ارشيف من :أخبار لبنانية
تحدي الانقسام يواجه الحملات الاحتجاجية .. وإعلان حل لملف النفايات قريبًا
راغب فقيه
انتهى يوم أمس دون عراك أو تضارب في الشارع، ودون احتلالات للوزارات؛ إلا أنَّ اقتحام وزارة البيئة أول من أمس أعاد استنفار القوى السياسية والأمنية في اتجاه خطوط حمراء أعلن عنها وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، وبدا الاستنفار من خلال الحواجز الحديدية الجديدة التي وضعت إلى جانب الوزارات والسراي الحكومي. ووفق ما ذكرت الصحف اللبنانية الصادرة في بيروت، اليوم، فإن الانقسام بين الحملات الاحتجاجية طفى على السطح، خاصة بعد أحداث اليومين الماضيين. هذا وقد أُجِّلت جلسة انتخاب الرئيس الى 30 من الجاري، في وقت استكمل فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري وضع لمساته التحضيرية لجلسة الحوار في التاسع من الشهر الحالي.
وعلى خط النفايات، أشارت معلومات صحافية الى أن اللجنة الوزارية الخاصة بمعالجة ملف النفايات ستعلن قريبًا عن خطة حل على مرحلتين، الاولى سريعة ومرحلية لمعالجة الوضع الحالي عبر جمع النفايات من الشوارع والثانية بعيدة المدى مستندة الى حلول جذرية للمشكلة هي نتاج اجتماعات بعيدة من الاضواء بين الوزير أكرم شهيب ومجموعة من الخبراء.

السفير
السلطة مطالبة بالتقاط رسالة الشارع المتدحرجة قبل فوات الأوان
«الحراك» أمام تحدي الوحدة أو الانقسام؟
وتحت هذا العنوان كتبت السفير تقول "لبنان بلا رئيس للجمهورية لليوم السادس والستين بعد الاربعمئة على التوالي. على مقربة من ساحات الحراك المدني في وسط بيروت، أخفق مجلس النواب مرة أخرى أمس في انتخاب رئيس للجمهورية، الأمر الذي أكد من جديد أحقية الحراك ضد سلطة سياسية عاجزة، لا تفوّت مناسبة لإثبات فشلها.
أما وان الشارع التقط أنفاسه قليلا، أمس، في «استراحة محارب»، مستعيدا بعض الهدوء الذي يسبق العاصفة المقبلة، فإن المعنيين على ضفتي الحراك المدني والسلطة، مطالبون بمراجعة التجربة التي وُلدت مع انتفاضة 22 آب، ثم تطورت في الأيام اللاحقة، لتضخ دينامية غير مسبوقة في عروق الحياة السياسية المتيبسة والراكدة منذ سنوات طويلة.
وإذا كان البعض يتساءل عن سر توقيت الحراك في هذه اللحظة بالذات، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب ان يطرح معكوس الوجهة، وهو: لماذا تأخر الحراك أصلا حتى الآن، ولماذا لم ينطلق من قبل، ما دام هناك عشرات الأسباب التي تبرر النزول الى الشارع، بينما لا يوجد سبب واحد يبرر الصمت والانكفاء والإحباط.
شغور رئاسة الجمهورية منذ أكثر من عام، التمديد الاول ثم الثاني لمجلس النواب، تجاهل سلسلة الرتب والرواتب، تمادي التقنين الكهربائي، أزمة المياه، إهدار الفرصة النفطية، فضيحة النفايات.. ان كل واحد من هذه العناوين كفيل بإحداث ثورة، فكيف إذا اجتمعت كلها في وقت واحد.
وعليه، ليس هناك التباس حول شعارات الحراك الذي قد يحتمل النقاش في آلياته ومساره، لكن دوافعه ومنطلقاته خارج البحث وتستمد شرعيتها من معاناة الناس ووجعهم.
وانطلاقا من هذا الواقع، لا يجوز الانجراف وراء نظرية المؤامرة وتفسير ما يجري في الشارع على أساسها، لان في ذلك ظلماً كبيراً لعشرات آلاف المواطنين الذين صبروا كثيرا، قبل ان يقرروا ان ينتفضوا على جلاديهم من رموز الفساد.
ولكن في الوقت ذاته لا يصح تجاهل حقيقة ان بعض أصحاب الارتباطات المريبة تسلقوا الحراك وحاولوا حرفه عن سكّته الأصلية، مع وجوب التنبه الى ضرورة عدم اختزال الانتفاضة الشعبية بهؤلاء الذين لا بد من مصادفتهم في كل شارع مفتوح على مصراعيه.
