ارشيف من :أخبار لبنانية

حزب ولاية الفقيه ينهي أسطورة ’البعبع’

حزب ولاية الفقيه ينهي أسطورة ’البعبع’

غسان سعود - صحيفة الاخبار

قبل حرب تموز 2006، لم يكن حزب الله يجثم على قلوب كثيرة اكتشفت ضيق تنفسها بسببه بعيد هزمه إسرائيل، فبدأت البحث في الأرشيف عما يمكنها من انتقاده وكسر هالته وتنفير الرأي العام منه. تكفل تيار المستقبل وبعض الشيوخ التكفيريين ببعض الرأي العام، فيما اهتمت الأمانة العامة لقوى 14 آذار والقوات اللبنانية وجزئيات سياسية مثل حركة الاستقلال وغيرها من جمعيات الـUSAID ببعض آخر. انخرط حشد من وسائل الإعلان والإعلام والبطريركية المارونية في مهمة تحويل حزب الله إلى بعبع، لتبلغ التعبئة ذروتها عشية انتخابات 2009 النيابية.

وقد استفاد خصوم الحزب من: 1ــ انكفاء التيار الوطني الحر نحو الدفاع عن نفسه بدل الهجوم. 2ــ عدم امتلاك حزب الله علاقات بعيداً عن مناطق نفوذه، سواء بالسياسيين أو الإعلاميين أو المجالس البلدية والجمعيات وسائر الفاعليات ومكونات الرأي العام. 3ــ الفراغ السياسيّ في البلد الذي جعل من الحزب مادة دسمة وحيدة. إلا أن تشكيل قوى 14 آذار الحكومة التي تلت تلك الانتخابات، بالتعاون مع حزب الله، بدد بداية كل الكذب عن استحالة التعايش معه، وسرعان ما كرت السبحة: حزب ولاية الفقيه ينقل قداديس الأعياد المسيحية مباشرة. الحزب الشمولي يعاند حتى يستعيد المسيحيون ممثلين بالتيار الوطني الحر كل حقوقهم الوزارية.

حزب السلاح يقول إن للعماد ميشال عون ديناً عليه حتى يوم القيامة. حتى اقتراع بعلبك والهرمل للنائب إميل رحمة قبل مرشحي حزب الله، لمجرد أنه معهم في السياسة، كان له رمزيته في بلد ينظر بمذهبية إلى كل شيء ويحفظ للعكاريين اقتراعهم عام 2000 لمرشح من الضنية لا يعرفونه بكثافة أكبر بكثير من اقتراعهم لنائب رئيس مجلس الوزراء عصام فارس رغم معرفتهم الخدماتية الوطيدة به. أما النساء اللواتي عابت عليهن قوى 14 آذار ارتداء الشادور، فتبين «لاستشراقيي» ثورة الأرز، أنهن مهندسات وطبيبات ورياضيات وأستاذات جامعيات وربات منازل، يقدن السيارات ويتثقفن ويناضلن لقضية. والشباب الذين دأب أتباع مدرسة نديم قطيش الفكرية على تصويرهم قطاع طرق، فاكتشف الجمهور أن بينهم متخرجين في الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اليسوعية والمعهد الأنطوني وغيرها من الجامعات التي يظن عقل 14 آذار الاستعلائي أنها حكر على جمهورهم ومقياس للتقدم. وهؤلاء المتخرجون يستشهدون مع زملائهم في «اللبنانية» فداءً لما يؤمنون به. ومن العام إلى الخاص: نزل حزب الله من الهرمل إلى القبيات، ومن بدنايل إلى بسكنتا، وعبَر كل خطوط تماس بعبدا والبقاع الغربي وجزين لبناء الثقة مع جيرانه. بات تضخيم الإشكالات الفردية كما كان يحصل سابقاً شبه مستحيل، وصار صعباً خداع الرأي العام بالشائعات المدسوسة لشيطنة الحزب. يقارن العقل الباطن للمذاهب اللبنانية بين استقبال البطريرك بشارة الراعي في الهرمل واستقباله في مناطق أخرى، بما في ذلك تلك المارونية.

ويلاحظ حرص الحزب على احترام بيوتات سياسية لم تتساهل مناطقها في محاسبتها، مثل الرئيس أمين الجميل. باتت طلبات رؤساء المجالس البلدية في مناطق نفوذ التيار الوطني الحر تلقى الأولوية على ما عداها، كما غدا مستشفى الرسول الأعظم يعج بالمرضى المرسلين من نواب التيار الوطني الحر وهيئاته المناطقية، فيدخلون بسهولة أكبر بكثير من دخول المستشفيات المجاورة لمنازلهم، ملاحظين انتقال أحد المستشفيات الخاصة إلى «الرسول»، محافظة مع ذلك على اسم القديس الذي يحمله، في وقت تصارع فيه تلة البلمند للحفاظ على اسمها.

هذا الانفتاح الاجتماعي والإنمائي والخدماتي، تزامن مع تراجع حملة المستقبل وحلفائه على حزب الله بحكم وجودهما في حكومة واحدة، قبل أن ينتقل جمهور التيار الوطني الحر من الدفاع إلى الهجوم غداة الهجمة التكفيرية على المنطقة. وفي النتيجة، سقطت محاولات العزل الداخلية التي دفع حلفاء الإسرائيليين مأجوريهم اللبنانيين باتجاهها بعيد اكتشافهم أن الاحتضان الشعبي للحزب كان أحد العوامل الأساسية في صموده في حرب تموز. ورغم النقاش السياسي بشأن جدوى السلاح ومبررات التدخل في سوريا والبعد الديني للحزب، فإن تخويف الرأي العام بحزب الله سقط إلى غير رجعة. لعب التيار الوطني الحر دوراً أساسياً في حماية خاصرة الحزب، تبعه دور متقدم للبطريركية المارونية التي لاقت أخيراً حزب الله في منتصف الطريق، إلا أن الدور الأهم لعبه الحزب نفسه حين تنبه إلى الفخ الإسرائيليّ، فانطلق رغم كل الظروف السياسية والأمنية باتجاه الآخرين ليعرفهم بنفسه عن نفسه، داحضاً كل الأكاذيب. حين تسأل عن حزب الله اليوم، ستجد من يوافقك على حمايته لك من التكفيريين أو يعارضك، لكن يكاد يكون مستحيلاً أن تجد من يستطيع تخويفك منه.

2015-08-15