع الطريق امامه هو امر محتوم من غير المستبعد ان يشارك فيه في الحساب الداخلي الضيق كلّ من يرى فيه مشروع زعامة حقيقية تهدّده ولو جاءت من أقرب المقرّبين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018