ارشيف من :أخبار لبنانية
طاولة حوار للثمانية الكبار
حبيب فياض ـ "السفير"
يتعرّض لبنان، في ذروة التأزيم الذي تشهده المنطقة، لانزياح تلقائي من قلب الخريطة السياسية الإقليمية الى أطرافها، حيث لم يعُد قضية مركزية، بل بات هامشاً ملحقاً بمتن القضايا الأخرى، وأزمة تصلح للعبور منها إلى غيرها من الأزمات. وهو مرشح أيضاً، في معمعة التخبّط الداخلي، إلى انهيارات محتملة تطيح بهيكل الدولة وما تبقى من كيان واستقرار.
ومهما يكن، فليس ثمة ما يوحي بأن الواقع اللبناني سيخرج عن كونه جولات متفرقة من الأزمات المتصلة. يزداد المشهد كارثية مع أزمة النفايات التي وضعت البلد تحت وطأة الفساد بأقصى درجاته. فيما حراك الشارع، بوصفه ظاهرة احتجاجية، بات محطة انقسامية أخرى بين لا منطقين، الأول يتحفظ على الحراك خوفاً من ولائه للسفارات، والثاني يندفع بلا هوادة مطالباً بتغيير النظام، منذراً بسقوط الهيكل على البلد والنفايات معاً.
الوضع بالغ الخطورة، فيما الغالبية ما زالت تنظر الى المشهد من الزوايا الأكثر ضيقاً. يتقن اللبنانيون تتبع الهوامش والتغاضي عن الأصل. يسعون إلى الفوز بالنقاط والجميع مهدّد بخسارة الضربة القاضية. يحبون الأسئلة التفصيلية وتغيب عن أجنداتهم القضايا الكبرى. يتتبعون صغائر الأمور في حين أن الملفات الكبرى خارج الرؤية والمتابعة. يختصرون أزمة البلد بكيفية إدارة جلسة في مجلس الوزراء، أو بالخلاف على تعيين ضابط في منصب، أو بالتناتش حول مكان طمر النفايات، من دون أن يغيب عن المشهد الخلاف على إحصاء عدد المتظاهرين في الشارع عند كل تظاهرة يدعو لها هذا الفريق أو ذاك، بينما البلد مهدد كله بالدخول في مرحلة ذهب مع الريح.
وبرغم طغيان الجانب المعيشي من الأزمة اللبنانية على شقها السياسي، ما زال البعض يراهن على الخارج لإخراج لبنان من عنق الزجاجة. صحيح أن الخارج شرط لازم للحل السياسي في الداخل، لكنه لم يعد يكفي من دون وضع حد لأدوات الفساد إلى جانب إرادة وفاق محلية. يستطيع الخارج العمل على انتخاب رئيس للجمهورية، لكنه لن يستطيع بالتأكيد إقناع أهالي الناعمة بإعادة فتح المطمر. وقد يستطيع المساعدة في توفير الطاقة الكهربائية للبنانيين، لكنه لن يكون بمقدوره وضع حد للسرقة والهدر في ملف الكهرباء وغيرها. والمحصلة أن الأزمة اللبنانية هي اليوم محلية الأصل، مهما قيل عن أصالة فرعها الخارجي.
بات على اللبنانيين التعايش مع الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد بعيداً من الرهان على حلول تأتي من الخارج، الذي بات دوره في التأزيم الداخلي مقتصراً على عدم المبادرة نحو الحل، فيما الداخل اللبناني يتحمل المسؤولية كاملة في التأزيم المشار إليه، عبر إيجاد الموانع أمام الحل وخنق الدوافع المفضية اليه.
فلبنان، كما كان دوماً، في قلب المنطقة ولكن المنطقة هذه المرة في حلّ منه. أزمته من أزماتها وصراعه من صراعاتها، غير أن أوجاع اللبنانيين اليومية مرتبطة بالمعالجات المحلية، وليست متوقفة على أي حلول إقليمية محتملة. لهذا هم يحتاجون الى معجزة تتجاوز طاولة الحوار المنعقد تحت قبة البرلمان، واستبدالها بطاولة حوار أخرى يجتمع حولها الثمانية الكبار الذين هم أصحاب الحل والعقد في البلد، وبقاء هؤلاء في حال انعقاد حتى الوصول إلى نتائج وحلول، وذلك بوصفهم قادرين مجتمعين على معالجة ما آلت اليه الأوضاع في البلاد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018