كما أن المحبطين من سلوك فريقي «8 و14 آذار»، وخصوصا منهم بعض «الأقلويين» المحسوبين على الفريق الثاني، يحاولون التسلق على التحرك إما لتصفية حساب أو التعويض عن فشل أو تأكيد الذات والحضور..
وبمعزل عن الملاحظات العديدة والجوهرية على التحرك في الشارع، يمكن القول ان هذا الحراك نجح منذ انطلاقته في صناعة معطيات جديدة، أبرزها:
- تغيير جدول الأعمال الداخلي الذي كان مستغرقا في بنود كلاسيكية ومستهلكة، لتقتحمه فجأة أولويات الناس وهمومهم.
- كسر الحواجز النفسية والمحرمات السياسية التي كانت تكبّل المواطنين وتصنع نوعاً من الحصانة للسلطة وأهلها.
- إرباك الطبقة السياسية التي تخبطت في التعامل مع انتفاضة الشارع منذ بداياتها، فبعضها حاول الصعود الى القطار من محطته الاولى في 22 آب ثم ترجل منه، والبعض الآخر أيد الشعارات المحقة واعترض على أسلوب تحقيقها، وآخرون تبادلوا الاتهامات وتحميل المسؤوليات عما آلت اليه الامور، ثم في مرحلة لاحقة بدا أن «المصيبة» جمعت معظم اتجاهات هذه الطبقة التي راحت تكثر من انتقاداتها للحراك المدني مع مرور الوقت.
- بداية تعديل في موازين القوى التي تتحكم بقواعد اللعبة الداخلية، وهناك من يعتقد أن موج الحراك الشعبي نقل لبنان على الأقل من ثلاجة الانتظار الى مرحلة انتقالية مصيرية. أما الى أين يمكن أن تفضي هذه المرحلة، وبأي كلفة وبأي مدى زمني، فيتوقف الأمر على طبيعة تصرف الأطراف القادرة على التأثير في تحديد اتجاه السير، وهي: التركيبة السلطوية التقليدية، الحراك الشعبي المضاد، والقوى الموجودة ضمن تركيبة الحكم ولكنها تتمايز عنها في السلوك ولا تتساوى معها في الفساد، وبالتالي يمكن أن تشكل «بيضة قبان» في الصراع، تبعاً للخيار النهائي الذي ستتخذه، بعد خروجها من حالة الحيرة والتأرجح.
ولأن المسؤولية باتت بحجم الآمال العريضة التي علقها المواطنون على انتفاضة الشارع، فإن مكوّنات الحراك المدني مدعوة الى مراجعة هادئة لما جرى منذ 22 آب، وتصويب الأخطاء التي وقعت عمداً أو سهواً، خصوصا أن هذا الحراك أصبح ملك الناس جميعا، وبالتالي فهو بات «أمانة» لدى المجموعات والحملات التي تتولى قيادته.
وعلى هذه القاعدة، فإن حملات الحراك المدني مطالبة بالبناء على ما تحقق حتى الآن، والانتقال من حماسة الأيام الأولى الى رصانة النضال الطويل الأمد الذي يتطلب المزيد من التنظيم على الارض، والموضوعية في الأهداف، لا سيما أن المعركة ضد الفساد ستكون طويلة، والفوز فيها سيؤول الى أصحاب النَفَس الطويل.
صحيح أن تعدد الحملات الشبابية هو مصدر تنوع وعنصر غنى، في مواجهة الأحادية والشخصانية لدى رموز الطبقة السياسية، لكن هناك خيطاً رفيعاً بين الحيوية التي ينتجها تعدد الروافد، والفوضى التي يسببها ضعف التكامل أو التنسيق على مستوى التكتيك والاستراتيجية.
ولعل العبرة الأساسية التي يُفترض أن يستخلصها قادة الحراك من خصومهم هي الابتعاد عن نزعة التفرد أو الفردية، تحت تأثير الأضواء ووهج الشارع، مع ما يتطلبه ذلك من تفعيل للإطار التنظيمي الذي يُفترض به أن يتسع لكل الخلافات في وجهات النظر، من دون أن يخسر القدرة على اتخاذ القرار الموحد.
الأمر الآخر الملح هو تجنب الانزلاق على جليد التسرع، والامتناع عن منح هدايا مجانية الى السلطة، من نوع اقتحام وزارة البيئة للمطالبة باستقالة الوزير محمد المشنوق، وهو تصرف لم يتحمس له معظم رموز الحراك المدني.
وفي خضم الشكوى من فساد السلطة بمظاهره المتعددة، يجب عدم إغفال أهمية التركيز على تجفيف منبعه المتدفق، والمتمثل في هذا النظام السياسي الذي يجدد خلاياه عند كل انتخابات نيابية، ما يستدعي خوض معركة شعبية منظمة لفرض إقرار قانون انتخاب عصري، على أساس النسبية الكفيلة بفرز قوى جديدة في الجسم السياسي.
ولأن الطموح يصل الى هنا، فإن المطلوب تحصين الانتفاضة الشعبية وتعزيز مناعتها في مواجهة محاولات الاختراق من خارجها، عبر أجهزة مخابرات أو سفارات مموّهة بستار المنظمات غير الحكومية(...)، ومحاولات استغلالها من داخلها عبر هواة أو أصحاب هويات ملتبسة أو بعض تجار السياسة والنفايات.
إن السطو على فرصة التغيير هو أخطر ما يمكن أن يحصل، الامر الذي يستوجب حمايتها واحتضانها، وهذا لا يكون إلا من خلال «إغراق» الشارع بالجمهور العابر للطوائف والمذاهب، وحثه على تعزيز حضوره في الساحات، وليس تخويفه منها، وهذا ينطبق بالدرجة الأولى على جمهور المقاومة بكل حساسياته وبيئاته.
وبمعزل عن الحسابات التي تتحكم بموقف كل مكوّن من مكوّنات السلطة حيال الحراك الشعبي، فإن الدرس الأساس الذي يجب أن تستخلصه هذه السلطة من تجربة الشارع خلال الأسبوعين الماضيين هو أن استخدام العنف ضد المحتجين لا يفيد في مثل هذه الحالات، بل يعطي مفعولا عكسيا كما أثبتت محطات تاريخية ومعاصرة، انطلاقا من قاعدة ثابتة وهي أن قمع السلطة يؤدي الى تحشيد الناس وتحفيزهم.
لكن التحدي الأهم الذي يواجه الطبقة السياسية المترنحة، يكمن في أن تدرك دلالات الانتفاضة الشعبية، وتتفادى التعاطي معها باستخفاف أو بأحكام مسبقة تضعها في خانة الشبهة، بغية التهرب من الاستجابة لمطالبها الإصلاحية.
هل ستلتقط السلطة رسالة الشارع، قبل فوات الأوان؟ ربما تحمل طاولة الحوار في 9 أيلول الجواب القاطع، مع الإشارة الى ان كلام وزير الداخلية نهاد المشنوق امس حول عقوبات مسلكية وتأديبية لبعض ضباط وعناصر قوى الامن الداخلي لم يرض الحملات الشبابية ولم يشف غليلها.
الأخبار
الخلافات تربك الحراك الشعبي: «طلعت ريحتكم» تعرقل الإطار التنسيقي الموحّد
كما تناولت الأخبار الشأن المحلي وكتبت تقول "بدلاً من الإعداد للتحرّك الشعبي التصعيدي في التاسع من آب وإيصال رسالة بليغة الى الزعماء بأن عليهم أن يرضخوا لما يطالب به الناس، غرقت المجموعات المنخرطة في هذا التحرّك في خلافاتها، بسبب إصرار مجموعة «طلعت ريحتكم» على التفرّد بقيادة الحراك الشعبي وإبقاء سقف مطالبه منخفضاً ومنحصراً بأزمة النفايات وإجراء الانتخابات كيفما كان... هناك مخاوف جدّية على الحراك من المواقف غير المسؤولة، التي يبدو أن أصحابها لم يدركوا أن المتظاهرين في 29 آب ذهبوا بعيداً في مطالبهم أبعد كثيراً ممّا تطرحه كل المجموعات.
أوّل من أمس أعلنت معظم المجموعات التي شاركت في تظاهرة السبت الفائت تشكيل «لجنة متابعة تحرّك 29 آب». أول قرارات هذه اللجنة كان دعوة الناس إلى النزول إلى وزارة البيئة تضامناً مع ناشطي حملة «طلعت ريحتكم»، الذين اقتحموا مبنى الوزارة من دون أي تنسيق مسبق مع المجموعات الفاعلة الاخرى. تفرّد ناشطي الحملة بتنفيذ خطوتهم التصعيدية شكّل خضّة في هذا الاطار التنسيقي الموحّد الوليد، وأدّى الى تراجع مستوى الثقة بنيّات ناشطي الحملة المذكورة وأهدافهم الفعلية.
لكن لجنة المتابعة تجاوزت سريعاً ردّ الفعل السلبي بهدف الحفاظ على وحدة الحراك وعدم السماح بشق صفوفه، إلّا أنّ حملة «طلعت ريحتكم» لم تتعامل بالإيجابية نفسها، فصرّح أحد مؤسسيها، الناشط عماد بزي، لصحيفة «السفير» أمس، بأنّ الحملة «لديها نيّة غير مكتملة بعد، تقضي بالإعلان عن فك ارتباطها بكل الحملات والجمعيات والمجموعات في الحراك المدني». شكّل هذا التصريح ضربة لمحاولات توحيد الحراك، وعزز حالة انعدام الثقة بين المجموعات الناشطة المختلفة وبين حملة «طلعت ريحتكم».
كان من المفترض أن تجتمع اللجنة مع حملة «طلعت ريحتكم» أمس من أجل تذليل الخلافات التي بدأت تظهر، إلا أن منظمي الحملة اعتذروا عن عدم الحضور بحجّة وجود «أسباب صحية» تتصل بالعنف الذي تعرّضوا له في وزارة البيئة، ما استدعى تأجيل الاجتماع معهم الى اليوم، فيما استكملت المجموعات الاخرى نقاشاتها واتفقت على تشكيل لجان تخصصية منها: لجان محامين، إعلاميين، مناطق، ولجنة تواصل مهمتها التنسيق مع البلديات والهيئات المحلية.
يقول عماد بزي لـ»الأخبار» إنّ «جميع الخيارات مطروحة، وحتى اليوم (أي ظهر أمس) لا يزال الامر غير محسوم». كلام بزي يوحي بأن عدم الحضور الى الاجتماع لم يكن بسبب «الاسباب الصحية»، إذ إن هناك معلومات من داخل الحملة تشير الى وجود خلافات بين ناشطيها في شأن الانضمام الى لجنة المتابعة. وبحسب هذه المعلومات، يعارض مروان معلوف، مطلقاً، أي تنسيق مع المجموعات الاخرى، ويصرّ على التفرّد والعمل باستقلالية كاملة عن باقي مكوّنات الحراك، في حين ان بزّي نفسه وأسعد ذبيان يميلان أكثر الى إيجاد شكل ما للتنسيق من دون الوصول الى ما يعتبرانه ذوباناً في إطار موحّد مع المجموعات الاخرى.
لكن المسألة ليست في التنسيق أو عدمه، بل تكمن حقيقة في سقف الحراك ومطالبه، إذ إن معظم المجموعات المنضوية في لجنة المتابعة تريد أن ترفع سقف المطالب الى مستوى يحاكي مطالب الناس وشعاراتهم التي رفعوها في تظاهرة 29 آب، وبالتالي وضع برنامج عمل يسعى الى بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على مبادئ حقوق الانسان والحريات العامة والشخصية والعدالة الاجتماعية، بما في ذلك إجراء انتخابات نيابية كأولوية، شرط أن تكون على أساس قانون يعتمد النسبية والدائرة الواسعة. إلا أن بعض ناشطي حملة «طلعت ريحتكم» يعتبرون ذلك برنامجاً يسارياً، ويرفضون حتى ذكر كلمة «عدالة اجتماعية»، وهم يصرّون على إبقاء الحراك في إطار حملة تهدف الى إثارة قضية النفايات فقط، وعندما وافقوا على إدراج مطلب الانتخابات، ردّدوا أنهم غير مهتمين بقانونها، وهو ما صرّح به معلوف على شاشة التلفزيون.
يتحدّث بزي عن الخلاف بين حملة «طلعت ريحتكم» والمجموعات الاخرى، ويقول بصراحة إن الخلاف هو على المطالب، إذ إنّ الحملة تريدها أن تبقى مطلبية أكثر، و»هناك مطالب طُرحت في الاجتماعات مع المجموعات الأخرى لا نوافق عليها»، ويصفها بأنها «مطالب ايديولوجية»! ويضيف «يجب البحث عن إطار يضمن استقلالية المجموعات ويكون جامعاً في الوقت نفسه من أجل التنسيق». إلا أن مصادر في الحملة (رفضت ذكر اسمها) تتحدّث بصراحة ووضوح، تقول إنّها «لا تريد أن يشاركها أحد في قراراتها وبياناتها وخياراتها، فهي تحبّذ أن تحافظ كل مجموعة على استقلاليتها وخطابها، لكنها تشجّع التنسيق بين المجموعات، وكانت أول الداعين الى خلق إطار تنظيمي. وهي ستشارك في خطوات التصعيد التي تنظّمها المجموعات الأخرى»، مضيفةً أنّها «متمسكة بمطالبها الأربعة في الوقت الحالي، من دون توسيع حجم المطالب كما تريد المجموعات الأخرى»، وهي معالجة أزمة النفايات واستقالة وزير البيئة ومحاسبة المعتدين على المتظاهرين وإجراء الانتخابات.
أحد الناشطين الذين كانوا يعملون على التنسيق بين المجموعات (رفض ذكر اسمه) أوضح أنّ حملة «طلعت ريحتكم» أرادت منذ البداية أن يكون التعاون مع الآخرين «استشارياً»، وهو ما أخاف المجموعات الأخرى، خصوصاً أنّ الحملة بقيت تراوغ ولا تعلن مرادها بوضوح، ما يعني أنّ الحملة (فعلياً) غير موافقة على «إعلان مبادئ الدفاع عن المجتمع» الذي صدر عن المجموعات بصيغة مشتركة، والذي حدّد مبادئ عامة للحراك، أبرزها «بناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة تكفل الحقوق المدنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الأساسية»، علماً بأنها شاركت في الاجتماعات التي سبقت إعلانه. وهي عبّرت صراحةً في اجتماعاتها مع المجموعات عن رغبتها في بقاء المبادرة في أيديها، ومنظّمو الحملة يعلمون أنهم بذلك يعرّضون الحراك للفشل.
هكذا، يتبيّن أنّ النقاش حول شكل التصعيد يتجاوز الشكل الى المضمون، وعلى هذا الاساس تظهر التباينات بين المجموعات. فحملة «طلعت ريحتكم» أصبحت واضحة بأنها تريد تحقيق مسألتين: الأولى، وجودها المستقل عن باقي المجموعات وعدم ميلها إلى أي إطار تنسيقي مع المجموعات الأخرى يتجاوز التنسيق السطحي. والثانية، رؤيتها للحراك على أنه مجرد حملة تتعلق بالنفايات ورفضها تحت عناوين عدة أيّ اتجاه للاتفاق على برنامج عمل أوسع من الأهداف التي وضعتها في البداية.
ترى المجموعات الأخرى المشاركة في «لجنة متابعة تحرّك 29 آب» أنّ هذا الحراك الشعبي يجب ألّا يقتصر على أزمة النفايات، بل عليه أن يؤسس لحراك شامل يهدف الى تعديل السياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يؤمن مصالح الفئات الاجتماعية المتضررة. وهذا ما تراه «طلعت ريحتكم» على أنه «أيديولوجيات» و»تسييس» للحراك و»خروج عن استقلاليتها عن القوى السياسية»، فيما هو «استكمال لمعركة الحقوق». ويرى المشاركون في اللجنة أنّ «أي حراك من دون مضمون سياسي يبقى حراكاً فارغاً»، وتشير مصادر معنيّة إلى أنّ المجموعات خفّضت سقف مطالبها مراعاةً لحملة «طلعت ريحتكم»، مع إصرارها على إعطاء الأولوية لملف النفايات وما ترتبط به، أي دور البلديات. لذلك فإن الحديث عن دور البلديات في حل مشكلة النفايات هو حديث عن علاقة السلطة بالبلديات، أي حديث سياسي، وبالتالي فإن سعي «طلعت ريحتكم» إلى إقصاء السياسة بالكامل عن الحملة هو تفريغ لمضمون المطالب التي تطرحها.
أولى نتائج هذا الخلاف تمثّلت في انسحاب الناشط الصحافي حسان الزين أمس من الحراك بعد خطوة «طلعت ريحتكم» أول من أمس. يؤكد الزين لـ»الأخبار» أنّه انسحب لأنه «لم يعد هناك ثقة بالتعامل بين المجموعات التي فقدت لغة التواصل بينها، وليس هناك أفق واضح للحراك»، متسائلاً «الى أين يتجه الحراك؟ لا أحد يعلم، ليس هناك أي اشارة الى وجود رؤية سياسية للحراك».
تلتقي آراء كثيرين اليوم على أن الخلاف الحاصل بين «طلعت ريحتكم» وبقية المجموعات والناشطين يضع الحراك أمام اتجاهين: الاول يريد أن يأخذ الحراك الى الوضوح عبر برنامج عمل سياسي يستهدف السياسات الاقتصادية والاجتماعية ويحدد معالم الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية، وهو ما تعبر عنه المجموعات المندفعة الى تشكيل إطار تنسيقي موحّد. والاتجاه الثاني تعبّر عنه بوضوح أيضاً حملة «طلعت ريحتكم» التي تدفع كي يبقى الحراك مجرد حملة على خلفية أزمة النفايات، وبالتالي إبقاء الحراك فارغاً من أي مضمون سياسي حقيقي وجدي، وهو ما يعتبره الآخرون يسهّل استخدامه في أي اتجاه من قبل قوى السلطة المتربصة.
يُطرح هنا تساؤل مشروع: ما الذي قصدته حملة «طلعت ريحتكم» برفع شعار «يسقط يسقط حكم الأزعر»؟ هل حكم الأزعر، أي نظام الفساد، يقتصر على أزمة النفايات فقط أم يتعداها الى مختلف الملفات؟
لا تُنكر المجموعات دور «طلعت ريحتكم» في التحريض على أزمة النفايات، لكنّها في الوقت نفسه ترى أن من استقطب في تظاهرة السبت الفائت هو الحراك بمجمله، لذلك فإنّ المصلحة العامة للحراك تقتضي أن تكون «طلعت ريحتكم» جزءاً أساسياً منه، وهي مسؤولة عن صياغة خطاب وبرنامج عمل للحراك يحاكي مطالب الناس التي فرضت سقفاً عالياً، وبالتالي فإن انسحاب الحملة من الحراك سيكون تصرفاً غير مسؤول يؤدي الى إحباط الجميع.
تجري الاتصالات الكثيفة منذ أول من أمس بين مكونات لجنة متابعة تحرّك 29 آب والناشطين في حملة «طلعت ريحتكم»، وذلك بهدف البحث في كيفية تعزيز وتحصين الحراك ضمن الإطار التنظيمي المطروح، مع التأكيد على أنّ هذا الإطار لا يزال مرناً ولا بد من وضع آلية لاتخاذ القرارات فيه. وتشير المصادر الى أنّ الجميع واعٍ لأهمية التعاون والتنسيق بين المجموعات، بمن فيهم القيّمون على حملة «طلعت ريحتكم»، وهو ما ستتم بلورته قريباً.
في الوقت نفسه، يجري الإعداد لتحرك تصعيدي واسع في 9 أيلول بالتزامن مع انعقاد طاولة الحوار في المجلس النيابي. وأشارت مصادر من «طلعت ريحتكم» إلى أنّ الحملة ستشارك في هذا التحرك. حتى اليوم، يقتصر المخطط على تنظيم تظاهرة حاشدة اعتراضاً على محاولة توحيد قوى السلطة في مواجهة حراك المواطنين وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إلّا أنّ بعض المجموعات يطرح أن تذهب الأمور الى أبعد من ذلك، وصولاً إلى إقفال الطرقات المؤدية إلى مكان اجتماع رؤساء الكتل النيابية. يرى المحامي نزار صاغية أنّ «أخطر ردّ من الحكومة على ما حصل نهار السبت هو الدعوة الى الحوار بهدف إعادة توحيد الصف السياسي ضد المواطن»، داعياً الناس إلى تثبيت موقعهم، «لأن ما حصل السبت لم يكن لمرة واحدة فقط، بل هو عمل مستمر، ونعمل لتأمين أكبر حشد ممكن».
النهار
تشجيع دولي لقطاع علماني عابر للطوائف
المشنوق لـ"النهار": هناك من يدفع إلى الدم
وتناولت النهار الشأن الداخلي وكتبت تقول "لعل الصورة الصادمة واقعياً التي واكبت الجلسة الـ28 لانتخاب رئيس الجمهورية ولم تحز اهتمام الاضواء الاعلامية المسلطة على تطورات المواجهة المتصاعدة بين هيئات التحرك الاحتجاجي والحكومة والتي من شأنها ان تثير مزيدا من القلق من هذه المواجهة تمثلت امس في اكتمال "ستار حديد" واقعي حول مجلس النواب بالإضافة الى الستار الحديد الشائك الذي اقيم بين السرايا وساحة رياض الصلح قبل يومين. لم يكن تحصين مجلس النواب بالستار وببوابات حديد أنشئت على عجل وقننت العبور من الشوارع المحيطة بساحة النجمة الى قلب الساحة حيث مبنى المجلس سوى نذير استعدادات امنية لمرحلة طويلة من موجات الاحتجاجات والتظاهرات خصوصاً وسط العد التنازلي لموعد 9 ايلول. فوقت استكمل موفدو رئيس مجلس النواب نبيه بري ابلاغ المدعوين الى طاولة الحوار الجديدة في هذا الموعد كانت "لجنة المتابعة لتحرك 29 آب" تسارع الى دق النفير لاعتصام حاشد في بيروت في اليوم نفسه "احتجاجا على حوار المحاصصة والفساد والتسويف والمماطلة" وقرنت ذلك بالدعوة الى اعتصامات اليوم في طرابلس وعكار وغداً في الجنوب والنبطية.
وعلى رغم الهدوء الذي طبع بعض التحركات الاحتجاجية غداة اقتحام متظاهرين مكاتب وزارة البيئة لم تغب أجواء المواجهة المتصاعدة وآفاقها عن المواقف المتصلة بتداعيات ما جرى اول من امس وكذلك بتداعيات الصدام الذي حصل في ساحة رياض الصلح في 22 آب من خلال وقائع التحقيقات التي اعلنها وزير الداخلية نهاد المشنوق وردود بعض الهيئات المنخرطة في التحرك الاحتجاجي عليه.
وزير الداخلية
وفي موقف يكتسب دلالات لم يفصح عن تفاصيلها، ذهب الوزير المشنوق الى التحذير عبر "النهار" من "أن هناك من يريد أن يدفع لبنان الى الدم". اما في المؤتمر الصحافي الذي عقده امس في الوزارة لإعلان نتائج التحقيقات في أحداث 22 آب الماضي والمسؤوليات التي تحددت بموجبها، فقال: "إن أي احتلال او اعتصام او اعتداء على مؤسسة عامة سيتم حسمه من اللحظة الاولى تحت سقف القانون وبالقوة اذا لم يستجب المحتلون او المعتصمون". وإذ أقرّ بأنه "حصل إفراط في استعمال القوة" في أحداث 22 آب، وأعلن أن تقرير التحقيق القضائي بلغ 78 صفحة و تقرر بموجبه "تحويل ضابطين على المجلس التأديبي وستة عسكريين بعقوبة مسلكية لقيامهم بالتصرف بشكل تلقائي من دون العودة الى رؤسائهم وتوجيه تأنيب الى الضباط لتركهم وسائل اتصالهم في مكاتبهم". وفي المقابل، قال وزير الداخلية "ان عدد الموقوفين تجاوز المئة بقي منهم حتى الآن 18 موقوفا بينهم قصّر و سوري وسوداني"، معتبرا ان "سياسة شيطنة قوى الامن هي جريمة فهي من الناس ومن يراها في غير هذا الاطار مصاب بعمى وطني".
وفي المقابل، نظمت حملة "بدنا نحاسب" تجمعاً هادئاً عصراً في ساحة رياض الصلح وردت على الوزير المشنوق فاتهمته "بقلب الحقائق"، كما حملت على "قمع القوى الامنية وتعديها على المعتصمين داخل وزارة البيئة وخارجها"، ووصفت الدعوة الى جلسة طارئة لمجلس الامن حول لبنان بأنها "مشبوهة ومرفوضة وتشكل تدخلا سافرا في شؤون لبنان الداخلية".
وفي مسار احتجاجي آخر، نظم "التيار الوطني الحر" مواكب بالسيارات جابت بعض المناطق استعدادا للتظاهرة التي دعا اليها العماد ميشال عون انصاره بعد ظهر غد في ساحة الشهداء. ورفعت المواكب شعارات تطالب بأولوية انتخاب رئيس "قوي" وأقفل أحد المواكب الطريق المؤدية الى القصر الجمهوري في بعبدا.
شهيب
في غضون ذلك، علمت "النهار" ان وزير الزراعة اكرم شهيب قطع شوطا متقدما نحو انجاز المهمة التي كلفه القيام بها رئيس الوزراء تمام سلام لوضع تقرير مع الخبراء عن حل لازمة النفايات. وفي المعلومات ان شهيب الذي يعمل بوتيرة كثيفة التقى الجمعيات البيئية والاهلية كما التقى فريقا من التحرك الاحتجاجي وناقش معه الخطوط العريضة لخطة الحل من باب احترام رأي المحتجين واشراكهم في الحل. وعلمت "النهار" ان ثمة اتجاها الى اعطاء البلديات صلاحيات واسعة في الحل المقترح على اساس اللامركزية الادارية والانمائية وان الوزير شهيب سينجز التقرير غداً ويسلمه الى الرئيس سلام.
مجلس الامن
وطبقا لما أوردته "النهار" امس، أفاد المراسل في نيويورك علي بردى ان مجلس الأمن جدد أمس التعبير عن وحدة المجتمع الدولي ودعمه لاستقرار لبنان، مطالباً النواب اللبنانيين بانتخاب رئيس جديد للجمهورية "في أسرع وقت" من أجل "وضع حد لانعدام الاستقرار الدستوري". بينما رأى مسؤولون في الأمم المتحدة "ايجابيات" في التحركات الشعبية الأخيرة لأنها "أظهرت قطاعاً علمانياً" عابراً للطوائف في المجتمع المدني.
وكشف مسؤول في الأمم المتحدة لـ"النهار" أن المجموعة الدولية لدعم لبنان ستعقد اجتماعاً رفيعاً بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون ورئيس الوزراء تمام سلام. وتوقع حضور وزراء الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف والفرنسي لوران فابيوس والبريطاني فيليب هاموند والصيني وانغ يي، من أجل "توجيه رسالة موحدة من المجتمع الدولي، وتكريس اجماع أعضاء مجلس الأمن على ضرورة إحلال الاستقرار في لبنان ودعم مؤسساته الوطنية، وخصوصاً الجيش والقوى الأمنية الأخرى، والدعوة الى انتخاب رئيس للجمهورية من دون أي مزيد من الإبطاء". وكرر أن "الديبلوماسية الوقائية كانت هدف طلب الأمانة العامة للمنظمة الدولية ودائرة الشؤون السياسية فيها الاستماع الى احاطة من المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ".
وكشف ديبلوماسي حضر الجلسة التي عقدت خارج جدول الأعمال أن كاغ ركزت في إحاطتها على "الجمود السياسي"، وما قد ينجم عنه من "خطر على ثقة الناس". وتطرقت الى التظاهرات والاحتجاجات التي شهدها لبنان في الآونة الأخيرة. ونقل عنها ديبلوماسي معني بملف لبنان أن "هناك تطورين ايجابيين محتملين: الأول يتعلق بأن حركة المجتمع المدني أطلقت نقاشات متجددة حول القضايا السياسية العالقة، والثاني يرتبط بظهور قطاع علماني عابر للطوائف في المجتمع المدني". وتحدثت عن "احباط قد يتنامى من الحكومة بسبب عدم احراز تقدم"، معلنة أن المجتمع الدولي "متشجع من انخراط المجموعات السياسية مع جماعات المجتمع المدني".
وإثر هذه الإحاطة من كاغ، أصدر مجلس الأمن عناصر بيان للصحافة تلاه رئيسه للشهر الجاري المندوب الروسي فيتالي تشوركين عن الوضع في لبنان. وأشار في المستهل الى أن الإجتماع لم يكن طارئاً بل من خارج جدول الأعمال، وقال إن أعضاء المجلس توصلوا الى "اتفاق على إصدار عناصر بيان للصحافة" تعبيراً عن أنهم "سيواصلون المتابعة والمراقبة عن كثب للتطورات دعماً لوحدة لبنان وسيادته واستقراره واستقلاله ودعماً لشعبه". وأضافوا أنهم "يعبرون عن تأييدهم للحكومة اللبنانية ورئيس الوزراء تمام سلام"، وأنه "بناء على البيان الرئاسي الذي أصدر في 19 آذار 2015، هناك ضرورة لانعقاد مجلس النواب اللبناني وانتخاب رئيس في أسرع وقت ممكن من أجل وضع حد لانعدام الاستقرار الدستوري". وخلصوا الى أنهم يتطلعون الى الإجتماع الرفيع المستوى للمجموعة الدولية لدعم لبنان خلال الدورة المقبلة للجمعية العمومية للأمم المتحدة. وأكد تشوركين لـ"النهار" أن مجلس الأمن لا يزال متحداً في مواقفه من لبنان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018